الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإنسان بين سندان القوة ومطرقة الإرهاب (٣ ـ ٣)

الإنسان بين سندان القوة ومطرقة الإرهاب (٣ ـ ٣)

علي عقلة عرسان

إن الإرهاب الدولي الذي تمارسه دول على رأسها الولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل”، ومسلسل الإبادة العنصري ـ الصهيوني المستمر ضد السكان العرب في الأرض المحتلة.. يشكل جريمة ضد الجنس البشري وضد الإنسانية، وتُحاكِم عليه القوانين الدولية، ولا بدَّ من تفعيل ذلك.. وأنه لا بدَّ من أن تتوقف هذه الممارسات، وأن تعيَها ذاكرتنا باستمرار، وألاَّ يمر دون حساب قانوني عادل في المستقبل.

سوف نتوقف عند بعض الوقائع والمعطيات لتكوين رأي ورؤية في المسار (أ) الذي يصنف دولًا على أنها إرهابية، أو ترعى الإرهاب، بنظر الغرب والصهاينة على الخصوص. فما هو الفعل الإرهابي الذي قامت به تلك الدول؟ ولماذا هي إرهابية أو للإرهاب، كما يؤكد المعيار الخاص بوزارة الخارجية الأميركية؟؟
يقولون بوضوح: إنها دول تساند المنظمات “الإرهابية” وتقدم لها العون، ولا تمنعها من أن تتخذ مقرّات لها في بلدانها. وبعض تلك الدول “رعى” و”مارس” عملًا إرهابيًّا ضد الطائرات: حادث “لوكربي، والطائرة الفرنسية” والمقصود/ ليبيا، وبعضها ساند ويساند أحزابًا تقاتل ضد “إسرائيل”؟! لكن أين تقاتل ضد هذه الـ”إسرائيل”، ولماذا؟ ولأية أسباب وأهداف، وممارسةً لأية حقوق، وإظهارًا لأية ظواهر.. كما حاولت قرارات الأمم المتحدة، وتوصيات لجان تلك الهيئة المتعلقة بالإرهاب وأسبابه وأساليب الخلاص منه، أن تبيِّن؟! لا يوجد إضاءة على هذا الجانب، ولا رغبة في التوقف عنده.
فالأعمال التي تقوم بها منظمات مثل “حماس، والجهاد الإسلامي، وصقور فتح، وغيرها” في فلسطين المحتلة، وتلك التي تقوم بها المقاوَمة الوطنية اللبنانية في الشريط الذي كانت تحتله “إسرائيل” من جنوب لبنان، وتتخذه إسرائيل “حزامًا أمنيًّا لها”، هي أعمال موجهة ضد الاحتلال، والاستيطان، ومخطط إبادة الجنس الذي تقوم به “إسرائيل”، وضد الممارسة العنصرية البغيضة التي تطبع التكوين الفردي والجمعي للصهاينة، الذين يسرقون وطن الفلسطينيين، ويريدون فرض سيادتهم وهيمنتهم على المنطقة العربية، ويعوِّقون نموَّها وتقدمها، ويشكلون رأس حربة للاستعمار، الذي ينهب ثروات المنطقة وطاقاتها، ويتخذ منها سوقًا استهلاكية، ورصيدًا لحل أزماته الاقتصادية عند اللزوم.. وتلك الأعمال لا يُنظر إلى شرعيتها، ولا يُنظر إليها على أنها مقاوَمة أقرّها القانون الدولي، وأقرتها شرعة حقوق الإنسان، ومواثيق الأمم المتحدة، والأعراف الدولية، وأيدتها قرارات مجلس الأمن، وهيئة الأمم المتحدة، في تاريخ قضية فلسطينية!؟ وإنما يُنظر إلى “حق إسرائيل” في النظر إلى تلك الأعمال على أنها “إرهاب”، وإلى حق “إسرائيل” في القضاء على ذلك الإرهاب بكل الوسائل؟! وهذا التوجه مستمر منذ قامت “إسرائيل” على الإرهاب، وهو متواصل على الرغم من كل الممارسات البشعة التي تقوم بها.. فدائما عندهم: “إسرائيل” تعاني من الإرهاب ومبتلاة به؟!، أمّا المُبْتَلون بإرهاب “إسرائيل”، وبوجودها، واحتلالها، وعنصريتها.. فهؤلاء، ودولهم ليس لهم لا حقوق الشعوب، ولا حقوق الأفراد، ولا حقوق الدول.. وعليهم أن “يطيعوا”، وأن يطيعوا فقط.
من المعروف بالنسبة لنا نحن أصحاب التاريخ “المنسي” أن أوَّل واقعة تسجل اختطافًا لطائرة مدنية تمت في المنطقة، قامت بها “إسرائيل” وكان ذلك عام 1954 عندما اعترضت الطائرات المقاتلة الإسرائيلية طائرة مدنية سورية وأجبرتها على الهبوط في مطار اللِّد، وقد كان اختطافها بهدف إرهابي، هو احتجاز رهائن أبرياء من المدنيين. وقد كتب موشيه شاريت رئيس وزراء “إسرائيل” في مذكراته عن أسباب ذلك قائلا: “إن رئيس الأركان موشيه دايان كان يهدف إلى احتجاز رهائن، حتى نتمكن من إطلاق سراح مسجونينا في دمشق، وكان هؤلاء المسجونون جنودًا إسرائيليين ألقي عليهم القبض في مهمة تجسس داخل سوريا”.
ولم تكن تلك آخر حادثة اعتداء على الطيران المدني العربي، أو آخر اعتراض وترصّد له، فقد أسقطت “إسرائيل” طائرة مدنية ليبية فوق سيناء، مما أسفر عن مصرع /110/ أشخاص مدنيين أبرياء. واعترضت الطائرات “الإسرائيلية” طائرة ليبية كانت في رحلة عادية من طرابلس إلى دمشق عن طريق قبرص، وأجبرتها على الهبوط في فلسطين المحتلة يوم 4 شباط 1986، ونظرت إلى أعمالها تلك على أنها تصرفات تتفق مع القانون الدولي؟!؟
وإذا أردنا أن نتتبع تلك الأعمال الإرهابية، وأعمال القرصنة الجوية والبحرية التي قامت بها “إسرائيل”، ممارِسةً إرهاب الدولة، ومحميةً بالإمبراطور الكبير الذي يرعى الإرهاب ويستثمر فيه دوليًّا، ويعطيه شرعية، بفعل امتلاكه للقوة التي يمارسها من علٍ .. ونقصد الولايات المتحدة الأميركية .. فإننا سوف نجد أن “القائمة الدولية، عن أعمال البلطجة الإسرائيلية، طويلة” كما يقول جود فري جانسن.
ولكن كل ذلك لا يُسمى “إرهابا” في معيار الغرب، ولا يُحاكَم على أنه كذلك من قبل المنظمة الدولية، ومجلس الأمن الدولي، المحكوم بالإرادة والمصلحة الأميركيتين، ذاك المجلس الذي يمارس ازدواجية معايير صارخة، ويكيل لأحداث متشابهة بمكيالين، واحدٌ للعرب والمسلمين، وآخر له ولمن يتحالف معه. ولا أدل على ذلك من مسيرة قضية فلسطين، والحصار المفروض على شعبها، وما فُرض على العراق، وعلى الشعب العربي الليبي.. ولا أدلَّ عليه أيضًا من الازدواجية القذرة، والتواطؤ العنصري البغيض، الذي مورس في البوسنة والهرسك ضد المسلمين البُشناق.
إن الأقوياء ومصالحهم وتحالفاتهم وتوازناتهم هم الذين يُعطي للفعل الذي يمارسونه، أو يرونه موجهًا ضدهم، لونَه ومدلوله وعدالته ومبرراته والحكم عليه، وليست القوانين والعدالة والمعايير الدولية السليمة.. وهذا أمرٌ فضَّاح جدًّا بالنسبة للموقف من “إسرائيل” التي يناصرها الغرب دومًا، ويناصرها الروس عند الحاجة، وكان واضحًا بالنسبة للصرب الذين تناصرهم روسيا الاتحادية، رغم جرائمهم وإرهابهم الموصوف في إبادتهم لمسلمين في عدة مدن وقرى في البوسنة والهرسك، وقد أيدهم الروس ودول غربية على أساس عرقي وديني.. وهو فضَّاح في ممارسات الولايات المتحدة الأميركية في أميركا اللاتينية، والصومال، والسودان، وفي ممارسات “إسرائيل” في إفريقيا وبعض دول أميركا اللاتينية، حيث كانت تدعم “الإرهاب”، وتتاجر بالمخدرات، وتصدر أسلحة الرعب. وهو على أوضح ما يكون فيما يتعلق بامتلاك الأسلحة النووية، أو التوجه نحو امتلاكها.. فنحن نعرف ما تم بشأن: العراق الذي اتهم كذبًا بذلك فدمِّر تدميرا.. ونعرف ما تم وما يتم من ذلك بشأن “إسرائيل”، وكوريا الشمالية، وإيران.. إذ لكل منهما معاملة مختلفة حيال “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”؟! وهنا تصرخ ازدواجيةُ المعايير، دون أن يلتفت إلى ذلك أحد. فقد وضعت تلك المعاهدة موضع التنفيذ عام 1970، ووقعت عليها الدول الخمس التي كانت تمتلك آنذاك أسلحة نووية بشكل مُعلن، ثم وقعت عليها مئة وخمسون دولة. “وتُلزم المعاهدةُ الدول التي تمتلك أسلحة نووية بالسعي من أجل نزع سلاحها النووي، كما تطالب الدول الأخرى بالامتناع عن امتلاك أو حيازة أسلحة نووية، ووضع المنشآت النووية تحت الرقابة الدولية”.. فالشق الأول من هذا النص لا ينفَّذ، والشق الثاني منه يُنفّذ بانتقائية عجيبة، ويُستخدَم للعدوان والحصار وغير ذلك، حسب رأي الكبار؟! ونحن نعرف ما حلَّ بالعراق، وما فُرض عليه باسم الرقابة على تلك الأسلحة، وما أصيب به تحت مظلة ذلك الاتهام؟! ونعرف التهديدات التي توجه إلى كوريا الشمالية ولكن لا تُنَفَّذ، وندرك تماما أن كيان الإرهاب والعنصرية “إسرائيل”، التي تمتلك أكثر من مئتي رأس نووي، وتعمل سرِّيًّا في هذا المجال منذ خمسينيات القرن العشرين، وأعلن في عدة مناسبات عن قدراتها النووية.. ندرك أنه لم يُطرح أحدٌ من “النوويين الكبار” عليها سؤالًا حول أسلحتها النووية التي يتم تطويرها باستمرار، ولا تساءل أحد عن أسباب دعم قواها تلك باستمرار؟!
أيكون ذلك يا ترى لأن أسلحتها موجهة ضد نوع من المخلوقات لا علاقة لها بالبشر، أم لأن من توجَّه إليهم تلك الأسلحة من قبَلها، هم “أعداء” للولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا، وروسيا، والصهيونية و.. و.. بحكم الجنس، والعقيدة، والثقافة، والتاريخ، أي بحكم العروبة والإسلام باختصار؟!
ربما كانت الإجابة مُحَجَّبَة بألف قناع، ولكنها لا تستطيع أن تخفي الانحياز الوقح، والعداء المقيت، وازدواجية المكاييل، والنفاق السياسي العريق، واستخدام تهمة الإرهاب لدول بهدف تحقيق أهداف سياسية ومصالح. وأهم ما وجِّه إلى دول عربية وإسلامية من تهم بممارسة الإرهاب ورعايته، وأبرز ما يطلب منها لرفع التهم عنها، يمكن تلخيصه مُدْمَجًا بالآتي:
1ـ ألا تقاوم الاحتلال الإسرائيلي، والعدوان والاحتلال الأميركي.. وألا تحمي من يقاومهما. وأن تطرد من أراضيها كل من تشتبه في أنه “وطني”، ويريد أن يقاوم “إسرائيل”، من العرب والفلسطينيين والمسلمين الذين قد يقيمون في تلك الدول أو يمرون بها، أو يطلبون دعمها.
2ـ أن تتغاضى عن الحدود “الإسرائيلية” المتوسعة، وأن تجعلها آمنة، وألا تسمح لأحد بتعكير صفو الأمن والاستقرار في دولة الاحتلال تلك، أو يعترض استمرار التهويد والاستيطان والتوسع.
3ـ أن تعمل على توطيد سلطة الاحتلال، وتوسعه الاستيطاني، وأن تقبل بكل ممارساته، وبتفسيره وتبريره لكل تلك الممارسات، وأن تعترف بسلطته، وبشرعية ما يقوم به في الأرض التي يحتلها، وفي المدى الذي يعتبره مدى استراتيجيًّا لأمنه العسكري والاقتصادي والاجتماعي.
4ـ أن تعترف “بإسرائيل” وبحقها في الوجود، وبسيطرتها على كل ما يقع تحت سلطتها وسطوتها من أرض وبشر، وأن تنهي الصراع العربي الصهيوني بما يثبت حق تلك الدولة وسيادتها في المنطقة.. وأن يتم تطبيع العلاقات معها إلى الحد الذي تغدو فيه تلك الدول وشعوبها ـ أي دول الوطن العربي ـ سوقًا استهلاكية، وامتدادًا استراتيجيًّا للمشروع “الإسرائيلي” المستقبلي، ذاك المتحالف مع مشاريع أميركية وغربية أخرى.
إن أهم استخدام “للإرهاب الذي اتهمت سوريا برعايته داخل لبنان، كان يتمثل في فرض انسحاب القوات “الإسرائيلية”، ومشاة البحرية الأميركية، كما يقول باري روبن، وسوريا تشارك في تمكن المقاومة من تحرير بيروت، والجنوب؟! وتلك “تهمة” تُعاقب عليها الولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل”، والغرب، ومجلس الأمن الأميركي، المسمى دوليًّا. وعلى سوريا غضبة أساسية لسبب رئيس آخر، هو إيواؤها للفصائل الفلسطينية العشرة التي رفضت أوسلو واتفاق (غزة ـ أريحا) والاعتراف “بإسرائيل”، ولا تريد أن تتنازل عن وجودها.
أمّا المأخذ الأساس على السودان كدولة اتهمت بـ”إرهاب؟!”، فهو أنه يقبل بأن تقيم فيه عناصر من حماس والجهاد الإسلامي، ممن يفرون من اضطهاد “إسرائيل” وتصفياتها الجسدية وملاحقاتها الأمنية؟! .. أمّا التهم التي كانت موجهة إلى ليبيا فهي كثيرة، تبدأ من دعمها وتمويلها وتأييدها لمنظمات فلسطينية تقاوم “إسرائيل” وترفض وجودها، وانتهاء بدعم ثوار أيرلندا والهنود الحمر، وكل أولئك الذين كانوا يومًا على قائمة: حركات التحرر في العالم، ولأنها عارضت مؤتمر مدريد.
ذلك لأن المناخ السياسي أصبح ملائمًا لفرض تسوية على العرب، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكارثة حرب الخليج الثانية، التي قاد إليها رأي خائب، وقرار مصنَّع لخدمة الأغراض والمصالح الأميركية.
وقد قال برنارد لويس، بهذا الشأن، في محاضرة له في جامعة تل أبيب: “إن صعود الإسلام الأصولي، وهبوط العروبة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، خلقت واقعًا سياسيًّا جديدًا في المنطقة، يمكِّن الزعماء العرب من انتهاج سياسة براغماتية تجاه “إسرائيل”.
تبقى ملاحظات واستيضاحات تتصل بالفقرة الأخيرة (ج) من التصنيف الذي أشرنا إليه في تقرير الأمم المتحدة، أي بالعنف والعنف المضاد اللذين يُمارسان في بعض الأقطار العربية، لا سيما مصر والجزائر، بين سلطة ومعارضة، كل منهما لجأت إلى العنف أو أُلجئت إليه، وأدى تساقيهما كؤوسه إلى تجرع أبرياء للبؤس واليأس والموت.. فضلًا عن خسارة تلحق بالوطن، وبكل أبنائه ومجالات نموه، وبالأمتين العربية والإسلامية.
إنني أفضل أن أنظر إلى هذا الأمر في إطار لعبة الوصول إلى السلطة والمحافظة على البقاء فيها، تأكيدًا لأهداف وتحقيقًا لأغراض؛ ولا أود أن أنظر إلى ذلك على أنه صراع بين الكفر والإيمان، ولا بين التقدم والتخلف. ولا يمكنني أن أمر بذلك من دون الإشارة إلى خلفيات تدفع الأحداث والأطراف، قد يلعب فيها (التسميم) المخابراتي للقوى التي لا تريد بالعرب والمسلمين خيرًا، دورًا كبيرًا.
إن اللجوء إلى العنف، عصف بالجزائر بعد أن تعطل السير في طريق الانتخابات الديمقراطية، وتعطل الحوار. والحال في مصر العربية يختلف عن الحال في الجزائر، ولكن الشكوى التي تبوح بها السلطات تتركز حول تدخل أجنبي، يهدف إلى الاستيلاء على الحكم، وتغيير توجهات البلاد، مما يسفر عن كذا وكذا من التحولات والمعطيات، والمعارضة لها اعتراضاتها ومآخذها وإيمانها ورؤاها.
وربما نجد بعض الحق مع من يرفضون القول بأنهم سوف ينهون الديمقراطية أو يلغونها، بعد أن يصلوا عن طريقها إلى السلطة، لأن في ذلك نوعًا من المصادرة؛ فاللعبة الديمقراطية إمّا أن نخوضها مع الإقرار بكل ما ستسفر عنه، ثم نقوّم الفعل والأحزاب والأشخاص والتنظيمات والممارسات في إطارها، وإمّا أن نُحجم عن السير في طريقها. وليست مقبولة مقولة: “الديمقراطية لنا”، وليست “لأعداء الشعب” التي طالما استخدمها بعض اليسار.. فمن ذا الذي يحدد بدقة: من هم أعداء الشعب!؟ في وطن من حق كل أبنائه أن يكونوا مواطنين صالحين، ما لم يثبت عكس ذلك!؟ أما البناء على التخمين، ثم التعميم، والقيام بمصادرات، و”حروب وقائية ـ استباقية؟!”، بناء على افتراض ما قد يكون.. فذاك يدخلنا في باب من أبواب العنف الذي يولد العنف؟!..
أمّا لجوء التيارات الإسلامية إلى العنف، أو قولها ـ تأكيدها، على أنها إنما اضطرت إلى ذلك، بعد أن سُدَّت عليها المنافذ، وأدركت أنها مستهدَفة فاضطرت للدفاع عن نفسها؛ فذلك أمر يحتاج إلى تقويم وتدقيق وتمحيص، كما يحتاج إلى تفصيل في غير هذا المجال، واعتمادًا على وقائع ووثائق ومعطيات لا أملكها؛ وكذلك الأمر فيما يتعلق بالآراء والمواقف والمعطيات التي تبرر سلوك السلطة حيال ذلك.
وما أريد أن أذهب إلى تبنيه من رأي يتلخص في الآتي:
ـ إن تمايزًا ينبغي أن يقوم بين الفعل الموجه للعدو الصهيوني من تيارات إسلامية وغير إسلامية، وذلك الموجه لأنظمة وتيارات وأحزاب داخل الأقطار العربية، ومن ثَمَّ لا بدَّ من البحث عن صيغة ملائمة، ومصطلحات ملائمة أيضًا.
ـ إن المقاومة للاحتلال الأجنبي مشروعة ومطلوبة، وتعتبر عملًا قوميًّا ووطنيًّا، وفعلًا إنسانيًّا مشروعًا، أيا كان سلوك المحتل وسبب احتلاله ومبررات فعله.. ومن ثمَّ فإن اللجوء إلى العنف ضده لا يُسمى إرهابا، وإنما مقاومة وطنية مشروعة وشريفة، أخلاقية وقانونية وإنسانية.. وتبقى كذلك إلى أن يتم التحرير والاستقرار في أرض الشعب والتاريخ بحرية، وتقرير المصير فوقها بملء الإرادة والاختيار.
ـ أمّا العنف المتبادل بين “سلطة ومعارضات”، وصولًا إلى الحكم، أو إلى فرض الرأي والرؤية والقرار، فهو يغرق الأبرياء في دوامة تجعل الموت والظلم واليأس والقهر، والطغيان والاستبداد وكل الأمراض السياسية والسلطوية التسلطية.. يقضي على الأمن، ويدمر الوطن وسبل العيش فيه، ويشل الدولة أو يلغيها، وينشر الفوضى بكل ما لها من تبعات، وما يرافقها من كوارث وويلات.. وكل ذلك يتعاون على أبناء الشعب، وعلى الوطن والتاريخ.. ولا يستفيد منه سوى العدو الصهيوني، والطامعون في وطن ودولة وخيرات شعب، وهو ما نجد أنموذجه في سوريا، والعراق، وفي اليمن وليبيا..بكل ما أفضى ويفضي إليه فتن مذهبية وطائفية وعرقية، بل وإلى إرهاب موصوف فريد من نوعه، وتدخل دولي ذي أهداف سياسية مسمومة، ومصالح، وعداء قديم.
ولا بدَّ من أن نبتعد عن ذلك النوع من الأداء الفتاك، مختارين الديمقراطية النظيفة، الخاصة بكل بلد وفق معطيات وظروف ومراحل بناء، لكي نصل إلى علاقات عمل وتعامل، وإلى بناء مجتمع مدني لا يفقد أمنه واستقراره، ولا عقيدته وهويته ومقوماته وقيمه.. وإلى إيمان ديني لا يفقد تسامحه، ومفاهيمه الصحيحة، ولا صلته بالعصر والحضارة وبمتطلبات العيش والدفاع والتقدم.. بعيدًا عن: “تسخير الدين واتهامه”، من قبل المعارضة والسلطة في آن معًا، أو من قبل معارضة ومعارضة، فيما يؤدي إلى الفتنة والمحنة.
ـ إن العنف الذي يشل الحياة والأداء السليم للمواطن والوطن، لا بدَّ من أن يتوقف عن النمو، وألا يدخل في ثأرية كيدية مقيتة، وألا يقود إلى تسلط وفوضى من أي نوع. وعلينا أن نبتعد، “سلطة ومعارضة”، تيارات إسلامية وغير إسلامية، يساريين وليبراليين، و.. و… إلخ، عن الأخذ بمقولات الإعلام الغربي التي ترمي إلى اتهام الإسلام بالعنف والإرهاب، وتُظهر العودة إلى أصوله العريقة والسليمة على أنها مصدر التطرف والعمل “الإرهابي”، فذاك أمر لا يستقيم على أي نحو ولا على أي حال.
في النهاية أريد أن أسجل الخلاصة الآتية:
1- إن الإرهاب الدولي الذي تمارسه دول على رأسها الولايات المتحدة الأميركية و”إسرائيل”، ومسلسل الإبادة العنصري ـ الصهيوني المستمر ضد السكان العرب في الأرض المحتلة.. يشكل جريمة ضد الجنس البشري وضد الإنسانية، وتُحاكِم عليه القوانين الدولية، ولا بدَّ من تفعيل ذلك.. وأنه لا بدَّ من أن تتوقف هذه الممارسات، وأن تعيَها ذاكرتنا باستمرار، وألاَّ يمر دون حساب قانوني عادل في المستقبل. وذلك يتطلب منا امتلاك قوة ندفع بها العدوان والإرهاب عن أنفسنا ومقدساتنا وهويتنا.
2- إن الدول الكبرى تكيل بمكيالين، وتحابي، وتنافق بوضوح.. وتعمل بوحي مصالحها، وتستبيح كل الأساليب.. وعلينا ألا نغرق في المستنقعات الذي تصنعها لنا من جهة، وأن نتعامل مع الواعين من مفكريها وسياسييها من جهة أخرى.. لنخرج إلى فهم أفضل، ودائرة ضوء أكثر سطوعًا، وإلى معيارية أخلاقية أسلم، وعلاقات لا يحكمها الجهل والحقد وتاريخ البغض.. علاقات تحترم سيادة كل الأمم والشعوب والبلدان، وتحترم ثقافاتها وخصوصياتها، وتراعي مصالحها والصلات الطيبة معها.
3- إن “إسرائيل” سوف تبقى وفية لطبيعتها العنصرية، وسوف تبقى كيانًا استعماريًّا ـ استيطانيًّا معاديًا، وسوف تمارس ضدنا إرهابًا موصوفًا، وتفتعل الحوادث والأسباب لشن حروب علينا، ولتشويه صورتنا في العالم. وما لم نملك قوة في كل مجال من مجالات القوة/علمية ـ اقتصادية ـ عسكرية ـ اجتماعية ـ تقنية…الخ/ فإننا لن نحسم صراعنا معها، الذي كان وسيبقى صراع وجود مع وجود، وليس نزاعًا على حدود، مهما أقرت السياسات الحالية ونفذت من اتفاقيات، وما لفَّقت من أسباب ومسببات.
4- إن معظم عوامل ضعفنا متأتية من أنفسنا، ومن تمزقنا، وجهلنا، وتخلفنا، ومن موالاتنا لأعدائنا، ومن ضياعنا بأشكال مختلفة، ومن البحث الرديء عن خلاص خاصٍ، هو أردأ وأقل جدوى، ومدمر للأمم. وليس لنا من مخرج مما نحن فيه إلا بالتأسيس الشامل على مفاهيم وقيم ومعايير وأصول سليمة، نستمدها من العروبة والإسلام في وحدتهما العضوية المتألقة.. من تعاليم الدين الحنيف، ومعطيات العلم والعقل والعصر. كما أنه علينا أن ندرك أنه لا يوجد خلاص قطري، من نوع “أنا أولًا”، فذاك محاق للذات وللأمة. والخلاص الحق يكون قوميًّا أو لا يكون، في ظل المعطيات والمتغيرات الدولية والعربية الراهنة، وفي ضوء معطيات العلوم الإنسانية، والعلوم المحضة، والتقنيات الجديدة، التي تطالعنا بعطاءاتها ونتائجها المذهلة كل يوم.

إلى الأعلى