الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / ثكلى شجرة البيذام

ثكلى شجرة البيذام

منذ أن ولدتُ وأنا أشاهدها تتراقص في الأفق على وقع أغنية الحالمين…
تتناغم في تموّجها لتعزف مقطوعة “ريمسكي” المشهورة “طيران النحلة الطنانة”
فمن جذورها إلى علوها الباسق مدّت للسماءِ سلالم لحن العطاء.
تتعلّق ثمارها بأغصانها دون الرغبة في النضوج، فهي تعلم أن موكباً في الأسفل ينتظر سقوطها أرضاً ليتهافتوا عليها.
أطفال القرية ينتظرون مولودها الأحمر على جمرة من الشوق. يتناقلون أخبارها ليحصوا موعد ولادتها وقد إجتاحت سيرتها مجالسهم آناء الليل والنهار، أما آن لثمارها أن تفطم على السقوط لتؤكل..؟
أما أنا فكانت قصتي معها لا تشابه قصتهم، فمنذ أن عرفتها وأنا أخبئ جسدي خلفها في كل مرة ألعبُ فيها لعبة الإختباء مع أصدقائي، رغم أنني أعلم أنهم سيمسكون بي ما دمتُ أقع في مدارها المرسوم هنا، كنت أسامرها الحديث وأتنفس عالمي بها فهي كانت منارة القرية التي كم كنت أحرسها بمن فيها.
كانت ظلّ الحرور، إبتسامة الصغير، وغذاء الجوعى، وجنة الحب فائحة العطور..سألتها ذات يومٍ علّني أجد تعويذة الحب التي ألقتها في قلبي حتى غدوت هكذا لا أقوى على فراقها..
قلت لها :
لا أعلم كيف للحب أن يزرع في بذوركِ هكذا لتملكين قلبي!
وكيف بي أستجير بكِ في كل مرة تنهرني فيها أمي أو ينتظرني عقابي في المنزل حينما أقع في الخطأ، فلا أعود لمنزلي لأقعد تحت رحمتك..!
لا أعلم كم لتراً سقت دموعي جذوركِ حتى تواسيني حينما آتيك هرباً من ذاتي..!
وكم حلماً نقشتهُ بالحجارة في ظهر جذعكِ المتماسك حتى تشهدين على حلمي عندما أكبر..
وهل تراكِ تعلمين كم مرة تسلقتكِ لأسرق ثماركِ قبل أن تنضج حتى لا يسبقني فيها ابناء جارتنا..؟
وكم هي المرّات التي سقطت فيها من فيكِ لأنني ما أحسنتُ وضع قدمي في غصنكِ الأمتن القادر على حملي..
وكم قطفتُ منكِ أوراقكِ لألعب مع أصدقائي لعبة الرسم بالثقوب التي كنّا نثقبها بسلّاة النخيل…
لا أعلم لماذا لا يروق لي ممارسة لعبة البيلوة -مثلاً- إلا تحت ظلّكِ كل عصر..!!
وكأن تعويذة الأمومة قد سقتني بركاتكِ حتى أراكِ تقبّلين الثرى كي أعانق النهاية ولا تلامس أطراف قدمي ذلك الخط المحضور.
لماذا كنتُ أغار عليكِ من أن سبقني إليكِ أحد بالجلوس تحت ظلك وكأنه أخذ مني أحب الأشياء إليّ..؟
كنتِ بيتي الآخر والكهف الذي ألجأ إليه حينما تنفاني الحياة من الحياة…
فأتلذذ بطعم ثماركِ حتى يصبغ لونها جميع زوايا فمي فأعجز الكذب على أختي حينما تسألني هل أكلتي البيذام اليوم..؟
تجبريني على قولِ الحقيقة لأن الأمر ظاهرٌ في فمي ولا حول لي ولا قوة على الكذب..
وفجأة..
وعندما إنقبض لساني عن الكلام
أخبرتني سراً ودون مرأى العالمين عن ما سيحدث لكِ حين أكبر..!!
لأصرخ فيكِ مجلجلة بلاءِ المستحيل وكأنني لا أعرف ما هو المستحيل..!!
ووعدتكِ
أنني لن أنساكِ عندما أكبر، ولن أخجل الجلوس تحت ظلّكِ،
سآتي إليك باكية مثلما كنتُ طفلة الأمس لأسكب الدموع الثقال من فيني فيكِ لتعانقيني وتخففي على قلبي ما قد ضاق به من لوعةِ الحياة،
سآتيك جرياً عزوفاً عن العالم حينما أقع في الخطأ حتى تجدي لي مخرجاً وسلاما،
سأطلب ثماركِ بداية موسمه حتى آكلها وأتذكر حلمي المنقوش في جذعكِ لأعمل به،
لن أترككِ عندما تصيبك آفة، ويتغلغل الدود ثماركِ فلا يؤكل،
لا لن أنساكِ يا سحابة القرية الفائضة بالعطاء..
وبعد ذلك الحديث مرت بي السنوات الطوال…
لتشغلني تقلبات الحياة عنها فنسيتها سهواً
حتى افتقدتها، وتفقدتها فلم أجدها..!!
وحينما سألت عنها قالوا:
أنها كانت لا تلد من البيذام سوى ما قد ملأه الدود فاقتلعناها
فهي في النهاية شجرة قد وهنت…!
لكن لا…
هي لم تكن شجرة لي..
فقد كانت لي أمي، وفيها كتبت حلمي..
فأصبحتُ بعدها يا قريتي ثكلى..
ثكلى شجرتي
شجرة البيذام.

صفاء الوضاحية

إلى الأعلى