الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رب ضارة نافعة

رب ضارة نافعة

أحمد مصطفى

” .. من شأن مشاكل قطاع السندات أن تؤثر سلبا، ليس فقط على قدرة الحكومات على سد عجز ميزانياتها بطرح مزادات دين في أسواق السندات بل كذلك على قدرة الشركات على تمويل مشروعاتها عبر سندات دين. ويضيف ذلك عبئا آخر على الشركات التي تعاني بالفعل من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي ودخول كثير من السلع في مرحلة “جمود سعري” أو هبوط Deflation مما يؤثر على الأرباح والأعمال عموما.”
ـــــــــــــــــــ
في الأسبوع الأول من هذا العام الجديد خسرت أسواق الأسهم العالمية ما يقارب ثلاثة تريليونات دولار إثر انهيار الأسواق الآسيوية واضطرار الصين لوقف التعاملات في بورصة شنغهاي مرتين لوقف الهبوط الحر لأسعار الأسهم. ربما يرى البعض في ذلك مجرد عملية تصحيح، أو على الأقل علامة من علامات تباطؤ الاقتصاد الصيني الذي يتحدث عنه العالم كله منذ عام أو أكثر. لكن ما يغفل عنه كثيرون هو أن هناك عوامل كثيرة في الاقتصاد العالمية تختمر منذ أشهر تدفع لتوقع أن تكون تلك مؤشرات علة كبيرة ربما تقود إلى انهيار اقتصادي عالمي قبل نهاية هذا العام.
فمثلا، يركز الإعلام على أسعار الأسهم والعملات والنفط وعدد من السلع الرئيسية. لكن قطاعا مثل قطاع السندات لا يحظى بتغطية إعلامية واسعة في الإعلام العام، ولا حتى بتغطية كافية في الإعلام الاقتصادي أو المتخصص. ويعاني قطاع السندات من فقاعة تتجاوز دورات الصعود والهبوط التقليدية في الاقتصاد. ومن شأن مشاكل قطاع السندات أن تؤثر سلبا، ليس فقط على قدرة الحكومات على سد عجز ميزانياتها بطرح مزادات دين في أسواق السندات بل كذلك على قدرة الشركات على تمويل مشروعاتها عبر سندات دين. ويضيف ذلك عبئا آخر على الشركات التي تعاني بالفعل من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي ودخول كثير من السلع في مرحلة “جمود سعري” أو هبوط Deflation مما يؤثر على الأرباح والأعمال عموما. وقد بدأت بعض البنوك الاستثمارية بالفعل تنصح عملاءها ببيع سندات كثيرة يخشى أن تهوي باستثماراتهم.
لا تقتصر تلك العوامل على سوق السندات المرشح لانفجار فقاعة قد تهز الاقتصاد العالمي كله، بل إن كافة الأصول في أنحاء العالم تشهدا تدهورا مضطردا في قيمتها منذ الصيف الماضي. ولا يحتاج الاقتصاد العالمي سوى شرارة بسيطة من هنا أو هناك لكي يشتعل فتيل أزمة ربما تؤدي إلى كساد وليس ركودا كما حدث في 2008. وفي مثل هذه الحالات، تتأثر كل نواحي الحياة وينعكس وضع الاقتصاد على تفاصيل أيام البشر ويطال التأثير السلبي السياسة والاجتماع وغيرهما. لكن لهذا الاحتمال السلبي أيضا جانب آخر ربما ينطبق عليه القول “رب ضارة نافعة”.
أما الضارة فواضحة، وهي أن ذلك السيناريو للأزمة الاقتصادية قد يكون أشد وطأة على الأعمال والاستثمار بما لا تجدي معه محاولات علاج سابقة خاصة وأن الحكومات لم تعد قادرة بعد على التدخل لإنقاذ أحد كما فعلت قبل سبع سنوات. أما النفع فربما كان يخصنا أكثر من غيرنا، ذلك أننا لم نطور اقتصادات تعتمد بشكل رئيسي على “الرأسمالية المالية” وما زالت اقتصادات أغلب دول المنطقة مزيج مما هو ريعي وتجاري وزراعي/صناعي وقليل مما هو خدمي. صحيح أن الجانب الريعي من اقتصادات المنطقة سيتأثر سلبا بشدة، وقد بدأ فعلا التأثر بانهيار أسعار النفط منذ أكثر من عام، لكن ذلك ربما يكون محفزا للتنويع أكثر في اقتصادات المنطقة (ولو تحت وطأة الضرورة). وذلك هو النفع الرئيسي على المستوى العام.
ويعود النفع كذلك على كل من ينتج منتجا ماديا ملموسا، أو حتى قيمة مضافة ضرورية في بعض الأحيان، وإن كان للأسف مقابل ضرر على الأعمال والمستثمرين. لكن لأن المستثمرين سيكون ضررهم الرئيسي هو عدم تحقيق الأرباح التي يجنون من مضاربات ومزايدات وشراء وبيع يبقى النفع أهم من الضرر. تحديدا إذا كان من تبعات النفع أيضا إعلاء قيمة العمل والدفع باتجاه التخلي عن الاستسهال والتلفيق. ولعل من الفوائد غير المباشرة أن حالة كساد أو ركود عميق يستمر لفترة يمكن أن تخلص كثيرا من الناس من وهم الثراء السريع بالمضاربة في عملة أو تجارة/سمسرة في أسهم وخلافه من أشكال الرأسمالية المالية. صحيح ان أسواق الأسهم لن تختفي ولا أسواق السندات وكافة أشكال الديون الورقية الأخرى، لكنها بالتأكيد ستفقد بريقها كمصدر للغني الفاحش دون جهد كبير.
لا يعني ذلك أن الضارة نافعة تماما، أو ضارة للبعض ونافعة لغيرهم بالمطلق من باب “مصائب قوم عند قوم فوائد”. في النهاية سيتضرر الجميع بدرجات متفاوتة، لكن من يرى فيها نافعة سيتمكن من الصمود حتى تنتهي العاصفة ـ إذ أن الكساد حتى له نهاية، وغالبا ما تكون انتعاشا ولو بعد حين أطول مما يحدث في الركود. وكما يحدث مع الأفراد يحدث مع الدول والتكتلات، فمن مهنته الانتاج بيديه يمكنه أن يطور أساليب صمود وربما يستفيد حين تمر الأزمة أكثر ممن استفاد قبل الأزمة. أما من يستسهل ربح الأموال الساخنة، فستبرد أمواله بذات السهولة حتى تتجمد وتصبح بلا معنى.
نصيحتي للجميع، فكروا من الآن أن تأكلوا مما تزرعون وتصنعوا بأيديكم ما تحتاجون بشدة كأولوية، فللأسف الشديد لن يمكنك “تنزيل” (Download) الطعام من على غوغل ولن تستطيع إصلاح الصرف في المطبخ بالواي فاي.

إلى الأعلى