الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل من حل مع الكيان غير اجتثاثه؟ أتحدى!

هل من حل مع الكيان غير اجتثاثه؟ أتحدى!

د. فايز رشيد

” إن الصراع التناحري والمعركة المفصلية الفلسطينية العربية مع الكيان، هي معركة مفروضة علينا، لم يكن لدينا أي خيار فيها.. وهذه المعركة تقع في إطار المواجهة مع عدو استثنائي في عداوته لنا، فهو نمط خاص غير المستعمرين “بكسر الميم” العاديين، الذين يستعمرون بلداً لمدة قد تطول أو تقصر، ومن ثم يخرجون عائدين إلى ديارهم،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
اشعر نفسي مضطراً لكتابة هذا المقال توضيحا لحقائق، تشكل ردوداً على ملاحظات كثيرة قيلت لي ووصلت إليّ بعد محاضرتيّ اللتين ألقيتهما في كل من بروكسل وبرلين خلال الأيام العشرة الماضية. فيهما قلت الحل الذي أرتئيه كسياسي وباحث يعرف ما يقول عن دراية وتمحيص، فقد سبق لي أن تناولت هذا الموضوع في كتاب أصدرته قبل أعوام بعنوان “قضايا حوارية .. فلسطينية وعربية” وفيه تطرقت في دراسة مفصلة عن وهم حل الدولة الديموقراطية الواحدة والاخرى الثنائية القومية. الذي أذكر أن نشرته في العزيزة “الوطن” على بضع حلقات… وجوهر معظم الملاحظات يتلخص في وجهة النظر التالية: أنني مادمت قد نفيت إمكانية وجود دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب وجود دولة إسرائيل، وما دمت ايضا قد نفيت إمكانية العيش المشترك في دولة ديمقراطية واحدة أو في دولة ثنائية القومية، ومادمت قد كتبت حول الصراع التاريخي المفتوح مع هذا العدو.. فإنني عملياً كمن يدعو الى الانتحار! وحتى لا أكرر نفسي، ويمكن العودة إلى البحث وقراءته بدقة والتمعن في ما جاء فيه.. فإنني سأتناول بعض الإشارات التوضيحية:
أولاً: إن الصراع التناحري والمعركة المفصلية الفلسطينية العربية مع الكيان، هي معركة مفروضة علينا، لم يكن لدينا أي خيار فيها.. وهذه المعركة تقع في اطار المواجهة مع عدو استثنائي في عداوته لنا، فهو نمط خاص غير المستعمرين “بكسر الميم” العاديين، الذين يستعمرون بلداً لمدة قد تطول أو تقصر، ومن ثم يخرجون عائدين إلى ديارهم، ولذلك نحن في مواجهة عدو اقتلاعي لنا، يرى أن له “حقاً مقدساً” في فلسطين التاريخية وفي أراض عربية أخرى، ولذلك وبالضرورة، فإن مواجهة هذا العدو تقتضي نضالاً استثنائياً فلسطينياً وعربياً.
ثانياً: البحث فى إمكانية وجود دولة فلسطينية كاملة السيادة إلى جانب وجود دولة إسرائيل هو وهم! لا بسبب الرفض الفلسطيني أو العربي لها.. وإنما بسبب الرفض الإسرائيلي القاطع لإقامة هذه الدولة.. والدولة التي تراها إسرائيل للفلسطينيين ..هي الحكم الذاتي الهزيل والمجرد من أية سيادة فعلية، كانتونات مقطعة الأوصال، في ظل اعتبار القدس الشرقية جزءاً من القدس الموحدة، العاصمة الأبدية والتاريخية لدولة إسرائيل !يريدون أن تبقى الخمسة تجمعات استيطانية كبيرة في الضفة الغربية مرتبطة بإسرائيل باعتبارها جزءاً منها، في ظل التنكر المطلق لعودة اللاجئين، وفي ظل السيطرة الإسرائيلية على الأجواء والمياه تحت الأرض وعلى المعابر الحدودية، ومنطقة غور الأردن .. في الضفة الغربية! وبعدها فليسمَّ الفلسطينيون والعرب هذه المناطق بـ “الامبراطورية”، فلن يفرق شيئاً عند الإسرائيليين، مادامت هذه الامبراطورية في حقيقتها لا تتعدى الحكم الذاتي على القضايا الحياتية للسكان، الذين لا تريد لهم إسرائيل، فيما لو قامت بضمهم وأراضيهم إلى دولتها، بأن يساعدوا على تفجير القنبلة الديموغرافية التي تخشاها مستقبلاً، وهي تفكر ألف مرة بالتخلص من الأقلية العربية داخل الخط الأخضرفي مناطق كيانها، فكيف باضافة أعداد جديدة من الفلسطينيين؟ وذلك من أجل إقامة دولتها اليهودية الخالصة النقاء، حكم ذاتي ليست حُباً في الفلسطينيين، وإنما انطلاقا من مصالح إسرائيلية، وإسرائيلية فقط. في البحث قلت: إن مواصفات الدولة الكاملة السيادة، التي يريدها الفلسطينيون والعرب لن تتحقق إلا بتعديل موازين القوى مع إسرائيل، فهي لن توافق على إقامة مثل هذه الدولة، التي ستعتبرها تهديداً لها، إلا إذا كانت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.. وهذه وجهة نظر أطرحها عن قناعة.
ثالثاً: في البحث وحول الدولة الديمقراطية الواحدة، أوردت العقبات الإسرائيلية، التي تحتل الجوهر الاساسي كعقبات بالمقارنة مع العقبات الفلسطينية والعربية والاسلامية. العقبات الاسرائيلية وتتمثل في ان الدولة الديمقراطية تتناقض تناحريا مع هدف استراتيجي تسعى إليه اسرائيل ويتمثل في اقامة الدولة اليهودية، الخالية من العرب، والتي تجمع اليهود من مختلف انحاء العالم، وتتناقض مع خط استراتيجي اسرائيلي، وهو بمثابة الخط الاحمر امام الوجود الاسرائيلي نفسه، واعني به: عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم التاريخي، وتتناقض ايضاً مع كل قوانين الاساس التي سنتها اسرائيل عوضاً عن الدستور، وتتناقض مع الجذور التوراتية للسلوك الاسرائيلي المتمثل في العدوان الدائم على الفلسطينيين والعرب (الاغيار) في افق استعلائي تفوقي، عنصري مزنر بنظرة دونية اليهم، وتتناقض مع مسلك الحاخامات الذين ابقوا اليهود في اطار (الفيتو) الذي تحول الى عنجهية (القلعة) بعد اقامة اسرائيل، فالحاخامات ورغم مرور ثلاثة آلاف سنة ابقوا على السمات اليهودية من جهة والنظرة الى الآخرين كما هي، واسرائيل ورغم مرور ما يزيد على الستة عقود ونصف من تأسيسها.. لم تتطور فيها سوى العدوانية الممارسة على الآخر ضمن دائرة نفس نظرة الحاخامات ، بالتالي فإن أي مراهنة على ثلاثة آلاف سنة قادمة لاجراء تحول مسلكى مناقض لما تمارسه اسرائيل حاليا هى مراهنة بعيدة تماماً عن الموضوعية.. ضمن المعطيات الحالية ، وعلى المدى القريب المنظور. هذا عدا عن المناهج الاسرائيلية في رياض الاطفال والمدارس وفي المدارس الدينية، التي لم تنتج على مدى ستين عاماً سوى التطور في بنية اليمين الديني المتطرف والفاشي اضافة الى عسكرة (المجتمع) من خلال تطور المؤسسة العسكرية – الأمنية بمفاهيمها التي تفرضها على الشارع الاسرائيلي تماماً كما تفرض المؤسسة الدينية شروطها في البنية الاجتماعية الاسرائيلية وفي الشارع الاسرائيلي ايضاً.
رابعاً: كذلك الامر كان في تناولي للدولة الثنائية القومية، فإلى جانب خطأ مقولة (القومية اليهودية) التي تعاكس التاريخ والواقع ومبدأ الأديان، وإضافة إلى خطأ مقولة (القومية الفلسطينية) باعتبار الفلسطينيين عربيي القومية، فإن العقبات الإسرائيلية لإقامة مثل هذه الدولة هي العقبات الأساسية، وليست العقبات الفلسطينية ولا العربية والإسلامية… وأضيف: إذا كانت إسرائيل وبعدما يقارب السبعين عاما على إنشائها تسعى للتخلص من الفلسطينيين العرب بداخلها، الذين يشكلون 20% منها فقط ، وإذا كانت ورغم كل هذه السنوات ترى في وجودهم (خطرا استراتيجيا) على وجودها، وإذا كانت ما تزال تمارس عنصريتها البغيضة عليهم… هذه العنصرية التي لم يتحملها بعض اليهود من ذوي الضمائر الحية، ففي نهاية الثمانينيات تركت المحامية المعروفة فيليتسيا لانجر، وحاليا فإن الكاتب التقدمي ايلان بابيه، فكيف ستتخلى إسرائيل عن عدوانيتها وعنصريتها وتقبل بإقامة دولة ثنائية القومية ، قد تكون نسبة العرب فيها (إذا ما عاد اللاجئون) 50% ، 60% ، وحتى 70% من التقسيم السكاني؟ إنها أضغاث أحلام.
خامسا وأخيرا في البحث لم أنفً الإمكانية المستقبلية للتغيير، ولكن من أجل موافقة إسرائيل على أىّْ من هذه الحلول، قلت: إننا بحاجة إلى إسرائيل مناقضة لذاتها، أي أننا بحاجة إلى إسرائيل جديدة: ديمقراطية حقيقة، مسالمة، إنسانية، غير عدوانية، وغير عنصرية، صاحبة نظرة تؤمن بالتساوي بين اليهود وغيرهم من بني البشر… إلى غير ذلك من الشروط ، وأن يمضي على مثل هذا التحول المئات من السنين،وهذا مستحيل! يتصوره فقط كل من لم يقرأ عن الصهيونية ومشروعها السياسي الكياني!.
في الختام…قلت وأقول رأيي, وكتبت وأكتب قناعاتي، اعتمادا على رؤية موضوعية تحليلية للتاريخ والواقع ومحاولة استشفاف للمستقبل بأفق علمي بعيدا عن الشطح يمينا أو يسارا.. وهذا ما اجتهدت، ولا أقصد سوى رؤية الصراع على حقيقته دون رتوش، ووضع الإصبع على الجرح وجوهر الصراع… الذي لم يكن ولن يكون بإرادة منا (كما ذكرت) ، وإن كانت لاحد وجهة نظر مخالفة لما كتبت فليقلها وليكتبها على صفحات هذه الجريدة، مع العلم أنني دعيت لضرورة التحرك السياسي دولياً، وذكرتُ: ليبقى التحرك السياسي العربي والدولي قائماً على حل الدولتين، كحل اعتراضي هادف الى منع تصفية القضية الفلسطينية، وليبق متسلحاً بقرارات الشرعية الدولية، التي ضمنت للاجئين من أبناء شعبنا حقهم في العودة، والتي تعترف باحتلال اسرائيل للأراضي الفلسطينية في عام 1967، ولذلك تدعو الى انسحابها من كافة هذه الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية، هذه القرارات التي تضمن لشعبنا ايضا حقه في تقرير المصير، والعودة، وإقامة دولته الوطنية المستقلة كاملة السيادة، ولكن فإن معرفة الحقيقة تظل هي الأساس اياً كانت مرارتها.. ويتوجب ان نستمر في النضال لتحويل ما قد يبدو مستحيلاً.. الى ممكن.. وهذا قدرنا.

إلى الأعلى