الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حرب المدن بالمنظورين الأميركي والإسرائيلي

حرب المدن بالمنظورين الأميركي والإسرائيلي

د.أحمد القديدي

حاول مؤلف كتاب “مدن تحت الحصار” ستيفن جراهام أن يبرز أسباب حصار وحرب المدن وفقا للمنظورين الأميركي والإسرائيلي وكيفية تعاملهما مع بؤر مقاومة الاحتلال في العراق وفلسطين نموذجا باعتبارها ساحات صراع.
يتضمن كتاب “مدن تحت الحصار” تسعة فصول، يتناول الفصل الأول كيف عادت الحرب والعنف السياسي والتخيلات العسكرية والأمنية، اليوم، لتدخل المدن من جديد.
في حين يبحث الفصل الثاني كيفية تعامل معاقل اليمين السياسي مع المدن المستهدفة التي تعتبر وفق نظرة اليمين الأميركي معادية، من منطلق أنها مدن خارجة عن القانون تتطلب عنفا سياسيا ومراقبة عسكرية.
ويرى الكاتب أن التنظيم المدني العسكري الجديد يتغذى بتجارب أساليب في الاستهداف والتكنولوجيا في مناطق الحرب المستعمرة، مثل غزة أو بغداد. وتشكل هذه العمليات تجارب على الأرض للتكنولوجيا والتقنيات الحديثة.
ويشرح المؤلف فكرة الحرب عند المذهب العسكري الجديد بأنها مناورة دائمة، لا حدود لها، تحرض الجيوش العالية ـ التكنولوجيا والعمليات الأمنية ـ بالترافق مع قطاع خاص من المتعاقدين الخارجيين والشركات العسكرية طبقا لحرب الجيل الرابع، وهي تستند إلى حروب غير تقليدية.
واستنادا إلى هذا المذهب، يشير المؤلف إلى أن القادة الأميركيين بالعراق أكدوا ضرورة تنسيق (ساحة المعركة) الكاملة للمدينة، أي معالجة البنية التحتية المدنية والاقتصاد المنهار في محاولة لفرض الأمن في المدينة، الفلوجة نموذجا.
وفي معرض إشارته إلى المصاعب التي واجهت الاحتلال الأميركي للعراق، يؤكد المؤلف أن الجيش الأميركي وجد استحالة شديدة في التفريق بين المقاومين والمدنيين لأنه كان يجهل لغة الأمكنة التي كان يقاتل فيها ولثقافتها.
وينقل المؤلف عن الجنرال كارلو سانشيز القائد الأعلى للقوات الأميركية بالعراق، مطلع عام 2004 قوله: إذا فشلنا في العراق فستكون ساحة المعركة التالية بشوارع أميركا في معرض وصفه لشدة المقاومة العراقية ضد قواته بالمدن العراقية ومخاطر فشل قواته بالعراق.
من جهته كرر حاكم العراق المدني السابق بول بريمر بعد احتلاله القول عندما أشار إلى أن من الأفضل محاربة الإرهابيين هنا (في العراق) بدلا من نيويورك.
ويشبه جراهام المدينة بالقلعة تستند إلى منطقتين: منطقة من حقيقة مادية (جدران وأسوار) فضلا عن منطقة يفترض أنها واقعية معنية بالتحركات أو تدفق المعلومات والاستخبارات.
وكجزء من (التدمير الخلاق) الجذري الذي أحدثته حرب العراق، يقول مؤلف كتاب “مدن تحت الحصار”: كان يفترض أن يبرز نموذج جديد من المدن تحت الأنقاض تحفل ببنى تحتية أمنية، ترتكز على استراتيجيات تحديد الهوية تسمح بعودة المواطنين.
فمنذ عام 2004، استعملت هذه الأدوات في مسرح العمليات بالعراق وأفغانستان من أجل الحفاظ على قاعدة بيانات عن (المتمردين ) منذ أبريل 2007 تدفقت التكنولوجيات البيومترية بالتوازي مع محاولة اعتماد بغداد كأرخبيل يشمل عشرة جيوب، تحوطها على نمط فلسطين جدران مضادة للانفجار، ونظمت على أسس عرقية أو طائفية، لا يمكن الولوج إليها إلا من خلال نقاط مرور مراقبة عسكريا،
ويشير المؤلف إلى أنه عايش العراق المحتل عن قرب وعلى الأرض عامي 2003 و2004، ويمكنه القول: لقد تحطمت مركبة رامسفيلد (وزير الدفاع الأميركي الأسبق) الفضائية الحالمة في هبوطها بالصحراء، في إشارة إلى فشل المشروع الأميركي بالعراق.
ويسلط المؤلف الضوء على لجوء القوات الأميركية إلى بناء مدن عبر العالم مشابهة للمدن والبيئات التي تنشط وتوجد على أطراف المدن وبالمناطق الريفية، تتركز إما في قواعد عسكرية أميركية، وفي أراضي تدريب بالولايات المتحدة لا سيما مدينة شيكاغو أو في صحارى الكويت وصحراء الأنبار وصحراء النقب بإسرائيل شبيهة بمدن المقاومة العراقية التي كانت توجد فيها قوات الاحتلال الأميركي.
وفي معرض وصفه لعقيدة (الصدمة والرعب) قال المؤلف إنها شكلت بالهجوم الأميركي على العراق عام 2003 تمددا مفرطا لشل المجتمع كله في شكل سريع وتام لتنتاب سكان المناطق الحضرية صدمات نفسية توازي ما يسببه هجوم نووي (توقيف البلد عن العمل)، الأمر الذي يشير إلى أن تدميرا ماديا للبنية التحتية والسيطرة عليها سيحدث مما يحقق صدمة على الصعيد الوطني تشبه الأثر الذي خلفه لدى اليابانيين إلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناجازاكي.
ويخلص المؤلف إلى القول: ما يجذب دائما في الحرب هو أنها ـ حتى مع الدمار والمجازر ـ يمكن أن تقدم لنا ما نتوق إليه طول الحياة، يمكن أن تعطينا هدفا ومعنى، وسببا لنحيا.

إلى الأعلى