الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “فيتنام” .. تجربة تنموية فريدة جديرة بالدراسة

“فيتنام” .. تجربة تنموية فريدة جديرة بالدراسة

محمد عبد الصادق

” احتاجت فيتنام عشر سنوات لإعادة بناء ما دمرته الحرب وإزالة آثار الخراب والدمار الذي نال كل جزء فيها, كما احتاجت لجهود كبيرة للتخلص من الجمود والبيروقراطية التي ورثتهما عن الحكم الشيوعي والأفكار السوفييتية, وبدأت مسيرة التنمية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بإعداد خطة بعيدة المدى تنتهي في 2020م , واستطاعت بداية من التسعينيات تحقيق معدلات نمو قاربت الـ 8% سنويا,”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحرص على قراءة البيانات المكتوبة على أغلفة المنتجات والسلع والأجهزة المعمرة؛ سواء كان ذلك بنية الشراء أو نوعاً من حب الاستطلاع لمعرفة بلد المنشأ وسنة الصنع وتاريخ الصلاحية وطريقة الاستخدام, واسترعى انتباهي في العامين الأخيرين شيوع عبارة “صنع في فيتنام” على كثير من هذه السلع بداية من الهواتف النقالة والحواسيب الآلية والأجهزة الكهربائية وقطع غيار السيارات, مروراً بالأحذية والملابس الجاهزة, وانتهاء بالمنتجات الزراعية من حبوب وفاكهة وخضراوات, ليس هذا فحسب بل إن المنتجات الفيتنامية اكتسبت سمعة طيبة في الإتقان والمتانة وطول فترة الاستخدام, حيث احتلت منتجاتها المرتبة الثالثة على مستوى آسيا بعد المنتجات اليابانية والكورية الجنوبية, وتأتي في جودتها قبل المنتجات الصينية والتايوانية والماليزية.
وسر اندهاشي من هذا الصعود المدوي لفيتنام هو انطباعاتي القديمة عن هذا البلد الآسيوي الفقيرـ الذي تبلغ مساحته 300ألف كيلو متر مربع” ثلث مساحة مصر ونفس مساحة السلطنة تقريباً” ويبلغ عدد سكانه 90 مليوناً نفس عدد سكان مصر ويستورد معظم احتياجاته من الطاقة والمواد الخام ـ فمازلت أتذكر وأنا صبي صغير في أوائل السبعينيات قبل دخول التليفزيون منزلنا, وكنا مرتبطين آنذاك بما يبثه جهاز “الراديو” من برامج وأغانٍ ومسلسلات, وكانت إذاعة القاهرة تبث في تلك الحقبة برنامجاً يومياً عن نضال الشعب الفيتنامي في مواجهة الغزو الأميركي وحلفائه الغربيين؛ ومازال يرن في أذني صوت المذيع صاحب الصوت الرخيم وهو يسرد قصة كفاح الزعيم الفيتنامي العظيم “هو شي منه” قائد ثورة التحرير, ويقص على مسامعنا حكايات مؤثرة عن تضحيات وبطولات الفيتناميين والمقاومة البطولية التي يخوضها شباب و نساء وأطفال فيتنام في مواجهة القوى الرجعية التي قسمت فيتنام بين شمالية وجنوبية.
كانت مصر في ذلك الحين حليفة للاتحاد السوفييتي, وكانت علاقتها مقطوعة مع أميركا والدول الغربية التي فرضت نوعاً من الحصار السياسي والاقتصادي على مصر بسبب مواقف جمال عبد الناصر من إسرائيل والدول الاستعمارية ومساندته حركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية, واستمر النهج الناصري بعد وفاته وتولي السادات الحكم, حتى قرر السادات قبل حرب اكتوبر 1973م الخروج من عباءة عبد الناصر والانقلاب على سياساته, فطرد المستشارين الروس وحل الاتحاد الاشتراكي ” التنظيم السياسي الوحيد الذي أسسه عبد الناصر” , واستجاب لمحاولات وزير الخارجية الأميركي في ذلك الوقت هنري كيسنجر وبدأ اتصالاته مع الأميركان وعقب انتهاء حرب اكتوبر وافق على مفاوضات فض الاشتباك مع الإسرائيليين المعروفة بمفاوضات الكيلو 101في يناير 1974 , والتي انتهت بتوقيع معاهدة السلام بين السادات ومناحم بيجين بعد زيارة السادات للقدس في يناير 1977م وتحول مصر لحليف استراتيجي لأميركا والغرب.
استمرت الحرب في فيتنام قرابة 20 عاماً من 1956ـ 1975م , وراح ضحيتها آلاف الفيتناميين ودمرت البنية التحتية وانهارت الموارد والثروات الطبيعية وعم البؤس والتشرد أكثر من 70 مليون فيتنامي, بعد تورط أميركا تحت قيادة الرئيس الأسبق نيكسون في قتال شعب لا يعرف الهزيمة, ورغم إرسال أميركا لأكثر من نصف مليون جندي للقتال في فيتنام واستمرار القصف الجوي الجنوني بقاذفات بي 52 الأميركية لشمال فيتنام وقواعد الثوار في الجنوب صمد الشعب الفيتنامي واستطاع الثوار الفيتناميون في نهاية المطاف هزيمة الأميركان ودخول العاصمة الجنوبية “سايجون” وإعلان توحيد فيتنام في 30إبريل 1975م .
احتاجت فيتنام عشر سنوات لإعادة بناء ما دمرته الحرب وإزالة آثار الخراب والدمار الذي نال كل جزء فيها, كما احتاجت لجهود كبيرة للتخلص من الجمود والبيروقراطية التي ورثتهما عن الحكم الشيوعي والأفكار السوفييتية, وبدأت مسيرة التنمية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بإعداد خطة بعيدة المدى تنتهي في 2020م , واستطاعت بداية من التسعينيات تحقيق معدلات نمو قاربت الـ 8% سنويا, وسارت فيتنام على خطى الصين ففتحت أسواقها أمام تدفق رؤوس الأموال الأجنبية, والتزمت رغم الحكم الشمولي ونظام الحزب الواحد بآليات المنافسة وتشجيع القطاع الخاص وأقامت شراكات مع اليابان والصين ودول الآسيان, وركزت على تطوير الزراعة والصناعة و تحقيق الأمن الغذائي وهي الأنشطة التي تستوعب عدداً كبيراً من الأيدي العاملة.
اجتازت فيتنام الأزمة المالية الآسيوية عام 1997م بسبب تعاطيها بحذر مع اقتصاديات السوق وانخفض النمو نتيجة الأزمة من 8.5% إلى 6% في نهاية التسعينيات, ولكن سرعان ما استعادت عافيتها في بداية الألفية الجديدة لتعاود تحقيق الـ 8%, وتستمر على هذا المنوال طوال العقد الماضي وهو ما أدى لانتشال قطاعات عريضة من الشعب الفيتنامي من حالة الفقر المدقع التي كانوا يعيشون فيها عقب انتهاء الحرب, ليبلغ إجمالي دخل الفرد العام الماضي 7آلاف دولار , واستطاعت الحفاظ على معدلات النمو المرتفعة رغم الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم الآن, مستفيدة من تدني أسعار النفط الذي تستورده لتلبية احتياجات قطاعي الصناعة والزراعة المنتعشين.
تغيرت فيتنام كثيراً وأدرك النظام الحاكم هناك أن تطوير التعليم هو مفتاح التقدم حتى بات الاستثمار في التعليم يحتل الجزء الأعظم من خطط التنمية الحكومية وأصبح هناك تنافس بين الأسر الجديدة على الحصول على نوعيات متطورة من التعليم وسباق بين الطلاب لتعلم اللغات الأجنبية ودراسة العلوم الحديثة “الهاي تيك”, وتم مؤخراً ترقية الاقتصاد الفيتنامي إلى المستوى الثاني على جدول الجدارة الاقتصادية الدولية, بعدما كانت تقيع في قاع الجدول منذ سنين قليلة.
وتحولت فيتنام لقبلة للشركات متعددة الجنسيات وأصحاب العلامات العالمية, لنقل مصانعهم إلى مدينتي (هانوي) و(هايفونج), للاستفادة من الأيدي العاملة الرخيصة المدربة والمنضبطة , والتسهيلات الاستثمارية التي تقدمها الحكومة لجذب الاستثمارات, ويكفي أن أكبر مصنع لعملاق صناعة الحواسيب الأميركية “أنتيل” موجود في مدينة “هو تشي منه” سايجون سابقاً, بالإضافة إلى شركتي مايكروسوفت” و”بوينج” لتجميع الطائرات.

إلى الأعلى