الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الفائض الإداري مشكلة برؤوس عديدة

الفائض الإداري مشكلة برؤوس عديدة

عادل سعد

لم تفتني الطرافة القاسية وأنا أسأل سيدة موظفة من أقاربي، هل هناك من لا يستطيع أن يكون بديلًا عنكِ في تولي المسؤولية الإدارية التي تضطلعين بها، الأصل في الموضوع أنها كانت تتحدث عن متاعبها الوظيفية اليومية في (ملاحقة) الكتب الرسمية عن المؤسسة الحكومية التي تعمل بها، وكل ما كانت تلك السيدة تنجزه أنها تلقي نظرة سريعة على هذه الكتب لتجيرها بعلامة (صح) وتحيلها إلى موظفة أخرى مجاورة لها على مكتب ليس متواضعًا إذا أخذنا باعتبارات المكان اللازم لعمل إداري من هذا النوع.
الواقع أن السيدة المذكورة لم تجبني على سؤالي، في حين عادت ذاكرتي إلى ما كان قد رواه لي مسؤول عراقي مندهشًا مما وجده في زيارة له إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي للاضطلاع على تجربة صناعية هناك، فقد اكتشف أن أربعة موظفين فقط هم الفريق الإداري للمعمل الذي يضم (4000 عامل)، وكان مصدر اندهاشه كيف أن أربعة موظفين إداريين يتولون مسؤولية هذا العدد الكبير من العمال، والشيء بالشيء يذكر ما زلت أحتفظ في ذهني تشخيصًا كان قد قاله الزعيم الإفريقي الراحل نكروما، من جيل الرؤساء الراحلين تيتو وجمال عبدالناصر وسيكارنو، والمناسبة أنه كان يشكو من ضخامة الأجهزة الإدارية في الدول النامية على حساب العاملين الحقيقيين في أغلب المؤسسات ذات الطابع الإنتاجي وفي إطار هذه الشكوى قلل نكروما من احتمال أن تتطور اقتصادات دول عدم الانحياز في ظل الإسراف في التوجهات التي تضمن للأجهزة الإدارية حظوة في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية.
ولي أن أشير إلى ما نعانيه اليوم داخل عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها العراق إلى ما يمكن أن نصطلح عليه (الفائض الإداري) الذي ليس له من مهام ذات الأولوية في التطوير والنمو المتوازن وتغذية قيم الإدارة الناجحة على الرغم من الرواتب والمكافآت، بل والمنح التي يتقاضونها وإذا اقتربنا في التشخيص، عليك أن لا تسأل عن حجم الجهاز الإداري، أو الاستشاري لوزير أو نائب، أو مدير عام من أصحاب الدرجات الخاصة، فالحال غير معقول من حيث العدد وحجم المسؤولية التي لا تذكر، ولا تسأل عن العدد غير المعقول من الحاشية الإعلامية لهؤلاء المسؤولين، هذا في العراق، أما في لبنان فإن شكوى مروان شربل وزير الداخلية السابق تكفي للدلالة على كيفية التوظيف غير المناسب، إذ تحدث عن النقص في جهاز الشرطة اللبنانية لمواجهة الاستحقاقات الأمنية، وكيف أن عددًا من الوزراء والنواب هناك استولوا على الكثير من رجال الأمن لأغراض وحاجات لا علاقة لها باختصاصهم رغم أن الذريعة أمنية، وقد أثارت اعترافاته تلك موجة غضب سياسيين في بلاده مع أن كل ما فعله هو مكاشفة على سبيل المقارنة بين العدد الحقيقي لجهاز وزارة الداخلية وحجم التسرب منه في أعمال لا تتصل بأمن المواطنين.
إن من الصعب المعادلة الإجرائية بين ما تتخذه شركات في الدول الاتحاد الأوروبي أو في الولايات المتحدة الأميركية من صرف للعاملين فيها لدواعي إعادة هيكلة أوضاعها الإدارية والمالية وما يعانيه أغلب الدول العربية من تضخم لافت في الأجهزة الإدارية.
لقد تأكد بما لا يقبل الشك أن أحد المعوقات الاقتصادية وآليات العمل الحكومي والمدني العام يكمن في ضخامة الأجهزة الإدارية التي تعاني من (الورم) الوظيفي بسبب ظواهر المحسوبية والإرضاء السياسي ومحاولة إيجاد حشد من الموالين الإداريين لهذا المسؤول أو ذاك، الأمر الذي أبعد العمل الإداري من الرشاقة الوظيفية ووضعه تحت طائلة الضغط البيروقراطي، والمؤكد أيضًا أنه يغذي بصورة أو بأخرى انتشار الفساد، والتسيب، والاتكالية في حصر المشاكل بعيدًا عن أسبابها الحقيقية.
إن الفائض الإداري عائق يقف وراء ضعف إنجازات العمل بفعل طول السلسلة الإدارية وما يترتب عليها من روتين قاسٍ ومحاولات متكررة للإيحاء بأهمية دور هذا الموظف الإداري أو ذاك باعتماد ذرائع تأجيل المعاملات بتقطيع زمن إنجازها.
أما كيف يمكن مواجهة الفائض الإداري، فالأمر يحتاج قطعًا إلى إعادة هيكلة آليات العمل بما يعيد تشكيل القناعة اللازمة بأهمية أن تكون هناك معادلة محسوبة بين حجم الإدارة وحجم الإنجاز، وتلك مسؤولية لا يمكن الاضطلاع بها إلا من خلال إعادة هيكلة أخلاقيات العمل وفق ما يتيح أن تكون النشاطات الإدارية في خدمة الإنتاج سوى كان خدمات أو بضائع، وعندها تكون التنمية قد سلكت طريقها الصحيح.

إلى الأعلى