السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / معضلة القومية ومباحثات السلام

معضلة القومية ومباحثات السلام

” ماذا يمكن عمله لتجنب معضلة الشعور القومي؟ الاجابة الوحيدة طويلة المدى للسياسيين القوميين هي توعية ناخبيهم برؤية الهجمات الإرهابية كعلامة على ضعف خصمهم، فالإرهابيون الذين قاموا بالهجوم يخشون بوضوح النتائج على انفسهم وعلى بلادهم من وراء مباحثات السلام مع الهند.
واذا فهم الناخبون الهنود ذلك فربما يتيح الفرصة لزعمائهم بمواصلة التفاوض.”
مع انطلاقة العام الجديد ارتفعت الآمال من وراء مباحثات السلام رفيعة المستوى بين الهند وباكستان بأعلى مما كانت عليه خلال سنوات، حيث قام رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بزيارة مفاجئة لنظيره الباكستاني نواز شريف، وتقاسم الرجلان عناقا علنيا ورمزيا.
الآن وبعد مرور نحو اسبوعين يبدو أن هذا التفاؤل قد تلاشى بعد قيام ارهابيين من باكستان بمهاجمة قاعدة جوية هندية فقتلوا سبعة من رجال الامن الهندي مما حدا بمودي ان يخبر شريف بأن المباحثات لن تتواصل حتى تتخذ باكستان تحركا ضد الارهابيين.
والبادي ان المباحثات لن تحدث مطلقا.
على السطح لا شيء اكثر توقعا من تعليق مباحثات السلام الوشيكة بين العدوين التقليديين بعد هجوم ارهابي قصد به احداث هذا التعليق، وكلنا يعرف النص الذي يستخدمه كل الارهابيين في العالم من ايرلندا الى الهند.
على ان الحادثة الاخيرة تثير سؤالا مهما حول النموذج: لماذ تنجح اساليب الارهابيين؟ في النهاية الكل يعلم ان هدف الهجوم هو حرف مباحثات السلام عن مسارها، ولذلك لماذا لا يقلل الناس والسياسيون على السواء من اثر هذه الهجمات بدلا من الاستسلام لمنطقها الوحدوي؟ في هذه الحالة التي امامنا فإن الاجابة تتعلق بما قد تطلق عليها معضلة القومية.
فمودي رجل قومي هندوسي من يمين الوسط، ومؤهلاته كرجل قومي هي بالضبط ما سمح له بزيارة ومعانقة شريف في المقام الاول.
اما سلفه مانموهان سينغ فقد كان يحبذ الدخول في مفاوضات سلام جادة مع باكستان، ولكنه لم يستطع بسبب ممانعة مودي وحزبه الذين انتقدوه من اليمين واعتبروه اضعف من ان يتفاوض بفاعلية مع باكستان.
على النقيض يستطيع مودي ان يعول على حقيقة ان حزب المؤتمر برئاسة سنغ وغيره في المعارضة لن يجرؤوا على انتقاده من اليسار لتواصله مع شريف.
من هنا فإن مؤهلات القوميين نعمة لزعيم يصنع السلام.
المشكلة هي ان نفس المؤهلات القومية التي سمحت لزعيم يمين الوسط مثل مودي العمل على عقد مباحثات سلام تتطلب منه ايضا ان يرد عندما تتعرض بلاده لهجوم ارهابي.
ولاشيء يجرح الفخر القومي مثل الشعور بالضعف، وناخبو مودي اختاروه لأنهم توقعوا ان يحميهم ويظهر القوة في وجه الهجوم او الاهانة.
ما زاد الطين بلة ان الدفاع ضد الهجوم كان غير متقن، حيث افادت التقارير بأن السلطات الهندية علمت بهجوم وشيك على القاعدة الجوية من شرطي هندي كان قد خطف وتم اطلاق سراحه من قبل الارهابيين.
الامر الجدير بالملاحظة ان الجيش الهندي خسر رجالا على يد ارهابيين، والامر استغرق اياما لتتبعهم وقتلهم جميعا، وكان الارباك الناتج عن الاستجابة الضعيفة سببا في تغذية حاجة مودي الى اظهار القوة ردا على ذلك عن طريق تأجيل او تعليق مباحثات السلام.
لنكن واضحين، فالامن القومي الهندي لم يتضررا كثيرا من الهجوم الذي تم على يد ارهابيين مسلحين تسليحا خفيفا ضد قاعدة عسكرية محصنة، غير ان الهدف الوحيد كان تعطيل مباحثات السلام.
بيد ان هذه الحقيقة حتى وإن كانت مفهومة على نحو واسع لا تهم الناخبين الذين يصوتون على اساس الفخر القومي، فالتعرض لهجوم اقل من ان يشكل اهانة او ارباكا او غيظا اذا كان الهدف الواضح هو معارضة السلام، والحق ان مثل هذا الهجوم يؤكد على الشعور القومي بأن الجانب الاخر لا يريد السلام حقا ويستخدم المفاوضات فقط كأداة من ادوات القوة.
وعلى ذلك ماذا يمكن عمله لتجنب معضلة الشعور القومي؟ الاجابة الوحيدة طويلة المدى للسياسيين القوميين هي توعية ناخبيهم برؤية الهجمات الارهابية كعلامة على ضعف خصمهم، فالإرهابيون الذين قاموا بالهجوم يخشون بوضوح النتائج على انفسهم وعلى بلادهم من وراء مباحثات السلام مع الهند.
واذا فهم الناخبون الهنود ذلك فربما يتيح الفرصة لزعمائهم بمواصلة التفاوض.
المشكلة الوحيدة لهذا الحل المعرفي هي انه يفترض ان القوميين يريدون فعلا السلام في المقام الاول.
احيانا هم يريدونه، ولعل السلام المتين بين اسرائيل ومصر خير مثال على ذلك.
غير ان الغالب ان القوميين يخشون وينفرون من اعدائهم التاريخيين، وهم مستعدون للتخلي عن زعمائهم اذا ذهبوا ابعد مما ينبغي في طريق السلام.
وعندما يحدث ذلك فهم يستحقون الحرب الأبدية التي تنتج عن ذلك.

نواه فيلدمان كاتب عمود في بلومبيرج فيو وأستاذ القانون الدستوري والدولي بجامعة هارفارد خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز – خاص بـ« الوطن»

إلى الأعلى