الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المبهمات في القرآن الكريم (1)

المبهمات في القرآن الكريم (1)

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, موضوع المبهمات قل الناظرون فيه وهمّ الشاغلون فيه فنجد أن المؤلفات فيه قليلة والجهد فيه كبير, وسوف نتحدث إن شاء الله عنه هنا باختصار مفيد غير مخلَّ ولا مكلّ.
يهمنا أن نعرف أولاً الأصل اللغوي لكلمة (مبهم), ومعاجم اللغة بينها اتفاق واضح في معناه فقد جاء في (مقاييس اللغة):(بَهِمَ) الْبَاءُ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ: أَنْ يَبْقَى الشَّيْءُ لَا يُعْرَفُ الْمَأْتَى إِلَيْهِ. و(في الصحاح): أمرٌ مُبْهَمٌ، أي لا مَأْتى له. وأَبْهَمْتُ البابَ: أغلقتُه .. واسْتَبْهَمَ عليه الكلام، أي استغلَقَ. وتَبَهَّمَ أيضا .. وهذا فرس بهيم، أي مُصْمَتٌ، وهو الذي لا يخلط لونه شئ سوى لونه, وفي (لسان العرب): كلَّ حَيّ لَا يميِّز، فَهُوَ بَهِيمة .. وأنشد ابْنَ الأَعرابي:
أَعْيَيْتَني كلَّ العَياءِ
فَلَا أَغَرَّ وَلَا بَهِيم
قَالَ:يُضْرَب مَثَلًا للأَمر إِذا أَشكل لَمْ تَتَّضِحْ جِهَته .. وَحَائِطٌ مُبْهَم: لَا بَابَ فِيهِ .. والبَهِيمُ مِنَ الْخَيْلِ: الَّذِي لَا شِيةَ فِيهِ
وفي(المعجم الوسيط):(الْمُبْهم) مَا يصعب على الحاسة إِدْرَاكه إِن كَانَ محسوسا وعَلى الْفَهم إِن كَانَ معقولا وَمن الْأَشْيَاء الْخَالِص الَّذِي لَا شية فِيهِ تميزه وَمن الْأَجْسَام المصمت وَمن الْكَلَام الغامض لَا يتحدد الْمَقْصُود مِنْهُ
والمبهم من الظروف هو ما لم يُحْصَر كنحو: قبل, وخلف وتحت .. الخ.
فإن قلت قبل المساء وتحت الطاولة .. الخ, زال أبهامها.
والمبهم هو اسم مفعول من (أبهم) وقد مضى بيان معناه, ونستطيع أن نقول أن المبهمات المعنوية اللغوية هي عبارة عن كلمات لابسها الاشكال فلا يُعرًف المأتى إليها ولا المقصود منها فهي مغلقة على العقل خفية عنه لعدم اتضاحها.
عزيزي القارئ: بعد أن عرفت المعنى اللغوي لـ(مبهَم) نأتي الآن إلى المعنى الاصطلاحي فقد عرَّفه الإمام السهيلي (ت ـ 518هـ) بقوله:(ما تضمنه كتاب الله العزيز من ذكر من لم يسمه الله فيه باسمه العَلَم، من نبي أو ولي أو غيرهما، أو من آدمي أو ملك، أو بلد أو كوكب أو شجر، أو حيوان له اسم عَلَم).
وزاد ابن جماعة (ت733هـ) على تعريف السهيلي: (أو عدد لم يُحدد، أو زمن لم يُبين أو مكان لم يُعرف وغيرها).
بينما المبهَم في مصطلح الحديث هو ما أُغْفِلَ ذكر اسمه في الإسناد أو في المتن لأمر من الأمور.
والمبهم في أصول الفقه معناه قريب من المجمل فالمجمل مبهم خفي يحتمل لأكثر من معنى واحد بلا ترجيح بينها وهو قسم من قسمي المتشابه, مثاله قوله سبحانه:(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)(المدثر ـ 30) فلم يميَّز ماهية التسعة عشر, وحكم المجمل التوقف وهو عدم الترجيح حتى يُعرَف البيان.
ونستطيع أن نقول إن المبهم في القرآن هو لفظ في القرآن له عَلَم لإنسان أو ملك أو جن أو كوكب أو شجرة أو حيوانً أو بلد, ورد دون تحديده, أو لفظ زماني أو مكاني أو عددي لم يتحدد عينَ كل منها، فمثال المبهم العلم:(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)(النجم ـ 5) فقيل: هو جبريل ـ عليه السلام ـ ومثاله أيضاً:(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)(البقرة ـ 259), قيل: هو النبي عزير ـ عليه السلام ـ ومثاله أيضاً:(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا)(الجن ـ1), ومثال الكوكب:(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي)(الأنعام ـ 76), قيل: هو الزهرة, ومثال الحيوان:(وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)(الكهف ـ 18), ومثال الشجرة:(كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)(ابراهيم ـ 24), ومثال البلد:(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)(المائدة ـ 21) حيث أُبهِم اسم الأرض المقدسة وهو فلسطين أرض الأنبياء, عليهم السلام, ومثال الزمني :(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)(الفاتحة ـ 4) فلا أحد يعرف متى يوم الحساب, ومثاله كذلك:(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)(البقرة ـ 51) فلم يتحدد تأريخ ابتداء والنتهاء الأربعين الليلة.
ومثال المكاني:(لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)(الكهف ـ 60) حيث أٌبهم مكان ملتقى البحرين, ومثال العددي:(وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ)(الأعراف ـ 46) فنحن لا نعرف كم عدد رجال أصحاب الأعراف كما لا نعلم أعيانهم.
وقد يكون المبهم مفرداُ كما تقدم أو جمعاً مثل قوله تعالى:(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)(الفاتحة ـ 7) حيث دل الحديث على أن المغضوب عليهم هو اليهود وكذلك بدليل قوله تعالى حكاية عنهم:(فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ)(البقرة ـ 90) أما الضالين فدل الحديث نفسه على أنهم النصارى.
.. وللموضوع بقية.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى