الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الترشيد .. عراب التنمية المتوازنة

الترشيد .. عراب التنمية المتوازنة

عادل سعد

”إن الترشيد في الحساب الأخلاقي العام هو سلوك حضاري متوازن، ومدرسة أساسية للحفاظ على البنية العامة للمجتمع حين تتطلبه الضرورة، سوى إن جاء لمعالجة وضع اقتصادي يقتضيه أو أنه يأتي في إطار أسلوب حياة دأبت عليه بعض الدول تحسبًا لاحتمالات أخطار قد تحصل، أو يأتي للاستشفاء من انكماش في مدخولات البلد المالية.”

يعد الترشيد عراب الاقتصاد الجيد سواء كان هذا الاقتصاد بإمكانات متواضعة أو لديه وفرة مالية تغطي الجوانب الاستثمارية التي يتطلبها أي اقتصاد، لأن الإسراف من شأنه أن يضع اقتصادات الوفرة المالية أمام تحديات لا يمكن تجاهلها. وإذا كان الترشيد ضرورة أساسية لمعالجة وضع اقتصادي يعاني من التذبذب أو الانكماش أو العجز، فإنه أيضًا يمثل حاجة لا غنى عنها إذا كان الهدف تقليل الاندثارات فيه، وهو في كل الأحوال لا يختلف في أهدافه الإيجابية عن مفهوم ضغط النفقات بما يمنع حصول الضياعات التي تمثل منافذ للتراجع الاقتصادي إذا لم تكن هناك ضوابط تحد منها.
إن الترشيد في الحساب الأخلاقي العام هو سلوك حضاري متوازن، ومدرسة أساسية للحفاظ على البنية العامة للمجتمع حين تتطلبه الضرورة، سوى إن جاء لمعالجة وضع اقتصادي يقتضيه أو أنه يأتي في إطار أسلوب حياة دأبت عليه بعض الدول تحسبًا لاحتمالات أخطار قد تحصل، أو يأتي للاستشفاء من انكماش في مدخولات البلد المالية.
وفي إطار ذلك وضمن أساسيات علم النفس الاقتصادي يلتقي الخبراء عند نقطة مفادها أن التدبير هو ضمانة التحسب الدقيق لمواجهة كل ما يمكن أن تتعرض له الاقتصادات، وإذا كنا هنا نتحدث عن التدبير أو الترشيد أو ضغط النفقات في الإطار العام للدولة فإنه أيضًا يمثل ضمانة على صعيد توجه الأفراد والجماعات بما يصون الحاضر ويضمن المستقبل ويعزز فرضيات الاطمئنان.
لقد قيل منذ أقدم العصور(إن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود)، وهكذا ليس هناك أصعب الآن من التراجع الذي حصل في أسعار النفط، وما ترتب عليه من انكماش مالي في مداخيل الدول النفطية، خاصة الدول التي تعتمد بالمطلق على إيراداتها من هذه الطاقة الأحفورية لتسيير عجلة التنمية فيها، في حين أن الدول التي اعتمدت سياسة التخلص تدريجيًّا من سطوة تأثير أسعار النفط تستطيع المعالجة لأوضاعها أكثر من الدول النفطية الأخرى، وهذا بحد ذاته ما يميز الاقتصاد العماني بشكل ما، بعد أن بدأ بتنفيذ خططه الاستثمارية القائمة على تحرير الاقتصاد العماني من الاعتماد كليا على الإيرادات النفطية منذ عام 1970، ولكن علينا الاعتراف أن هذا التدرج في التخلص من سطوة الاقتصاد الأحادي الإنتاج عمانيًّا لم يصل إلى النتيجة المطلوبة، إذ يحتاج الأمر إلى سنوات إضافية، وعمومًا ما زال هذا التوجه بطيئًا نسبيًّا لبعض الأسباب التي لسنا بصدد الخوض بها الآن.
وإذا كان قد قيل أيضًا (رب ضارة نافعة) فإن من المفيد التأكيد أن الإجراءات التي اتخذتها السلطنة في التدبير والترشيد وضغط النفقات الحكومية للعام الجديد 2016 من شأنها أن تعطي مردودًا إيجابيًّا لا بدّ منه على صعيد سلوك المواطنين وعلى صعيد العلاقة بينهم وبين الحكومة، خاصة وأن التوجه الحكومي العام يقوم على عدم المساس بالمصالح الاقتصادية لأصحاب الدخول المالية المحدودة، وإعطاء المجال للقطاع الاقتصادي الخاص المساهمة في تعزيز دوره الوطني في الترشيد.
إن التنمية البشرية المستدامة تقتضي في كل الأحوال الترشيد لأنه يمثل المنهج القادر على مواجهة كل احتمالات الانكماش والتراجع والمفاجآت السلبية التي قد تضرب الاقتصاد لأسباب خارجة عن الإرادة، وبعيدًا عن التهويل، لا يعني الترشيد شد الأحزمة على البطون، بل يعني استخدام التعقل الاستهلاكي.

إلى الأعلى