الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / جسر الجواسيس .. طبخة بكواليس الحرب الباردة
جسر الجواسيس .. طبخة بكواليس الحرب الباردة

جسر الجواسيس .. طبخة بكواليس الحرب الباردة

يعتبر المطبخ من الأجزاء المهمة في المنزل، فهو يمثل شريانه النابض، لا يمكن الاستغناء عنه. البعض منا يراه جزءا من غرفة المعيشة يمكن ان يتصل بها، حيث يتواصل من بداخله مع أهله واصدقائه وغيرهم، ومنا من يعتبره سرا من أسرار المنزل وخطا أحمر ومنطقة مقدسة لايمكن لأي أحد غير أصحابه تعديها، وهو حال المطبخ السياسي، فليس الجميع مصرحا لهم دخوله والاطلاع على مايجري داخله، فهو يمثل غرفة العمليات التى يتخذها القادة لصنع القرارات الامنية والسياسية وغيرها..، وفي الوقت نفسه تتم داخله عملية التصويت.
عند الحديث عن مطبخ واشنطن السياسي، نجده منذ عقود، اتخذ العديد من القرارات الخاطئة والخطيرة التى تعد تأثيراتها كارثية على بعض الدول، ابرزها غزو العراق، الذي بدأ في عام 2003 واستمر حتى عام 2011. واليوم تتضح لنا اثار هذا القرار المتغطرس الذي كبد أميركا خسائر فادحة بميزانيتها وعناصر جيشها، وخسرنا به نحن هدوء منطقتنا، ومالحقها من أذى حتى هذه اللحظة.
ولأن هوليوود ستظل دائما، سلاح أميركا الناعم، كان عليها أن تجمل ذلك الوجه القبيح للولايات المتحدة، وتبرز ذاك الجميل الحسن عبر سيناريوهات معدة خصيصا لمعالجة مثل تلك الطبخات الخاطئة وجاءت مبررة لها.
صانعو السينما الاميركية المقربون من البيت الابيض، عكفوا منذ القدم على معالجة مثل تلك المواضيع السياسية والسير على قرع طبول ” المثالية الاميركية”. وذلك عبر صورة نمطية تحاول تصديرها للعالم أجمع، غالبا ماتكون واحدة في معظم تلك الافلام، البطل الاميركي الذي لايقهر، القرارات الاميركية التي دوما ما تكون صائبة وغيرها .. ، وبالفعل يتم تنفيذ معظمها تحت ذريعة نشر الديمقراطية إلى بقية دول العالم.
الفترة الحالية التي نعيشها، تشبهنا كثيرا بأجواء الحرب الباردة، والتي تفرض نفسها على الشاشة الفضية، ما يدفع صناعها الي نبش صفحات تاريخ تلك الحقبة، كبطل فيلم اليوم، صاحب الانياب المفترسة والمخالب الحادة، المخرج الاميركي الشهير ستيفن سبيلبرج.
جسر الجواسيس (Bridge of Spies) : فيلم دراما أميركي، يندرج في فئة شرائط الحرب الباردة، مقتبس من وقائع حقيقية جرت في بداية تلك الحقبة تقريبا في نهاية الخمسينات.
الفيلم من سيناريو أولي لمات شارمان، بينما تم الاستعانة بالأخوين المرحين جويل وايثان كوين لاستكماله، كوين اللذان يتميزان بتوابلهما المرحة التي تضيف على السيناريو أجواء من المرح والكوميديا المطلوبة؛ لكسر حدة الدراما والجدية.
الفيلم من اخراج البارع والمتميز في عالم الاخراج ستيفن سبيلبرج، الذي اتجه مؤخرا الى نوع مختلف من الاعمال التي لم نعتد عليها معه من قبل، حيث الموضوعات التاريخية والسياسية، بالتأكيد يرجع سبب اختياره لها لملاءمة الظروف الراهنة التي نعيشها كما تحدثت سابقا.
سبيلبرج يحتفي مع جمهوره بإضافة العمل الروائي الـ 27 له، عبر تحفة سينمائية تجسد صفحة حارة من زمن الجاسوسية خلال الحقبة الباردة. فبعد أن خضنا معه معركة الرئيس الاميركي لينكولن ضد العبودية في عمله الاخير (Lincoln)، يدعونا أن نخوض معه غمار معركة قضائية شرسة في تلك الحقبة، وهي معركة اختار أن يقودها صديقه المخضرم صاحب أوسكار افضل ممثل عامين متتاليين، توم هانكس، الذي جلب لصديقه سبيلبرج 3 انتصارات سابقة خلال 3 اعمال مشتركة بينهما، هي (Saving Private Ryan)، (Catch Me If You Can) و (The Terminal).
يجسد الرائع هانكس دور المحامي المتخصص بقضايا التأمين (جيمس دونافان) في دور لايمكن أن نعتبره الافضل في تاريخه، لكنه يظل متقنا وجيدا جدا، فهانكس يمتلك بريقا من الاتقان من الصعب أن تجده في غيره، كما انه لديه أدواته الخاصة التي تمكنه من تقمص الشخصية مهما بلغت درجة صعوبتها وتعقيدها، دعنا لاننسى خفة دمه التي يتميز بها والتي تضيف شيئا من الواقعية المطلوبة، القول ينطبق على سبيلبرج ايضا، الذي يُضرب المثل به للإشارة إلى مستوى معين من الاعمال السينمائية، فبفضل أدارته المتقنة، سيظل الفيلم ممتعا ومشوقا برغم عدم بلوغه الاستثنائية، وذلك بالمقارنة مع افلامه التاريخية كـ (Munich) أو(Lincoln).
يشارك هانكس البطولة في دور الجاسوس (مارك أبيل)، الممثل البريطاني المسرحي القدير مارك ريلانس، الذي نرفع له القبعة لتألقه في تقديم تلك الشخصية الجاسوسية المركّبة التي جاءت صامتة في معظم أوقات الشريط.
الفيلم تم تصويره في نيويورك وألمانيا وبولندا، وقد استمد عنوانه كما ذكر في احد المقالات (من أحد اشهر الجسور في المانيا “جسر غلينيك” الملقب بـ “جسر الجواسيس” الذي كان مسرحاً سرياً وغامضاً لتبادل العديد من الأسرى بين اميركا والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة).
ولعل ماتميز به الشريط هو نجاح مصمميه في استحضار روح نيويورك القديمة بمعالمها وشوارعها وجسورها وانفاقها وسياراتها الكلاسيكية في الخمسينات، من الانصاف أيضا الاشادة ببراعتهم أيضا في خلق أجواء شتاء برلين القارص، حيث تدور أحداث الجزء الاخير من الشريط.
إشادة خاصة لذاك المشهد حينما يتم البدء بتشييد جدار برلين وحالة الهلع التي تدب بصفوف الالمان على الجانبين، مشهد قاس ينتزع منا درجة كبيرة من التعاطف، خاصة عند اطلاق النار على الشرقيين حينما يحاولون تسلق الجدار والوصول الى الجهة الغربية منه، مشهد يذكرنا بمعاناة الفلسطينيين مع جدار الفصل العنصري الذي شيده الاحتلال الاسرائيلي بالاراضي الفلسطينية المحتلة.

……………………………..

احداث

كعادة سبيلبرج في اغلب اعماله، لا يهدر افتتاحية شريطه، فسرعان مايلقي بنا الى عالم الجاسوسية والمخبرين في فترة الحرب الباردة، بالتحديد عام 1957، تلك الفترة التي حملت بين طياتها، رعبا حقيقيا بين المعسكرين الاميركي والسوفياتي، ومخاوف من مواجهة نووية محتملة بينهما، أصبحت تدرس داخل فصول المدارس.
نلتقي اولا بالجاسوس السوفياتي مارك أبيل، والذي يبدو لنا من الوهلة الاولى، أنه رجل وحيد، شخصيته مركبة يقابل مجتمعه بأقنعة عديدة، يقدس عمله ويمارسه بتركيز وهدوء دون أن يشعر به من حوله، كما أنه لا يفقد أعصابه سريعا، يظهر في الدقائق الاولى من الشريط، حينما يقتحم غرفته رجال المباحث الفيدرالية ويلقون القبض عليه بتهمة التورط في أعمال الجاسوسية.
مشاهد أكثر تقربنا من حياة هذا الجاسوس الحاصل على الجنسية البريطانية، فيتضح لنا من خلالها أنه رسام بارع، ويشغل أغلب أوقاته في الرسم بالحدائق، كما أنه يقوم بإخفاء معلوماته السرية داخل عملات معدنية مفرغة في أماكن معينة ككرسي الحديقة ويتركها لعميل آخر الذي بدوره ينقلها الى الجهات المعنية.

……………………………..

سياسة اميركية

لعل مسألة أسر جاسوس في هذه الحقبة، كانت تمثل فرصة ممتازة لكلا الطرفين، كل من وجهة نظره، فمنهم من ينتظر للتفاوض حولهم ، ومنهم من يراها فرصة لتقديم صورة حضارية إعلاميا، وهذا مارأته الولايات المتحدة التي عكفت على تصدير (مثاليتها) المزعومة للعالم منذ القدم، فتطلب الاستخبارات الاميركية من جيمس دونافان محامي التأمينات، الذي عمل بقضايا جنائية سابقا وشارك بمحاكمات نورنبيرغ (النازية) في الأربعينات، وتكلفه مهمة الدفاع (شكليا) عن أبيل الذي لايعرف أي محامين، لكي تظهر أمام العالم بصورة نزيهة، أنظروا كيف نعامل أعداءنا بإنصاف قانوني.
في بداية الامر يتردد دونوفان، وسط تخوفه من كره ونظرة المجتمع له كخائن لوطنه، خاصة زوجته وأبناءه الثلاثة، الا انه يقبل في النهاية القيام بالمهمة، ويعامل موكله بصدق وشفافية، ويرى الموقف بواقعية بعيدا عن مجتمعه ورغبتهم في إدانة الجاسوس وإعدامه، بداية من القاضي المتشدد، الذي يرفض طعنه المقدم بدعوى عدم حصول السلطات على أمر بتفتيش غرفة موكله، مرورا برجال المباحث الذين يطاردونه بين الفينة والاخرى، وصولا الى راكبي قطارات الأنفاق ونظراتهم المستهجنة له. وفيما بعد سنشاهد كيف وصل الحد الى استهداف منزله من قبل جماعات اليمين المتطرف.
يظل دونوفان يسبح عكس التيار، متمسكا بقضيته ومبدأ المساواة الذي يكفله الدستور الاميركي لكل انسان يعيش داخل الاراضي الاميركية. على حد اعتباره. الى أن يتمكن من إقناع القاضي بالحكم على الجاسوس بـ30 عاما بدل من إعدامه. بحجة أنه يرى في الجاسوس ورقة مهمة يجب الحفاظ عليها، يمكن التفاوض بها لإنقاذ أي جاسوس أميركي يحتمل أن يقع في قبضة السوفييت مستقبلا. وهو مايتحقق فيما بعد، حينما يأسر السوفييت، احد الطيارين الاميركيين عقب اسقاط طائرته خلال مهمة استطلاع بسماء روسيا.
……………………………..

مفاوضات سرية

مهمة دونوفان لا تنتهي عند هذا الحد، بل ينتقل بها الى الجزء الاصعب، في تشويق متصاعد للأحداث، وذلك حينما تطالبه السلطات الاميركية بإجراء مفاوضات سرية بدون تفويض رسمي مع السوفييت في برلين الشرقية، من أجل اقناعهم بصفقة لتبادل الأسرى.
الصفقة يتم بموجبها مبادلة الجاسوس آيبل بالطيار الأسير باورز، لكن ثمة مشكلة بسيطة تعقد الامور وهي أن سجينا أميركيا اخر محتجزا داخل معتقلات المعسكر الشرقي وهو طالب بجامعة أميركية وجهت له تهم بالتجسس، يرغب دونوفان بتحريره ضمن الصفقة برغم أنه أُعطي أوامر بتحرير الطيار فقط، وعدم السعي وراء الطالب، الا أن أخلاقه كمناصر للقيم تحول الى عدم انصياعه للأوامر، وهكذا يدخل نفسه في صراع مع المفاوضين السوفييت والألمان الشرقيين كل على حدة، مُطالباً بتحرير مواطنيه الاثنين مقابل تسليمهم الجاسوس السوفيتي.
في النهاية يحصل المحامي الشجاع على مبتغاه ويوافق السوفييت والالمان الشرقيين على صفقة (الاثنين مقابل واحد).
مشهد اخر مميز في اخر دقائق الفيلم، حينما تتحول شكوك المجتمع حول ولاء دونوفان للوطن، الى فخر واعتزاز به بفضل جهوده في عودة الاسرى بسلام الى أحضان عائلاتهم.
بعد عملية التبادل الناجحة، يعين دونوفان مفاوضا رسميا للولايات المتحدة، ويتم ارساله في صيف عام 1962، للتفاوض مع فيدل كاسترو حول 1113 أسيرا، تم أسرهم عقب غزو خليج الخنازير.
ينجح دونوفان خلال مسيرته من تأمين اطلاق سراح 9703 أسرى.

شريط شيق ومثير، تتمحور رسالته حول المثل الاميركية كما تحدثت سابقا، رسائل ومضامين يحملها بين طياته توضح الاختلاف بين الاميركان ونظائرهم الروس من حيث الالتزام بالأخلاق والمثل العليا والمبادئ (كما عودتنا هوليوود دائما). وماهو مدى تطبيقها في ممارسة السياسة؟ في ظل أجواء قاتمة وصراعات بين الدول.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى