الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / حق مخاطبة المؤسسات الرسمية في النظام الأساسي للدولة

حق مخاطبة المؤسسات الرسمية في النظام الأساسي للدولة

يأتي الحديث عن هذا الحق الإنساني استكمالا لحق الإنسان في المشاركة الوطنية في المجتمع الذي تحدثنا عنه في الحلقة السابقة، حيث إن الإنسان البشري اجتماعي بفطرته التي خلقه الله سبحانه وتعالى عليها فهو لا يستغني عمّا يوجد من خدمات وتسهيلات تقدم للناس في المجتمع من أجل الحياة الكريمة والآمنة، وبالمقابل يجب على كل مسؤول عن أية خدمة وفي أي موقع في المجتمع أن يستجيب للخطابات والطلبات المشروعة لهذا الإنسان، ولا ينبغي أن ينظر إلى بعض الطلبات دون بعض من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين، إذ المسلمين أكفاء فيما بينهم كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأموالهم بينهم حرام، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم،…). والإنسان عندما شرع له أن يسعى لخدمة إخوانه ومجتمعه إنما لأجل تحقيق مصالح البلاد وإصلاح العباد، ولا تخلو مخاطباته للمؤسسات الرسمية من أمرين اثنين؛ إما طلب لخدمة خاصة، أو طلب لخدمة عامة، وكلاهما مشروعتان، وقد ورد عنه – صلى الله عليه وسلم – ما يدلل على اقتران خيرية الإنسان في خدمة إخوانه حيث جاء عنه:(أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة, أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولئن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرا في مسجد المدينة، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة, ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام)، ولذا يجب أن يُكفلُ حقُ المواطن في السعي لتحقيق المطالب التي يسعى إليها متى كانت مشروعة. وقد حرص ولي الأمر سلطان البلاد المفدى على بيان الواجب المناط بكل موظف في موقعه من خلال حديثه لشعبه إذ يقول: “وهناك أمر هام يجب على جميع المسؤولين في حكومتنا أن يجعلوه نصبأ عينهم، وألا وهو أنهم جميعاً خدم لشعب هذا الوطن العزيز، وعليهم أن يؤدوا هذه الخدمة بكل إخلاص وأن يتجردوا من جميع الأنانيات وأن تكون مصلحة الأمة قبل أب مصلحة شخصية”. كما جاء تجسيد ذلك أيضا في النظام الأساسي للدولة الذي هو دستور الحكم في السلطنة، حيث أشارت المادة (34) منه على هذا الحق ومشروعيته بالقول “للمواطنين الحق في مخاطبة السلطات العامة فيما ينوبهم من أمـور شخصية أو فيما لـه صلة بـالشؤون العـامة بالكيفية والشروط التي يعينها القانون”. إن كل مسؤول مهما كانت وظيفته الإدارية أو غيرها وأينما كان موقعه الوظيفي في الدولة في أي قطاع كان عام أو خاص إنما جعل لأجل تقديم الخدمات للمواطنين والمقيمين في السلطنة واستقبال طلباتهم ومراسلاتهم، ولأجل ذلك أباح القانون العماني لكل مقيم ومواطن أن يقدم ما يحتاجه من أمور، أو تعوزه من شؤون بخطاب رسمي حسب الكيفيات المتبعة نظاما إلى هؤلاء المسؤولين ومخاطبتهم والشرح لهم فيما يرغب الحصول عليه، وبالمقابل على هؤلاء المختصين كل في مجال اختصاصه وحسب صلاحياته أن يستجيب لمخاطبات المواطنين بما يتاح من حقوق للأفراد وتوفيرها لهم، بكل شفافية وبمنتهى الدقة والأمانة، فالوظيفة قبل أن تكون تشريفا هي تكليف وأمانة في المقام الأول. وقد أكد جلالة السلطان المعظم – كذلك – على أهمية تيسير معاملات المواطنين بكل أمانة وصدق وعدم استغلال الوظيفة للمصالح الشخصية في أكثر من مناسبة، ومن ذلك ما جاء في خطابه السامي سنة 2008م عند افتتاح مجلس عمان بالقول: “ونحن إذ نشيد بالأداء الحكومي خلال الحقبة المنصرمة فإننا نؤكد في الوقت ذاته على ضرورة مراجعة الجهاز الإداري للدولة لسياساته وأنظمته بما يضمن اتباع أفضل الأساليب وأنجع الوسائل التي تؤدي إلى تسهيل الإجراءات وتيسير المعاملات وسرعة اتخاذ القرارات الكفيلة بتحقيق مصالح المواطنين وغيرهم من المقيمين الذين يسهمون في خدمة عمان والمساعدة على بنائها. وتجدر الإشارة هنا إلى إنه لما كان الأداء الحكومي يعتمد في إرساء وترسيخ قواعد التنمية المستدامة على القائمين به والمشرفين عليه فإن في ذلك دلالة واضحة على مدى المسؤولية الجسيمة المنوطة بالموظفين الذين يديرون عجلة العمل في مختلف القطاعات الحكومية، فإن هم أدوا واجباتهم بأمانة وبروح من المسؤولية بعيدا عن المصالح الشخصية سعدوا وسعدت البلاد، أما إذا انحرفوا عن النهج القويم واعتبروا الوظيفة فرصة لتحقيق المكاسب الذاتية، وسلما للنفوذ والسلطة، وتقاعسوا عن أداء الخدمة كما يجب وبكل إخلاص وأمانة فأنهم يكونون بذلك قد وقعوا في المحظور ولا بدّ عندئذ من محاسبتهم واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لردعهم وفقا لمبادئ العدل الذي أرسينا عليه دعائم الحكم، والتي تقتضي منا عدم السماح لأي كان بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة، ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع وأيدتها الأنظمة والقوانين”. وإلى لقاء آخر جمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال…..

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي
المحكمة العليا
msd99509559@hotmail.com

إلى الأعلى