الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / بساط : اقتربوا من أبنائكم تجدوا أوطانكم

بساط : اقتربوا من أبنائكم تجدوا أوطانكم

لعلي لا أكون مبالغا، إن قلت إن أقصى ما نحلم به في ليلنا، أن يطلع علينا نهار الغد، وقد وجدنا أوطاننا، لا تبارح حدودها، ولم ينقض عليها إرهاب أسود؛ فيسحبها إلى صخرته القاسية، يكسرها، ويفتتها، وتجرفنا أمواجه المظلمة إلى اللاكرامة.
وعلى الرغم من أن الإرهاب ولد أمام الجميع، ونما بين ظهرانيهم، واستشرى أمام أعينهم، ووعته أفئدتهم، إلا أن البعض يدعي أنه تفاجأ بفُحشه، وفُجره، ولم يمهله قدره ليرتب أوراقه، ويستعد لمحاربته.
صحيح أننا أفقنا أخيرا؛ فحددنا مكامن الداء، لكن الكثيرين منا ـ إما عن جهل منهم أو تعمدا ـ لا يزالون عاجزين عن توصيف دواء صعب عليهم العثور على تركيبته بتفاصيلها المعقدة، التي ـ مهما تغاضى البعض عنها ـ فإنها تمس جوانب كثيرة وخطيرة من حياتنا، منها ما هو عقدي، ومنها ما هو فكري، ومنها ما مس تركيبتنا الأسرية والاجتماعية؛ فطال شريحة غاية في الخطورة، وهم الأبناء، وقد تغافل بعضنا عنهم؛ فلم يدرك وجودهم، أو تجاهلهم في سن هم فيه أحوج ما يكونون إلى الاقتراب منهم، والتعرف على ما يدور في نفوسهم؛ ليبني جدارا من الثقة بينه وبينهم، ويحصنهم ضد أي إغراءات، أو أفكار، أو قوى ظلامية تحوم حولهم، فتوقعهم في شراكها.
قد يتعجب البعض، من أنني أحاول قدر استطاعتي ـ كلما حانت الفرصة ـ التركيز في الغالب الأعم من مقالاتي على أهمية الالتفات إلى الأبناء، وخصوصا في السن الذي يمثل خطورة عليهم، فأنا أدرك تمام الإدراك أن الخطورة عليهم، مردها خطورة علينا؛ لذا لا أدخر جهدا على التركيز والتأكيد على أهمية إيجاد قنوات اتصال بين الآباء والأبناء، قوامها الشفافية والصراحة في الأمور كلها، لأن اليوم بتقنياته وأدوات اتصاله، تخطى عملية التلميح ـ التي كان يتخذها بعض الآباء مطية للتعامل مع قضايا أبنائهم ومناقشتها ـ إلى التصريح، الذي لا أظن أن أيا من الآباء سيجد حرجا في أن يتخذه وسيلة لمناقشة أمر جلل يخص أبناءه.
ولا أجد أن بُعد بعض الآباء عن أبنائهم ـ خصوصا إن كان بُعداً قسريا بحكم الاغتراب لتحسين أحوال أسرهم وتوفير عيشة هانئة لأبنائهم ـ لا أجده عائقا أما رسالة يريد أن يوصلها الأب لأبنائه، فوسائل الاتصال أصبحت سهلة، عدا أنها أصبحت متاحة عبر شبكة الإنترنت، ببرامج أقرب إلى المجانية.
يحكي لي أحد الأصدقاء، أنه دائم الاتصال بأبنائه؛ للاطمئنان على أحوالهم، والوقوف على كل مستجدات حياتهم، وما يقابلهم من مواقف يصعب التعامل معها ـ مهما كلفه هذا الاتصال ـ لدرجة أنه في إحدى المرات، وهو يهاتف أحد أبنائه ـ وقد تعود أن يسأله عن أحواله ـ فإذا بهذا الابن يستطرد في الحديث عن شيء جديد قرأه، عن رواد الفضاء ومركباته التي يستقلونها خلال رحلاتهم العلمية والاسستكشافية، وكلما هَمَّ الأب أن يسأله عن شيء ما، يبادره الإبن بالحديث عن تفاصيل أخرى تخص الفضاء وكوكب الأرض، وعلاقته بالكواكب الأخرى.
ظل الأب يستمع إلى ابنه قرابة الساعتين، وكان سعيدا أن هذا الإبن منشغل بقضية علمية وثقافية، تحجبه عن أي سلوكيات أو أفكار خاطئة، يجرفه إليها ما يعتري بعض أقرانه من خواء فكري. وبعد أن أفرغ الإبن كل ما في جعبته، بدأ الأب يسأله عن أحواله، وعما يدور حوله من أحداث، سواء ما يخص الوطن أو الأوطان المجاورة، من خلال ما يتابعه في الوقت المستقطع من الوقت المخصص لتحصيله العلمي والثقافي، من خلال بعض القنوات الفضائية، والصحف التي يتابعها.
أكد هذا الصديق لإبنه ـ كما هي عادته في كل اتصالاته ـ على قضية من أخطر القضايا التي تمسنا جميعا، وهي قضية الانتماء للوطن، وكيف يترجم الإنسان حبه لوطنه، إلى الإعلاء من قيمته، بإعلاء المنظومة القيمية والأخلاقية داخله.
كان الابن متجاوبا مع حديث أبيه، لأنه لا يبتعد به عن الفطرة التي خلق عليها، والدفء والحب والمودة التي جبل عليها، وعاش تفاصيلها مع أسرة، قوامها أب مسئول وأم واعية، وأخوة وأخوات يعرفون للوطن قدره وفضله عليهم، ويتمنون أن يردوا له الجميل.
استمعت إلى ما قاله الصديق، وما دار بينه وبين إبنه، فتمنيت أن أنقل هذه التجربة إلى الآخرين، لأن البعض يظن أن انشغال بعض الآباء في أعمالهم التي تأخذ جل وقتهم، حجة يتنصل بها للتخلي عن إحدى مسئولياته ـ التي أجدها أهمها ـ لخطورة ما يترتب عليها من آثار، تتحمل الأوطان والمجتمعات نصيبا منها، بينما أرى أن الأب أو المسئول عن الأسرة، سيتحمل تبعات أكثر بكثير مما تتحمله الأوطان، إن أهمل هذا الجانب، أو فرط في بعض مسئولياته تجاه أبنائه.
إن الأب الذي حرص على التواصل مع أبنائه، والاقتراب منهم ومن قضاياهم، وفتح قنوات تتسم بالصراحة والشفافية للتواصل معهم، هو أقرب إلى النموذج الذي نريده بيننا، لأنه يمثل ـ باقترابه من أبنائه ـ حصنا يقيهم الوقوع في الفخاخ التي تنصبها لهم بعض القوى الظلامية، فيكون سندا للوطن مع أبنائه، فلنحرص جميعا على التواصل والاقتراب من أبنائنا، حتى نطمئن عليهم، محصنين من أي فكر شاذ، يأخذهم بعيدا عنا وعن أوطاننا.

إيهاب مباشر

إلى الأعلى