الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تذوق الفن: “فان إيك” وعصر النهضة الشمالية، وقراءة في حركة “الإنطباعية”

تذوق الفن: “فان إيك” وعصر النهضة الشمالية، وقراءة في حركة “الإنطباعية”

من يوميات أكاديمي ومحاضر جامعي: 1

مقدمة: لماذا الفن؟
في إحدى محاضراتي لمادة تذوق الفن، التي دأبت على تدريسها خلال الأعوام الماضية، وقفت محاضرا أمام عموم طلبة الجامعة، إذ كان المساق متطلبا جامعيا اختياريا، في قاعة تغص بالطلبة والطالبات من مختلف التخصصات، كواحد من صفين اثنين كنت أقوم بتدريسهما ذلك المساق. وإذ شارف الفصل الدراسي على الإنتهاء، وقفت محاضرا مستكملا ما بدأناه في الفصل الدراسي بمراجعة أبرز المحطات التي وقف المساق عندها، ابتداء من تساؤلات أولية عن اللحظة التي بدأ الجنس البشري منها بالتفكير من خلال الفن، ومرورا باللحظة التاريخية باكتشاف كهوف (لازو) بجنوب فرنسا، وعطفا على الفن القديم ومعانيه ودلالاته مع الوقوف عند الفن المصري بسلالاته. وكان لفن عصر النهضة حضورمهم، وكان مطلبا لبعض الطلبة والطالبات النابهين والنابهات ممن تعدت ثقافاتهم حدود التخصص وكان يملأ أوقات فراغهم ورحلاتهم مع ذويهم لمتاحف أوروبا. وكانت محطات مهمة من الفن المعاصر مع تنوعه وتعدد إسهامات رواده محطة ما قبل الختام للمساق.
ولأن المساق اختياري فقد كان حضور الطلبة فيه كبيرا بدرجة غير عادية، لأسباب متنوعة يبدو أن أقلها كانت الفائدة العلمية عند بعضهم ممن كانت العلامة تشغل حيز تفكيرهم أكثر. كان ذلك حاضرا في سؤال أحدهم ممن كان تخصصه بعيدا عن الفن، وقد اعتاد أن يبدو عليه عدم الاكتراث. في تلك المحاضرة، رفع ذلك الطالب يده متسائلا: “أنا أدرس تخصصا بعيدا عن الفن، وما علاقة هذا المساق بي وبتخصصي، ولماذا يتوجب علي تحصيل أية معرفة بالفن سوى اهتمامي بعلامة عالية تسهم في رفع معدلي التراكمي”؟ وإذ انتهى الطالب من سؤاله، وقد هممت بالإجابة وتثقيفه بالرد، حانت مني انتباهة للصف الأول أمامي وقد جلست إحدى الطالبات المواظبات النبيهات وكانت في تلك اللحظة يبدو أن السؤال لم يرُق لها كغيرها من عموم الطلاب والطالبات، استأذنتني وقد باتت متحفزة للرد، فأذنت لها كي يكون ردها على زميلها أبلغ من رد المحاضر. فالتفتت إليه للخلف وأجابته بكل أدب، وكان لسان حال زملائها من حولها يكاد ينطق بالغيظ من سذاجة سؤاله وعدم اكتراثه، وقالت:” ألا تعلم أنك للحصول على عمل، ستحتاج لأن تجلس إلى مقابلة، وفي هذه المقابلة لا تسأل فقط عن تخصصك بل عن ثقافتك أيضا؟ ألا تعلم أنك كطالب جامعي مثقف ينبغي عليك أن تلمّ بأساسيات في مختلف العلوم والفنون؟
والحقيقة أن ذلك الرد كان أبلغ من أن يبتلعه ذلك الطالب المتهاون بشأن الفن ودراسته، إذ علا وجهه الوجوم وكأن الحقيقة وصلته متأخرة مع نهاية الفصل وختام المساق، لكن هذا الرد يظل جزءا مهما من عدة أجوبة على ذات التساؤل والتي تكرس وتوطد العلاقة بين مختلف العلوم والفنون وبين القدرة على قراءة الأسس التي وقف عندها الجنس البشري كي يسمو بكينونته ويحقق ذاته، بل ويبدأ منظومة التفكير الحيوية لديه من خلال قدرته على التفاعل مع البيئة المحيطة والتعبير عن نفسه وعن أفكاره، والتواصل مع جنسه خلال فترات زمنية لحظية ومستقبلية.
ولهذه الأسباب وغيرها، سنعرج في هذه المساحة على قراءة كتابين مهمين: واحد يخص أحد أهم رسامي عصر النهضة الشمالية، والثاني كتاب مهم في فن القرن العشرين بتنوع مخرجاته، من خلال قراءة أولية في الحركة الإنطباعية. وهذه ليست إلا بداية وقمة جبل الجليد فقط من مجموعة من الكتب المهمة التي عكفت خلال سنوات على مراجعتها، كرئيس تحرير مجلة لونارد (http://lonaard.com/) وتعنى بالفن والعمارة والتراث. بالإضافة إلى اهتمامات خاصة من خلال المساق الذي اعتدت على تدريسه في كل فصل دراسي بشكل متجدد ومختلف لطلبة متجددين، مبحرا بهم عبر محيط من المعرفة الفنية المتنوعة والمثيرة والمتجددة. وكانت هذه المادة الفنية مجالا كبيرا ومهما أيضا لزيارات متحفية في أوروبا.
*************
فان إيك: فنان عصر النهضة الشمالية
يمثل كتاب (فان إيك، للمؤلف سيمون فيران، والصادر عن دار بريستل 2013) جزءا من ‘سلسلة رواد الفن’ التي تقدم الفنانين الذين تركوا بصماتهم على تاريخ الفن. جنبا إلى جنب مع السير الذاتية الحية، الكتب تحتوي على الرسوم التوضيحية في صفحة كاملة من الأعمال الرئيسة، كل مع تعليق، ومجموعة من التفاصيل الفخمة. في جميع صفحات الكتاب تستكمل النصوص والصور مجموعة مختارة من قراءات نقدية، وقائمة من المواقع التي يمكن الحصول على أعمال كبيرة فيها، والتسلسل الزمني ودليل للمزيد من القراءة.
ومع إحساسه الرائع بالتفاصيل، واستخدامه الرائع للضوء، والخلفيات الملاحظة بشكل وثيق مع تركيزها العميق غير المسبوق، فقد خلق الفنان الفلمنكي “يان فان إيك” نمطا جديدا. فقد قدم الملابس، والهيئات، ويواجه حتى الآن النسبية الطبيعية غير المعروفة تماما. إن صور ولوحات ف”ان إيك” للمشاهد الدينية الباذخة هي من بين أعظم الأعمال في عصره. حتى المشاهدين اليوم يقفون متعجبين أمام إحدى لوحاته الرائعة، غنت ألتربيس، ولا يزال مؤرخ الفن يسعى بلا كلل من أجل فك رمزيته الغامضة.
بدأت رحلة “يان فان إيك” الفنية في فلاندرز، مهد عصر النهضة الشمالية، التي وقعت في وقت واحد مع عصر النهضة الفلورنسي في إيطاليا. وقد قدم التوسع المرموق للمحكمة البرغندية الجو المثالي لتعزيز مواهبه الفنية بشكل لم يسبق له مثيل. سواء في لاهاي، ليل، بروج أو تورناي، وكان “فان إيك” المستلم المحظوظ للكثير من الإمتيازات، والتي مكنته في وقت لاحق من تطوير مدرسة جديدة في الرسم الأوروبي. ومع عينه الحساسة للتفاصيل، ومراقبته الوثيقة للعالم من حوله، وأسلوبه في استخدام الضوء فقد غمر روادا كبارا من رواد الفن في القرن السابع عشر مثل فيرمير.
وقد أطلق على يان فان إيك ” Masaccio فلاندرز”، وهو النعت الذي يضع له ما يبرره على قدم المساواة مع سيد توسكان في الإبتكار. وفي حين لا يمكن أن يكون هناك أي خلاف فيما يتعلق بقدر الفنان الرفيع، فإن أصله يظل موضوعا للكثير من التكهنات والنزاع. فتاريخ ميلاده غير معروف، على الرغم من أنه كان من المرجح أن يكون بين 1390 و 1395، أما مكان الميلاد فعلى الأرجح أنه بلدة Maaseyck ، Maaseik، والتي هي الآن في بلجيكا ولكن في ذلك الوقت كانت تقع ضمن دوقية بورجوندي. وتشير بعض المصادر أنه ولد في ماستريخت. بين 1422 و1425 تم توثيقه في السجلات كرسام المحكمة في لاهاي، في خدمة فيليب الجيد، دوق بورجوندي. في هذه المرحلة كان يعمل كفنان مستقل، وبالتالي ربما كان في الثلاثينات من عمره، وبالتالي يمكن تقدير تاريخ ميلاده. ومن غير المعروف تحديد مكان تدربه، سواء في فلاندرز أو في فرنسا، حيث أن كلاهما على مقربة جغرافية وسياسية، نظرا لتوسع دوقية بورجوندي، أيضا من الناحية الثقافية.
واحدة من أهم العوامل في تطوره الفني كانت الطراز القوطي الدولي، والذي تأسس بشكل جيد عبر المحاكم في أوروبا في أواخر القرن الرابع عشر والنصف الأول من القرن الخامس عشر. وقد احتضن هذا المناخ الثقافي على نطاق واسع نمط الحكم الذاتي الذي كان مستقلا تماما عن عصر النهضة الإيطالي. وقد كانت لغته الفنية راسية في الطراز القوطي للتعبير، مع الإهتمام بالتفاصيل الدقيقة والمذهب الطبيعي، ولكن مع محاولة لاستعمال المنظور المنطقي. وقد تم تفسير النمط الطبيعي لفان إيك على أنه ‘ إتمام لأواخر الروح الفنية للقرون الوسطى’. وقد جرت العادة على اعتبار الموهوبين الرسامين الفلمنكية كنموذج مصغر لفان إيك.
*************
الإنطباعية: لمحات وشذرات ابتدائية
طفا منطاد فوق معرض باريس الدولي عام 1867 وقبع في جندولها رجل يدعى “نادر”، وهو مصور، وطيار، ورسام كاريكاتير. في أوسلو يمكن للمرء أن يرى حتى الآن البالون الأسير، يطفو في أعلى الزاوية اليمنى من اللوحة التي تم تنفيذها في العام نفسه من قبل إدوار مانيت، إطلالة على المعرض العالمي، اللوحة التي تعلق الآن في المتحف الوطني في العاصمة النرويجية. كان اسمه الحقيقي نادر غاسبار فيليكس تورناشون، حيث عكس الإسم المستعار الوعي بثروته ورسالته. وقد أصبح صديقا لفنانين الذين، كمجموعة، فيما بعد عرفوا باسم الانطباعيين. كان هذا المصطلح قد عني به السخرية على الطابع العشوائي والملامح نصف المنتهية ‘للقطات’ في اللوحة الفنية لهذه المجموعة من الرسامين، التي اعترف بأهميتها بها نادر المصور بشكل حدسي. بعد سبع سنوات من المعرض العالمي، من أبريل 1510 إلى 15 مايو 1874 أقام نادر مقره في الضفة اليمنى لنهر السين بالقرب من دار الأوبرا، المتاحة للرسامين لإقامة معرض.
في العام السابق، 1873، كلود مونيت، صور شارعا من نافذة عالية أعلى بوليفارد، حيث قام بإعطاء الحشود الراكضة على طول الرصيف عدم وضوح، ونظرة تخطيطية من صورة مبكرة. وفي خضم باريس التاسع عشر المتطورة، حيث تمتع نادر بسمعة في المجتمع الراقي من قبل الرسامين الأصدقاء أخيرا حصل على فرصة لإظهار صورهم. وكانت هذه الصور قد رفضت مرارا وتكرارا من قبل لجنة التحكيم في صالون المعارض الرسمية، أو قد علقت بطريقة محبطة حتى أن ألوانها الزاهية قد ازدهرت في الغموض. وكان عرض نادر للإنطباعية كان أول معرض غير محكم وبشكل غير مسبوق. وقد تكلف الدخول للمعرض خمسين سنتيما، وتكلف فهرس فرنكا واحدا. وقد قام الفنانون أنفسهم باختيار اللوحات المعروضة، ولم يسمح لعائب بالدخول، وقد سمح لخبير الفن أن يقوم باستبعاد أي شخص له اسم في تقليد الأكاديمي للخيانة.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن مصورا كان من بين القلائل الذين أدركوا الخزان الفني لهؤلاء الرسامين ونهجهم الجديد للواقع. وكما حاول الأصدقاء الفنانون لنادر مع وسائل صنعة له لالتقاط الإثارة الفريدة من نوعها، لحظة لن تتكرر على لوحة التصوير الفوتوغرافي. وهو أيضا شاهد العالم من طريقة عرض شاملة طويلة، وربما بتشجيع من رحلات له في البالون.
جميع الصور المبكرة كان لها نسيج خشن يشبه كثيرا ضربات فرشاة من اللوحات الانطباعية. وينظر إلى هذا كتأثير جيد في الصورة الأولى في العالم، الصورة التي اتخذت في 1826 من بلدة شالون سور ساون – من قبل نقفور نيبسيه. وهو صاحب ممتلكات وعالم هاو، قام نيبسيه بالتقاط الصورة من نافذة المختبر الكيميائي من مزرعته، غرا، خارج مسقط رأسه. وقد صنع الصورة على لوحة الزنك المغطاة بالأسفلت الحساسة للضوء. وعندما تم شطف اللوحة مع زيت اللافندر والبترول، فقد مسحت السوائل أجزاء من السطح التي لم تتصلب جراء التعرض للضوء. هذا أعطى للصورة عدم انتظام محبب، نوع من الإهتزاز البصري الذي، على الرغم من أنه كان غير مقصود، إلا أنه أعاد للذهن الرسم التخطيطي الأولي للنباتات والسماء جنبا إلى جنب مع صلابة المنازل التي توجد في زخارف مشابهة للرسام مثل كاميل بيسارو.
وقد شهد العقد الأخير من القرن المضمحل الاستعدادات على جميع الأيدي للثورة في الفنون البصرية، ثورة واعية ضد التقليد والذوق الراسخ. فنسنت فان جوخ رسم تحت الشمس الحارقة من آرل، بول غوغان وإميل برنار، والعمل في بونت آفين في بريتاني، أسس حركة أسموها ‘ Synthetism ‘ أظهر رسام النرويجي إدوارد مونش عمله في رابطة الفنانين في برلين، جيمس انسور أكمل “دخول المسيح الاستفزازي الى بروكسل” في العام 1889. وأظهر الباريسي أمبرواز فولارد تاجر القطع الفنية لوحات بول سيزان، وكان الإنطباعيون مع هذا الوقت قد انفتحوا على العامة. هكذا بدأ ما أصبح يعرف باسم عصر ‘ البطولية ‘ في تاريخ الفن الحديث. هذا المجلد عن تاريخ الفن هو عمل شامل، ضروري لجميع المهتمين لفهم السرد الجيد للحركات الفنية، وتاريخها وتطورها، كلها مجتمعة مع استعراض نقدي لحياة روادها الأبرز.
هذه الملاحظات الإبتدائية والقراءات في الكتابين المدرجين تاليا لا تغنيان مطلقا عن ضرورة مراجعة المزيد في هذين الكتابين وغيرهما عن أعمال هذا الرسام وتاريخ وتطور هذه الحركة الفنية.

د.وليد أحمد السيد

إلى الأعلى