الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باقية…ولو في قفص العناية المركَّزة!

باقية…ولو في قفص العناية المركَّزة!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

لكن الأغلبية في حكومة نتنياهو، بل في الكيان برمته، وهي ترى كل هذا التردي في الواقعين العربي والفلسطيني، يردفه المزيج من الإشاحة واللامبالاة والتواطؤ الدولي، لم تعد تعنيها لا تحذيرات الأمنيين ولا حصافة المُتعقِّلين ولا كل ما تستند إليه حساباتهم. لأنها لم تعد ترى إلا الفرصة التي لن تتكرر لاستكمال استراتيجية التهويد الكامل الشامل لكل فلسطين التاريخية.

تنسب لروني الشيخ رئيس جهاز “الشاباك” الصهيوني الجديد مقولة سبق وأن رددها عندما كان نائبًا لجهاز الاستخبارات وصف فيها السلطة الفلسطينية بأنها “مريض في العناية الفائقة، يجب علينا إبقاؤها حية، لأنها إن ماتت فسنحل محلها في الفراش”. مضمون هذه المقولة لم ينفرد به روني الشيخ وحده، وإنما هو خلاصة ما توصلت إليه، وأجمعت عليه، وقالت بمثله، كافة القيادات الأمنية في الكيان الصهيوني، ونادى به متعقلوهم في المستوى السياسي. كان هذا من زمن سابق حتى على اندلاع الانتفاضة الثالثة ودور هذه السلطة الفاعل في محاصرتها، بمعنى أنه قبل راهن الجدل الداخلي الصهيوني الحالي حول احتمال انهيارها وردود أفعال المقاطعة في رام الله عليه، والذي اثارته التسريبات المدروسة مؤخرًا في صحيفة “هاآرتس”، حول تخصيص حكومة الكيان جلستين مغلقتين للبحث في احتمال حدوثه كنتيجة لهذا الاندلاع ودورها في مواجهته، وأن هذه الحكومة كانت قد أجرت خلال الشهرين الماضيين سلسلة طويلة من المشاورات الأمنية والسياسية حول هذه المسألة.
تسريباتهم وما أثارته من جدل تقول بانقسام، هو أيضًا ليس بالجديد، بين أقلية، لكنها وازنة وفاعلة في القرار ويتصدرها قادة الأمن ومتعقِّلي السياسة، هي مع الحفاظ على هذه السلطة، التي ما كان لهم أن يحلموا بما هو أفضل منها، إذ لم يتوافر لسواهم مثلها بالنسبة لأية قوة محتلة عرفها تاريخ الصراعات. يكفيهم أنها، إلى جانب تنازلاتها المعروفة المدمِّرة للقضية الفلسطينية، وإتاحتها لحركة التهويد ما أرادته من الوقت، قد وفرت لهم احتلالًا مريحًا بإدارتها لبانتوستانات التجمعات الفلسطينية الكثيفة، الأمر الذي يعفيهم من كلفة الاحتكاك المباشر مع سكانها، والذي كم هم قد عانوا منه إبان الانتفاضة الأولى. يضاف إليه تكفُّلها بالخدمات ورواتب الموظفين والمناضلين المتقاعدين والمؤلَّفة قلوبهم، عبر ما يتيسر لها من فتات هبات المانحين. إلى جانب واسطة العقد، أو “مقدسها” المعلن، أي “التنسيق الأمني” معهم، بمعنى قيامها بدورها في حفظ أمنهم، وهنا يمكن قول الكثير، ونكتفي منه بالإشارة إلى موقفها من الانتفاضة الراهنة، أو نجاحها لدرجة غير هيِّنة في محاصرتها. ولعل في صدها وقمعها للجماهير المنتفضة ومنعها من الوصول لحاجز “بيت إيل” مثلًا كافٍ وخير شاهد عملي على مدى شائن هذا التعاون الأمني العلني مع المحتلين، أو ما ارتقى إليه هذا الذي يأتي من جانب واحد ويدعونه تنسيقًا… عندما فشلوا في اعتقال نشأت ملحم فدائي عملية تل أبيب رجَّحوا دخوله الضفة وطالبوها بمساعدتهم في اعتقاله!
لكن الأغلبية في حكومة نتنياهو، بل في الكيان برمته، وهي ترى كل هذا التردي في الواقعين العربي والفلسطيني، يردفه المزيج من الإشاحة واللامبالاة والتواطؤ الدولي، لم تعد تعنيها لا تحذيرات الأمنيين ولا حصافة المُتعقِّلين ولا كل ما تستند إليه حساباتهم. لأنها لم تعد ترى إلا الفرصة التي لن تتكرر لاستكمال استراتيجية التهويد الكامل الشامل لكل فلسطين التاريخية، ومعها غياب كل ما يردع فجور التفنن الصهيوني في ابتكار ما يحلو له من سبل للخلاص من أهلها، بحيث لا تجد ما يدفعها لتقديم ولو مجرد إسعاف بخس أو حتى مُسكِّن لعليل القفص الأوسلوستاني القابع في مقاطعة العناية المركزة، مع عدم إغفال كون نتنياهو نفسه مع فكرة روني الشيخ لكن حساباته تظل تضعه رهن الذهاب باتجاه الطرف المنادي بوجوب فصل أجهزة التنفس وتشييع مريض روني لمثواه الأخير… ومع ذلك، هل هذا يعني أن أوان دفن السلطة قد حان بالنسبة إليهم؟!
الجواب، وقطعًا، هو كلا، ولأمور عدة، أولها هو أن البعد الأمني يظل من أهم ركائز وجود الكيان الصهيوني في فلسطين، والمؤسسة الأمنية فيه هي مالكته ومفرِّخة قياداته عادةً، ولها فيه دائمًا ومنذ أن كان الكلمة الأولى والأخيرة، يليه حسابات ومصالح صانعه وعرَّابه ومتعهد وجوده الغرب الممسك بالسلطة من مصل المنح والحريص على إسرائيله أكثر من مجانينها…إلى جانب أمر مهم وهو أن هذه السلطة، أو الشريحة التي نمت على ضفافها وتكوَّنت في حواشيها وارتبطت مصالحها مع الاحتلال، ترى في الانتفاضة خطرًا داهمًا على هذه المصالح. وعليه، فهي لن توقف التعاون الأمني مع الاحتلال، لإدراكها أنه واحد من علل وجودها عنده، فهي مطمئنة إلى أنها باقية في المدى المنظور على الأقل، أو هو سيبقيها لتقوم بدورها الذي هي عليه… ولتظل، في أفضل حالاتها، وكمنسجمة مع نهجها ومنطقها، لا ترى في الانتفاضة الراهنة أكثر من إمكانية استثمار للعودة لمفاوضات المساومة على تصفية القضية، أو الحصول على الاعترافات النظرية بدولتها الافتراضية… التسريبات الصهيونية وردود أفعال السلطة العنترية عليها، ومهما علا ضجيجهما، كلها مضبوطة على إيقاعات الضغوط والتجاذبات المتبادلة بين الطرفين ومقتضيات حوارهما العلني، وأحيانًا ما يريد أحدهما أو كلاهما إسماعه للراعي الغربي.
…ما دامت السلطة تقوم بما هي عليه فهم يريدونها، أما ذهابها من عدمه فهو فلسطيني بحت، أي رهن بتطور الانتفاضة الراهنة، التي بدأت بالسكاكين لتصل في شهرها الرابع إلى الرصاص المجهول… والأهم هو أن محرِّكها غير القابل للتوقف هو التناقض المصيري مع الاحتلال. وعليه، فهي الآن تواجه نقيضيها، الاحتلال و”أوسلوستان”، واللذين باتا موضوعيًّا جبهة واحدة. أما مشكلتها فهي في الفصائل التي لم تلتحق بها، وعجزت عن مواكبتها، وفشلت حتى في ركوب موجتها!

إلى الأعلى