السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)

(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أيها القراء الأعزاء:
أخرج البيهقي في الدلائل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة. قال: وما لهم لا يؤمنون ، وهم عند ربهم؟ قالوا: فالأنبياء. قال: فما لهم لا يؤمنون، والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن. قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ألا أن أعجب الخلق إلي إيماناً، لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيه) ورواه الطبراني عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بلفظ:(أصبح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوماً .. ثم قعد للناس فقال: يا أيها الناس من أعجب الخلق إيماناً؟ قالوا:الملائكة. قال: كيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر! قالوا: فالنبيون يا رسول الله. قال: كيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء! قالوا: فأصحابك يا رسول الله. فقال: وكيف لا تؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون، ولكن أعجب الناس إيمانا، قوم يجيئون بعدي يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني أولئك إخواني) ـ ورواه البزار عن عمر وأنس بنحوه.
هذه بشرى لكل من لم ير رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان الحبيب (صلى الله عليه وسلم) يحب البشرى والأمل، وينزع من صدور أصحابه وأمته كل معاني اليأس والإحباط والفشل. فأمته أمة مرحومة منصورة محبوبة، وهي شاهدة علي الأمم يوم القيامة، وأول أمة تدخل الجنة، وما ذُكرت أمة من الأمم السابقة في القرآن إلا بالذم والتكذيب، أما هذه الأمة فذكرت بالمدح والثناء: (كنتم خير أمة أخرجت للناس).
وليس هناك نبي أحب أمته ودعا لها وكان حريصا علي هدايتها ونجاتها كما كان حرص هذا النبي الكريم الرحمة المهداة والنعمة المسداة (صلى الله عليه وسلم)، ويشهد بذلك حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ : إنها جاءت هي وأبواها، أبو بكر، وأم رومان إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقالا: إنا نحب أن تدعو لعائشة بدعوة، ونحن نسمع، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(اللهم اغفر لعائشة بنت أبي بكر الصديق مغفرة واجبة، ظاهرة، باطنة)، فعجب أبواها لحسن دعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) لها. فقال: (تعجبان، هذه دعوتي لمن شهد أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله) ـ رواه الحاكم في المستدرك.
فلا مجال لهذه الأمة أن تقطع حبل الرجاء والأمل، وقد يتأخر النصر والعز والتمكين عنها لفترة من الزمن حتى تراجع نفسها مع ربها، وترجع إلي دينها تتعلمه وتعمل به وتدعوا إليه ، فيرجع إليها كل هذه البشريات الموعودة بها في الكتاب والسنة:(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).
والمحبوب عند الله من فيه صفتان: امتثال الأمر، واجتناب النهي، فمن أطاع الله في أمره وانتهي عما نهاه عنه فهو المحبوب الذي يباهي الله به الملائكة، ولا يتركه لنفسه ولا يضيعه في دروب الحياة.
فالمسلم يبدأ بنفسه ولا ينظر لمن حوله، لأنه سيموت وحده ويدخل قبره وحده ويُبعث وحده ويُحاسب وحده، فما له وللناس؟ (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون).
ومن سنن الله الثابتة أن الأيام دول، (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، ومن طبيعة الحياة أنها دار متقلبة: فيها الصحة والمرض، والعسر واليسر، والفقر والغني، والنصر والهزيمة ، وقد ينهزم المسلمون في مرحلة زمنية ولكن هذا عارض سرعان ما يزول، ويبقي الحق في الأرض، وهذه أيضا من سنن الله: المنصور الذي انتصر في الحياة ليس هو الذي أخذ قطعة من الأرض غصباً، أو سرق المال نهباً، لأنه سرعان ما يموت ويرحل عن الأرض والمال، إنما المنصور هو الذي خرج من الحياة دون أن يبيع عقيدته وإيمانه حتى لو خرجت روحه.
قد يقول قائل: هذه أساطير فهل عليها من دليل؟ نعم. الدليل ليس كلاماً أجوف، وإنما نماذج عملية من صنع الإسلام العظيم:
1 ـ حرام بن ملحان ـ رضي الله عنه ـ عندما جاءه سهم قاتل في حلقه فقال وهو في الرمق الأخير: فزت ورب الكعبة! فقال الرجل الكافر الذي قتله: بأي شيء فاز هذا؟! فقالوا له: فاز بجنة ربه. فقال: صدق والله وأنا علي دينه. وأسلم. لماذا أسلم؟ لأنه نظر أن الإنسان يعيش ليربح ويفوز، أما إذا غادر هذه الحياة فأي فوز وربح هنا سيتحصل عليه؟ قد نري في الدنيا صورا كثيرة للفوز: من فاز بجائزة. منصب. سيارة. وظيفة، أما هذا الذي يترك الحياة ويغادرها بما عليها ومن عليها بأي شيء فاز ؟ فاز بجنة ربه .
2 ـ في القرن السادس الهجري حينما زحف التتار وخربوا بغداد ودمروا الشام، ذهب إليهم مبعوث من البابا في روما ليستميلهم إلي دينه فأبوا، ورجع إلي روما خاسئاً.
وحينما كسرت شوكتهم وانهزموا، دعاهم المسلمون إلي الإسلام فأسلموا وبنوا أعظم حضارة في وسط آسيا امتدت لثمانية قرون، بنوا فيها المساجد والمدارس، وصار منهم علماء وأئمة وحفاظ للقرآن وقوام بالليل. والذي يتصفح التاريخ يري أن النصر الحقيقي علي التتار ليس هو هزيمة أجسادهم في ساحات القتال ، وإنما هزيمة الكفر الذي في قلوبهم، وكيف استطاعت أمة الإسلام أن تحول أمة همجية جاهلية عمياء هوجاء مثل أمة التتار إلي أمة صالحة مؤمنة عابدة تعمر الحياة بدل أن تدمر الحياة؟.
(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)، أسباب العزة والكرامة والثبات لهذه الأمة المرحومة المنصورة كثيرة منها:
أولاً: أنها علي الحق، ودينها دين الحق، والذي يستند إلى الحق فهو قوي بالحق، أما الباطل فهو يدمر النفس من داخلها، ولا يعطيها القوة والقدرة على الصمود أمام هموم الحياة.
بضاعتنا رائجة ويتشوف لها العالم كله، ألوف يدخلون الإسلام كل يوم من القارات الخمس، وهذا المد الهائل ليس طمعا في المال أو الجاه بل حبا في الإسلام وعشقا لنوره وجماله وهدوئه.
هل تجد دينا قد عني بالإنسان وخاطب ملكاته وخاطب عقله وقلبه كما تجد في الإسلام؟ تجد فيه منهجاً كاملاً للاقتصاد والبيوع والمعاملات المالية، ومنهجاً واضحاً للأسرة والزوجية والأبناء وعلاقة كلٍ ببعضه، ومنهجا للعلاقات بين الدول والأمم والشعوب قد امتلأت بها كتب الفقه العامرة، ومنهجا للعلاقة بين الناس في القضاء والقصاص، ومنهجا للعبادة وتزكية النفوس، ومنهجا للهو المباح والترويح عن النفس، فهو دين للحياة الدنيا وللآخرة معا.
نعم. معنا الحق، والله حق، وأرسل رسوله بالحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟.
ثانياً: أنها أمة ظاهرة ودينها باق إلي يوم القيامة، فلا نبي بعد نبينا، ولا أمة بعد أمتنا، حتي لو هُزم المسلمون مرة فلن يُهزم الإسلام لأنه دين الله، وللإسلام رب يحميه.
ثالثاً: أنها أمة تفهم معني الحياة ولا تقطعها عن الآخرة ، بعكس الكافر الذي يري الحياة الدنيا جنته فيريد كل شيء هنا ولو بالخطف والسرقة من الآخرين ، لأن الآخرة ساقطة من حسابه، أما المؤمن فالزمان أمامه فسيح ممتد يعبر به عبر أسوار الحياة الفانية الزائلة إلي الآخرة الباقية فلا يخاف، لأنه مهما عاش فسيموت وسيموت كل من حوله:(إن إلينا إيابهم ، ثم إن علينا حسابهم).
سيموت الظالم والمظلوم، وهل من مات قد أُغلق أمره وانتهت قضيته؟ كلا، هناك حساب، من قُتل مظلوما سيأتي يوم القيامة متشحطاً في دمائه يمسك بيد قاتله ويقول: يا رب سل هذا لم قتلني؟ من أكل أموال الناس بالباطل وهتك أعراضهم فسيأتي الخصوم أمامه يوم القيامة يطالبونه بحقوقهم، يقولون: يا رب. هذا أكل أموالنا وهتك أعراضنا فنريد القصاص.
حتى المرأة التي أجهضت جنينها يأتي هذا الجنين يوم القيامة وله صوت كصوت الرعد ويبحث عن أمه التي أجهضته ويأتي بها بين يدي الله يقول: يا رب سل هذه لم قتلتني؟، قال القرطبي في تفسيره: وروى عكرمة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها بثدييها، ملطخا بدمائه، فيقول يا رب، هذه أمي، وهذه قتلتني)، (وإذا الموءودة سئلت. بأي ذنب قتلت).
الحساب لم يبدأ بعد، وإذا بدأ الحساب يوم تجتمع البشرية ليوم لا ريب فيه ، فهناك أمام الديان كيف سيكون حال العباد؟ (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً. يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً). الأمور لن تنتهي بالحياة الدنيا ، بل لابد من الحساب.
رابعاً: هذه أمة قائدة لا مقودة، متبوعة لا تابعة، لها الإمامة والريادة لسائر البشرية فقط إذا استقامت علي دينها وأطاعت ربها ، فالبشرية في فترات طويلة من الزمن لم تجد طعم الأمان والهدوء والراحة والطمأنينة إلا في يد أمينة وهي يد المسلم ، الذي يحترم العهود والمواثيق ، ويقيم الموازين التي لا تحابي أحداً.
فالمسلم بهذه المقاييس عزيز، وبغيرها تظل العزة لهذه الأمة حبيسة النصوص الشرعية وليس في واقع الحياة حتى يعرف المسلم: من هو؟ ولماذا خُلق؟ وما الذي يجب عليه فعله؟ فالله جعل المسلم متوجا علي هامة البشرية، وليس كناسا يجمع حطامها.
من هو أول من فرض راتبا لكل مولود يولد في الإسلام؟ أليس عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه؟
من هو القائل لهذه العبارة التي صدروا بها قائمة حقوق الإنسان في العصر الحالي:(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ (أليس هو عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه)؟
* وهناك فرق بين العزة والغرور:
العزة لله ولرسوله وهذا مما لا خلاف عليه، والعزة للمؤمنين موقوفة علي حالهم مع الله ومع دينهم ومدي ارتباطهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، فمستندهم في ذلك هو الحق. أما الغرور فسنده الباطل وزينة الحياة:(حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس).
كانوا في السابق يعتزون بالأنساب والأموال والأحساب، فغيَّر هذا الدين مفاهيم العزة وعلَّمهم:(إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
روى مسلم وأحمد عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد: إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
علامة الحياة في الجسد الحي أنه إذا أصيب منه عضو بالألم تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهذه الأمة ولله الحمد أمة حية وليست أمة ميتة، وعند الشدائد تحيي سنة الدعاء والتضرع.
وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا حزبه أمر فزع إلي الصلاة ،كما روى أحمد وأبو داود عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ ونادى: (أرحنا بها يا بلال) كما روي أحمد وأبو داود عن رجل، وعلَّم أمته دعاء الكرب، فكان يقول عند الشدائد ما رواه أحمد عن عبد الله بن جعفر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان إذا حزبه أمر قال:(لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين).
فهذه الأمة ليس لها إلا الله تتعلق بدينه وتستقيم على أمره فيحفظها الله من شرور أنفسها ومن شرور أعدائها، يُروى عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وقد أصلح الله أوائلها بالإيمان واليقين، ويفسد آخرها بالبخل وطول الأمل .
ابدأ بنفسك فأصلحها، وادع غيرك بالحكمة والموعظة الحسنة، فالدال علي الخير كفاعله، والأجور مضاعفة في آخر الزمان، حينما تكثر الفتن ويقل الأعوان علي الخير، ويصبح المؤمن غريباً في آخر الزمان، فطوبي للغرباء.

إلى الأعلى