الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : ذاكرات تعرّف عن نفسها

باختصار : ذاكرات تعرّف عن نفسها

زهير ماجد

هنالك ذاكرة حنونة وذاكرة مثقوبة بالحزن وأخرى سيئة وظالمة .. ثلاث ذاكرات تعيش في عقل المرء ولا تتركه منها. هي اشبه بقاعدته التي يرتكز عليها، ولهذا نرى من جمعها في مشوار حياته انه لن ينجو من السؤال الكبير: لقد امتلأت خزانة عقلك فأيها تختار.
بالطبع الحنونة لأنها الحميمة الباقية في وجدان متصل بالحياة. ان يظل جمال عبد الناصر وأمثاله من القامات العالمية المعاصرة له مكتوبين في سطر الأمجاد المقروء لديك، فهي الصحة النفسية في أبهى مراحلها. ربما بالنسبة لي فإن ميلاد عبدالناصر في منتصف هذا الشهر تقريبا حدث استثنائي ومواكبة لعمر رجل كان قليلا لكنه عاش طويلا ويعيش اطول كلما اردنا ان نعيده الى الواقع الذي نحتاجه. وكفى بالأمة انها في جانب الذاكرة الحنونة تعيش ايقاعا صاخبا عبر عن أملها في ان تكون ذات شأن، لذلك كانت القطرية حالة نشاز، احتقارا للذات الوطنية .. عندما سأل نهرو عبد الناصر عن ان مصر ليست دولة نامية بل هي دولة كبرى، رد عليه بأن مصر كبيرة بأمتها العربية. أليس مثل هذا الكلام يدفىء الروح ويحبس مطرا في العيون المنفتحة على هذا النوع من الذاكرات التي كيفما قلبتها ستجد فيها الأجمل .. لعل المثل الشعبي الذي يقول ان كل يوم يمر لايأتي مثله حقيقي وفي الصميم.
لا يترجم ذاك الزمن سوى باللغة الانسانية، نتعلق به لأنه متجذر فينا مثلما هي الجذور في التربة. انه الأحن علينا من كل ذاكرة لاتليق بالخبرة والعمر وبالاحساس والعاطفة النبيلة، وهو الاقدر دائما ان يجعلنا اصحاء النفس والبدن. اما عالم الذاكرتين الحزينة والسيئة الظالمة، فهي كل شهقة على خسارة الذاكرة الحنونة التي طوت تلك الاسماء فغيرت تاريخا لتبقي بعض الأنجاس يتحكمون بالبشرية ومنهم العرب ويقلدونها المصاب تلو الآخر، وخصوصا العرب الذين استفاقوا منذ خمس سنوات على واقع أخذ بهم الى فكرة الكيان والبقاء. لهذا نتعلق بسوريا حاليا ونتمسك بخلاص العراق، وندعو لصبر ليبيا، ونحبس الانفاس من اجل العزيزة مصر، وما زالت فلسطين في كل ذلك بوصلتنا وحقيقة وجودنا.
نخاف الذاكرة الحزينة لأنها ايضا سيئة وظالمة .. بل لأنها خسرتنا ما مررنا به من بهجة سنين ومن معاني وجود عربي وعالمي وانساني. تستحق الحياة هكذا كان هدفنا النبيل ونحن نعيش زمن عبد الناصر ونطير مثل الفراشات مع افكار عربية زرعت في العقول والقلوب وبدت كأنها قاب قوسين او ادنى من التحقق. الصدمة في العام 1967 حققت مكاسب لأولئك الذين مازالوا الى اليوم يحملون في دمهم ذاكراتنا السيئة والحزينة والظالمة لأنهم مثلوها. فكيف يمكن للانسانية ان تطردهم من ملكوتها ليعيش هذا الجمع العربي حلمه الأجمل بفقدانهم.
كان أحد أصدقائنا الشعراء المعروفين يرددون كلما ادلهم الوضع العربي ان” بطن الأرض خير من ظهرها” اذا وصلنا الى تلك المعادلة التي يعاد فيها ايقاع الماضي بأسماء مختلفة، اي بمحاولة القضاء على كل ظاهرة نبيلة في هذه الأمة كأنه لم يبق غيرها من تلك البقايا التي استندت الى تاريخ طاهر. تعلمنا الذاكرة الحنونة اننا لازلنا على قيد الحياة، منها نستمد القدرة على التنفس السليم وبها نعيش.

إلى الأعلى