السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة بعنوان:(الأخلاق الإنسانية الرفيعة)
قراءة في ندوة بعنوان:(الأخلاق الإنسانية الرفيعة)

قراءة في ندوة بعنوان:(الأخلاق الإنسانية الرفيعة)

(أخلاقيات الحوار في الإسلام) (4 ـ 4)

ـ الحوار النبوي أحدث تغييراً في الهوى والحب وأحدث تغييراً في الفكر

ـ الرسول (عليه الصلاة والسلام) استخدم أسلوب الذات للوصول إلى عقل الإعرابي وإقناعه

ـ الأخذ بآداب الحوار وأخلاقيته يجعل للحوار قيمته العلمية
قراءة ـ علي بن صالح السليمي:

جاءت ندوة بعنوان:(الأخلاق الإنسانية الرفيعة) بمباركة سامية من جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ والتي نظمها مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية خلال الفترة من 10 الى 11 ربيع الأول 1432هـ ، الموافق 14 الى 15 فبراير 2011م بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر، بمشاركة علماء ومفكرين من داخل وخارج السلطنة، حيث تتناول فعاليات الندوة 4 جلسات في أربعة محاور أساسية.
وضمن اوراق العمل المقدمة خلال الندوة .. ورقة عمل بعنوان: (أخلاقيات الحوار في الإسلام) من إعداد الدكتور/ الشيخ محمد الشيخ أبو عاقلة الترابي المحاضر بالجامعات السودانية.

نختتم اليوم معكم أعزائي القراء ما تبقى من هذه الورقة المهمة والتي تناولت موضوعا اجتماعيا وهو(أخلاقيات الحوار في الاسلام) …

(4) نموذج للحوار بين الرسول وأصحابه
يقول الباحث في ذلك: مثلما حاور الرسول (صلى الله عليه وسلم) الآخر (المشركين، واليهود، والنصارى) فكذلك وقع حوار بينه وبين أصحابه (رضي الله عنهم) اتضح من خلاله سبقه لكل النظريات التربوية الحديثة، في معالجة المسائل التربوية الواقعة في عصره عن طريق الحوار الهادئ الهادف القاصد إلى غاياته.منها: عن أبي أمامة (رضي الله عنه): أن فتى شاباً أتي النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال يا رسول الله: ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مَهْ، فقال: أدن، فدنا منه قريباً، قال أجلس فجلس، فقال أتحبه لامك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأماتهم، قال: أتحبه لأختك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أتحبه لعمتك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أتحبه لخالتك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. فوضع يده عليه وقال: “اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأحصن فرجه”، فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شئ.
ونقل الرسول (صلى الله عليه وسلم) الحوار إلى ذاتية السائل إلى دوائر إنسانية متمثلة في الأم والأخت والعمة والخالة، فكان عقله مفتوحاً للنصح، على عكس ما بدأ من حال حوارى.
وقال: نحن نتعلم تقنية الحوار من سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) ، فلقد نقل عواطف الرجل من دائرة لا تهمه إلى دائرة عاطفته الذاتية التي تهمه فاستشعر شعوره وعواطفه نحو أمه وأخته وعمته وخالته، ثم اتبع الاقناع العقلي (صلى الله عليه وسلم) علاقة وجدانية بالمحبة والمسؤولية تجاهه فوضع يده عليه ودعا له، كما استخدم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالإضافة إلى أسلوب الذات لغتين إضافيتين هما : اللغة الانفعالية “مشاعره نحو أهله، ثم محبته (صلى الله عليه وسلم) له”، واللغة الحركية” بوضع يده عليه والدعاء له”.
فانظر كيف استأصل النبي (صلى الله عليه وسلم) من نفس الفتى تعلقه بالزنى، عن طريق المحادثة والمحاكمة النفسية والموازنة العقلية، دون أن يذكر له الآيات الواردة في تحريم الزنى، نظراً منه أن هذا أقلع للباطل ـ في ذلك الوقت ـ من قلب الشاب بحسب تصوره وإدراكه.
وفي هذا إرشاد للدعاة أن يلجأوا إلى العقل في بعض الأحيان وبعض الناس إذا كانت الحال تستدعي ذلك، كحال هذا الشاب الذي طهّر الرسول (صلى الله عليه وسلم) قلبه من الزنا بتلك المحاكمة العقلية الهادئة.
وقال: إن خلاصة القول هي: إنه بتحليلنا لهذا الحوار التربوي الرائع بين الرسول (صلى الله عليه وسلم), والشاب المسلم نصل إلى الآتي: 1- احترام الرسول للرأي الآخر المخالف والسماح بمناقشة الرأي وتفنيده أمام العقول، ولم يقدم قانون الله تعالى في شكل معلومة مباشرة، بل رأى حاجة الشباب إلى النقاش المرافق للأسلوب اللين المقنع، 2- كان الرسول قمة في الرفق في تحاوره مع الشاب الذي جاء الاختلاف في الرأي معه، وأصبح الحوار قمة في الجمال والرقي، 3- قدم له الدعاء الكامل له في الأزمنة الثلاثة والذي يدل على حب الرسول (صلى الله عليه وسلم) للشاب، (أ) اللهم اغفر ذنبه (علاج للزمن الماضي وما تم فيه من ذنوب)، (ب) وطهر قلبه (علاج للزمن الحاضر من حب الزنا)، (ج) وأحصن فرجه (علاج للزمن المستقبل بكراهية الزنا).
والنتيجة: أن الحوار النبوي قد أحدث تغييراً في الهوى والحب وأحدث تغييراً في الفكر، في حوار لم يأخذ دقائق قليلة. كانت العبرة فيه تقنية الاتصال العالية، والجودة الكاملة في القدرة على غزو العقول، وإحداث التغيير المطلوب”.
(ب): ولد لأعرابي ولدٌ أسود وشك الأب في أبوته له وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم”ولد لي غلام أسود”، فوجّه الرسول صلى الله عليه وسلم سؤالاً” هل لك إبل”؟ (أسلوب ذات بالبحث عن البيئة الفكرية الخاصة بالإعرابي)، ويجيب: نعم، ويقول الرسول “ما لونها”؟ ( التعمق في بيئته الفكرية وتغيير مجال الشعور)، فيجيب الرجل: إنها حمر (حمراء)، ويتابع الرسول سؤاله:” هل فيها من أورق”؟ (رمادي)، (إشارة إلى المعلومة في عقله التي يريد الرسول أن يرسلها إلى المستمع)، فيجيب الرجل: نعم.
وقال: وهنا يأتي التساؤل الجوهري الحساس الذي يزيل الشك في نفس الزوج، ويقول الرسول:”فأنى ذلك”؟ (عرض الإجابة بصياغة سؤال, وكان ممكناً للرسول أن يقول لعله نزعه عرق, ولكنه ترك الإجابة لتكون مصاغة بكلمات ذاتية من الأعرابي. يقول الرجل:”لعل نزعه عرق” (صياغة لمعلومة الرسول)، يقول الرسول: “فلعل ابنك هذا نزعه عرق”، (تأكيد للمعلومة الراسخة في عقل الأعرابي).
مؤكدا بأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) استخدم أسلوب الذات للوصول إلى عقل الإعرابي وإقناعه، وذلك بسؤاله عن إبله وألوانها التي تشكل معرفته الذاتية البيئية، ومنها انطلق الرسول باستدراجه عن طريق الحوار ليستنتج الأعرابي الحل للمشكلة بنفسه”.
(ج): من أطرف ما سجل القرآن الكريم، الحوار الذي دار بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وإحدى الصحابيات التي جاءت تشكو من زوجها الذي ظاهر منها، وتحاوره وتلح في محاورته، وهو يجيبها في كل مرة بأنه ليس لديه شئ، ونزل القرآن الكريم يبسط قضيتها ويقر رأيها، ويبين حكم الظهار، قال تعالى:” قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير* الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً إن الله لعفو غفورًٌ”.
واستنتج الفخر الرازي من أن الجدال في تقرير الدلائل وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء، وأن التقليد والجهل في تقرير الدلائل وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء، وأن التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفه الكفار.
(5) الحوار بين أصحاب المذاهب الإسلامية: مما لا شك أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) تأثر بمنهجية القرآن الكريم القائمة على الحوار مع الآخر، ومن جاء بعده من علماء تأثروا به أيضاً وساروا على تلك المنهجيه ونلاحظ ذلك عند ظهور المذاهب الفقهية والكلامية، والتي نشأت ” كنتيجة طبيعية لمبدأ الاجتهاد والتنوع الذي أقره الإسلام المؤسس على حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) : “من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد”، وبذلك انتعشت الحياة الفكرية والفقهية، واجتهد العلماء، وكانت العلاقات بينهم قائمة على الاحترام المتبادل والمحبة والمودة وضربوا من خلال سلوكهم وأقوالهم أروع الأمثلة في تجسيد ثقافة الحوار في الحياة الإسلامية والاعتراف بمن يخالفهم، ولعلَّ أصدق من يعبر عن ذلك قول الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، والذي يبقى قاعدة ذهبية في ثقافة الحوار تهتدي بها الاجيال عبر العصور، لأنه أفرد مجالاً لغيره بأن يكون رأيه يحتمل الصواب، ورأيه هو يحتمل الخطأ، وبهذا لم يصادر النتيجة كما يقول علماء المنطق، ولم يأخذه العجب بنفسه مع ثقته الكاملة بآرائه، كل هذا ونحن في القرن الثاني الهجري.
وقال: ومن النماذج الراقية أيضاً ما أثر عن الإمام “مالك بن أنس” إمام دار الهجرة حين عزم الخليفة المنصور على حمل الناس على كتابه”الموطأ” وهو أول كتاب في الحديث والفقه ظهر في الإسلام، ومع ذلك فحين أراد المنصور أن يوزعه على الأمصار ليحمل الناس عليه رفض الإمام مالك ذلك وقال:” لا تفعل فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وأتوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل منهم لأنفسه.
ومن خلال هذا الرد الجميل ندرك مدى تشبع الإمام مالك بثقافة الحوار وإدراكه لأبعاده وآثارها في المجتمع. واحترامه للآخر واعترافه بحقه في أن يقول رأيه، وفي أن يستمع الناس له، ورفضه صيغة الإلغاء والتهميش التي كان الخليفة ينوي فرضها على القوى المفكرة والفاعلة في المجتمع، على الرغم من ثقته العالية في قيمة كتابه الذي أودع فيه أحسن ما سمع من السنة، وأقوى ما حفظ من العلم، إلا أن ذلك كله لم يكن سبباً كافياً لمصادرة الرأي الآخر أو إلغائه.”
وإذا ما التفتنا إلى علماء العقائد والأديان نجدهم ساروا على نفس المنهج:
يقول أبو حامد الغزالي:” أنه ينبغي للمحاور أن يقصد بحواره إصابة الحق وطلب ظهوره كيف اتفق، لا ظهور صوابه وصحة نظره فإن ذلك مراء منهي عنه بالنهي الأكيد، وأن يكون: كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر على يده أو على يد معاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً ويشكره إذا عرّفه الخطأ أو أظهر له الحق.
ويشترط “الخطيب البغدادي” في آدب الجدل والمناظرة أن يستشعر المحاور: الوقار في مجلسه، ويستعمل الهدى، وحسن السمت، وطول الصمت إلا عند الحاجة، ويرشده إذا ما جهل عليه محاوره أن يلتزم الأدب ولا يرد بالمثل. وإن أفحش الخصم في جوابه وأحال في حجاجه فينبغي ألا يحتد عليه، وليحذر من الصياح في وجهه والاستخفاف به فإن ذلك من أخلاق السفهاء ومن لا يتأدب بآداب العلماء.
موضحا بأنه يشترط في كلا المحاورين حسن الإصغاء، فيجب على كل واحد منهما أن يكون مقبلاً على صاحبه بوجهه في حال مناظرته، مستمعا كلامه إلى أن ينهيه…”، وبهذه الروح العلمية الهادئة الجادة حاور المسلمون أصحاب العقائد والأفكار المخالفة للعقيدة الإسلامية في سبيل إثبات الحق وإبطال الباطل بالحكمة والموعظة الحسنة.
مؤكدا بأن هذه النماذج الحوارية الرائعة تدعو الناس إلى أن يرجعوا إلى أدب الإسلام في الحوار بدل أن يُنصّب بعض الناس أنفسهم أوصياء على الأمة وعقولها وتفكيرها، فيتهمون هذا ويفسقون ذاك، ويشيعون الخوف من المشاركة في الفكر وإبداء الرأي، حتى توقف العلماء عن الخوض في كثير مما يحتاج إليه الناس من اجتهاد.
* آداب الحوار وأخلاقياته
وقال: إن الأخذ بآداب الحوار وأخلاقيته يجعل للحوار قيمته العلمية، وانعدامها يقلل من الفائدة المرجوة منه. وهذه الآداب لابد أن تكون ملازمة للحوار نفسه، فلعلها تكون ضماناً لاستمراريته كي لا ينحرف عن الهدف الذي كان من أجله الحوار. وحتى بعد انتهائه لابد من توافر آداب من أجل ضمان تنفيذ النتائج التي كانت ثمرة الحوار، وعليه أصبح لازماً للحوار ـ ولكي يبقى ويستمر بعيداً عن المهاترة ـ أن يرتبط بمجموعة من الآداب الفاضلة والأخلاق النبيلة.
مضيفا بأنه لهذا تتطلب ثقافة الحوار ترويض النفس على الخلق الكريم،وحملها على الهدوء، وسلامة الطوية، وعفة اللسان، واحترام مشاعر الآخر ومعتقداته وأفكاره، والتعطف في الرد. لأن القول الحسن والكلمة الطيبة والنفس المنشرحة تفتح القلوب وتسمو بالمشاعر، وتمهد الطريق لمعالجة المشكلات بالتي هي أحسن.
وقال: ان من آداب الحوار وأخلاقياته ما يلي:
(1) حسن الاستماع وأدب الإنصات وتجنب المقاطعة: يعد هذا الأدب من أكثر آداب الحوار أهمية، لأننا نلاحظ أن بعض الحوارات في هذه الأيام تخلو من هذا الأدب، فالمحاور ربما ينهى الحوار إن لم يستمع له الطرف الآخر، ولم يعطه حقه في الكلام.
في حين حسن الاستماع كان سائدا عند الأقدمين، وقد جاء في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، قال أحد الحكماء لابنه” يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث، وليعلم الناس أنك أحرص على أن تسمع منك على أن تقول”
ويقول ابن المقفع” تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، من حسن الاستماع: إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه…. والإقبال بالوجه، والنظر إلى المتكلم والوعي لما يقول”
إن السماع الجيد يتيح القاعدة الأساسية لالتقاء الآراء، وتحديد نقاط الخلاف وأسبابه، ومن هنا يتضح أن حسن الصمت والإصغاء دليل على احترام الآخرين وعدم الانتقاص منهم، وهو أدب رفيع من آداب الحوار والمناظرة.
(2) التزام القول الحسن، وتجنب التحدي والإفحام: إن من أهم ما يتوجه إليه المحاور التزام الحُسنى في القول ففي محكم التنزيل”وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن” وبناءً على معنى الآية يجب على المحاور أن ينأى بنفسه عن أسلوب الطعن والتجريح وكل ألوان الاحتقار والاستفزاز.
ومن لطائف التوجيهات الإلهية لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الانصراف عن التعنيف في الرد على أهل الباطل.قال تعالى” وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعلمون” “الله يحكم بينكم يوم القيامة فبما كنتم فيه تختلفون”.
على أن هناك بعض الحالات الاستثنائه التي يسوغ فيها اللجو إلى الهجوم، وذلك فيما إذا استطال وتجاوز الحد. قال تعالى “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم” قال تعالى:” لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم”.
ففي حالات الظلم والبغي، قد يسمح بالهجوم الجاد على الخصم وتسفيه رأيه، لأنه يمثل الباطل، وحسنٌ أن يرى الناس الباطل مهزوماً مدحوراً.
(3) إخلاص المحاور النية لله تعالى: تعتبر النية أصلاً أساسياً في جل العبادات والمعاملات وبها تتميز عن العادة، ولهذا يجب على كل متحاور”أن يخلص النية في جداله وحواره ويكون قصده في ذلك التقرب إلى الله تعالى وطلب مرضاته في امتثال أمره، والنهي عن المنكر، فلا يقصد المباهاة وطلب الجاه والرياء.
بل عليه أن يدفع عن نفسه حب الظهور والتميز على الأقران، وإظهار البراعة وعمق الثقافة، والتعالي على النظراء والأنداد.
(4) تقدير الخصم واحترامه، ويشمل عددا من النقاط وهي:
(1) ينبغي في مجلس الحوار التأكيد على الاحترام المتبادل بين الأطراف، وإعطاء كل ذي حق حقه، والاعتراف بمنزلته ومقامه، فيخاطب بالعبارات اللائقة.
(2) وما قيل من ضرورة الاحترام والتقدير، لا ينافي تصحيح الأخطاء بأساليبه الرفيعة وطرقه الوقورة.
(3) ومما يتعلق بهذه الخصلة الأدبية أن يتوجه النظر وينصرف الفكر إلى القضية المطروحة ليتم تناولها بالبحث والتحليل والنقد والإثبات والنقض بعيداً عن صاحبها، كل ذلك حتى لا يتحول الحوار إلى مبارزه كلاميه، طابعها الطعن والتجريح والعدول عن مناقشة القضايا والأفكار.
(4) ولهذا يكون من أدب الحوار احترام آدمية الإنسان وإنسانيته، بغض النظر عن الإختلاف في الرأي والتباين في الفكرة والتباعد في وجهات النظر.
(5) الالتزام بوقت محدد في الكلام: يدخل بعض المتحاورين في المحاورة وهو يرغب في أن يستأثر بالكلام وحده، وهذا خطأ لأن في ذلك تضييعاً للوقت، وظلماً للطرف الآخر.
يقول ابن عقيل في كتابه فن الجدل:” وليتناوبا الكلام مناوبة لا مناهبه، بحيث ينعت المعترض للمستدل حتى يفرغ من تقريره للدليل، ثم المستدل للمعترض حتى يقرر اعتراضه، ولا يقطع أحدٌ منهما الآخر كلامه وإن فهم مقصوده من بعضه”، وقال:”وبعض الناس يفعل هذا تنبيهاً للحاضرين على فطنته وذكائه وليس في ذلك فضيلة إذ المعانى بعضها مرتبط ببعض وبعضها دليل على بعض”.
وقال: ان أسباب الإطالة في الكلام تتلخص فيما يلي: (1) الإعجاب بالنفس، (2) الرغبة في الشهرة والثناء، (3) ظن المتحدث أن ما يأتي به جديد على الناس.
لذا لابد أن يعطي كل طرف من أطراف الحوار فرصة للتعبير عن رأيه وبيان الأدلة عليه، بشرط أن يكون فترة كل منهما إن لم تكن متساوية، فعلى الأقل متقاربة فلا يطيل أحدهما.
(3) صدق الحوار: إن توافر هذا الأدب في المتحاورين له قيمته الكبيرة في نجاح المحاور، فوجود ضد هذه الصفة وهي الكذب، يفقد طرفي المحاورة أمانتهم ويتطرق الشك في صدقهم.
إن اعتماد المحاور الصدق في كلامه يكسبه قوة في محاورته، فكلما تمسك بهذه الصفة كان لها الأثر البليغ في إقناع محاوريه بصحة دعواه، والمحاور الصادق يجعل لكل كلمة قيمة واضحة تؤثر فيمن يحاور أو يستمع له، فكل أقواله لها وزنها.
وأما لو كان في أقواله غير الصدق فإن أغلب كلامه وإن كان ظاهره الصحة فإنه لا يؤخذ به ولا تكون له قيمة عند محاوريه، أو حتى المستمعين له، لأنه فقد المصداقية التي كان يتمتع بها.
(6) خفض الصوت وعدم الغضب أثناء المناظرة: التعامل مع المخالف يقتضي نوعاً من ضبط الأعصاب، وهو ما عبَّر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم” ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” لأن الهدوء في الحوار يستميل الطرف الآخر ويهيئه لقبول ما يُعرض عليه، ولذلك لمَّا قال قوم عاد لنبيهم هود “إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين” لم يزد عن أن نفى السفاهة والكذب عن نفسه وناداهم متودداً لهم “قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين* أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين”.
فلم يقابل قبح قولهم بمثله، بل على المسلم أن يضيف إلى عدم غضبه، والي خفضه لصوته ابتسامة وطلاقة وجهه فإن فيها أجراً يجب أن يحرص عليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسل”لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق”.
(7) ختم الحوار بهدوء مهما كانت النتائج: إذا صار الحوار جاداً من قبل جميع الأطراف،فلابد أن يصلوا جميعاً إلى ما التزموا به في بداية الحوار من الرجوع إلى الحق وتأييد الصواب، فإذا رفض المحاور الحجج العقلية كأن لم يقتنع بها في هذه الحالة ينتهي الحوار بهدوء كما بدأ دون الحاجة إلى التوتر والانفعال”أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا بريء مما تجرمون”"وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين”.
وكذلك ينتهي الحوار عندما يصل إلى مرحلة العبث وتضييع الوقت، ويستحيل خلالها تحقيق فائدة، كالتي يصف فيها القرآن الكريم حوار الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع الكافرين، “إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون* ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة”.
* تعليق
وهنا اشار الباحث الى نقاط هامة وقال: بعد هذا كله نقول: إن مراعاة هذه الآداب والأخلاق أثناء الحوار يضمن حواراً علمياً رزيناً بعيداً عن المهاترات الكلامية، والألفاظ البذيئة، والأساليب القبيحة التي تؤدي في النهاية إلى فشل الحوار وانعدام أهدافه.
وبعد الانتهاء من الحوار فهناك آداب ينبغي الأخذ بها لضمان الاستفادة من الحوار الذي حصل، ومن هذه الآداب:
(1) الرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ خلال الحوار أو في نهايته، وقبول الحق ليس بالأمر السهل وفيه من الصعوبة على النفس.
(2) اجتناب الإعجاب بالنفس بعد الانتهاء من الحوار وخروج أحد الطرفين منتصراً بقوة حجته وقدرته على إقناع خصمه.
(3) الحسد: وهو من أقبح الخصال التي تصيب الإنسان، فإن الحسود الذي يتمنى الفشل لغيره يشقى نفسه بهذا الحسد إذ يمنع عن نفسه فوائد الحوار والتواصل مع الغير .. وغيرها مما يقع تحت طائلة رذائل الأخلاق التي نهى عنها الإسلام.
وقال: الإسلام وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري: الإسلام من خلال مصادره الأصلية “الكتاب والسنة” دعا إلى الحوار والتعايش والتفاهم على جميع المستويات: (الفرد، المجتمع، الأديان الإلهية، الحضارات الأخرى)، ولكن ـ للأسف ـ ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين من يدعو إلى “صدام الحضارات” بدلاً من الحوار والتفاهم فيما بينها.
مؤكدا بأن الحق أن فكرة الصدام والعنف، والاقتتال بين الأطراف ليست جديدة، وإنما هي سمة لازمت الحياة الإنسانية منذ فجر التاريخ، والشاهد على ذلك قصة “قابيل وهابيل” ـ كما ذكرنا ـ ولعَّل الأديان السماوية قد اعترفت بهذا الواقع في تعاملها مع الآخر. لكن لم تبادله العنف والصدام بل ـ على حسب تعاليمها ـ استخدمت لغة الحوار والتفاهم، والتواصل المبني على العقل والمنطق.
ولذلك عندما ندعو إلى الحوار مع الآخر، فإننا نكون قد سرنا على نفس منهجية الدين القائمة على الحوار. حتى ولو أصّر على استخدام العنف والصدام، فإن ذلك لا يلجئنا إلى المجاراة بدليل قوله تعالى: “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”.
لأن مصلحة العالم اليوم تتطلب حواراً على مستوى العقائد، والأفكار، والسلوكيات الإنسانية. لذلك بادرت مؤسسات كثيرة في العالم إلى تبني الدعوة إلى حوار الحضارات، أملاً في الالتقاء على مبادئ موّحده، وقواسم مشتركه بين إتباع مختلف الحضارات. فالحوار بين الحضارات يعتبر مطلباً إسلامياً ملحاً يدعو إليه القرآن الكريم، وتبشر به السنة النبوية الشريفة.
إن نقطة الانطلاقة الأولى لأي استجابة فعّالة تبدأ من خلال “فهم الذات” ثم التعرف على الآخر وفهمه”الغرب وحضارته” كما أن الإسلام باعتبار أنه دين وحضارة عندما يدعو إلى التفاعل بين الحضارات ينكر”المركزية الحضارية” بل يريده “منتدى حضارات” متعدد الأطراف، حتى تتفاعل وتتساند في كل ما هو مشترك إنساني عام.
وقال: وإذا كان الإسلام ديناً عالمياً” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وخاتماً للأديان “ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً” إلا أنه لا يجبر العالم على التمسك بدين واحد، بل هو يعتبر أو يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله تعالى في الكون.” ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة”.
موضحا بأن دعوة الإسلام إلى التفاعل والحوار مع باقي الديانات والحضارات تنبع من رؤيته إلى التعامل مع غير المسلمين الذين يؤمنون برسالاتهم السماوية،فعقيدة المسلم لا تكتمل إلا إذا امن بالرسل جميعاً “آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله”، لكن ينبغي ألا يفهم هذا التسامح الإنساني في علاقة المسلم بغيره، على أنه استعداد للذوبان في الآخر الذي لا يتفق مع مبادئه وجوهره. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولكنه يؤسس للعلاقات الإنسانية التي يريد الإسلام أن تسود حياة الناس ، فالتأكيد على الخصوصيات العقائدية والحضارية والثقافية لا سبيل إلى إلغائه.ولكن الإسلام لا يريد لهذه الخصوصيات أن تمنع التفاعل فيما بينها.
وقال: ولعل الحضارة الإسلامية منذ نشوئها وتكونها لم تخرج عن هذا الإطار التواق إلى التفاعل مع الحضارات الأخرى أخذاً وعطاءً، وتأثراً وتأثيراً. خاصة الحضارات الفارسية، والهندية، والمصرية، والحضارة الأوروبية الحديثة فيما بعد، ومع مرور الزمن قامت حضارة إسلامية جديدة أسهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والأمم التي دخلت في الإسلام، فاغتنت الحضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق التلاقح والتفاعل.
إذن لكي يستمر الإنسان في أداء وظيفته “الاستخلاف في الأرض” “وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” وتحقيق الغاية منها (العبادة، والعدل، والسلام) لابد من الحرص على تطبيق مبدأ الحوار، واستمراريته بين الأديان والحضارات “الآخر” مهما كانت الظروف حتى يتحقق الخير والسعادة للإنسانية جمعاء.
مشيرا الى أن فكرة “التعددية” مبدأ أصيل في التأريخ الإنساني- كما ذكرنا- أما فكرة الواحد فلا تتحقق بل لا توجد إلا في “الذات الإلهية”.
* الخاتمة
واختتم الباحث ورقته بقوله : ان الحوار ظاهرة إنسانية وجد منذ أن خلق الإنسان – بل قبل ذلك – “ألست بربكم” إذن جدير بنا الأخذ به والاستفادة منه في قضية التواصل بين الشعوب والحضارات والمدنيات الأخرى.
مشيرا الى إن الإسلام وفي مصادره الأصلية (القرآن الكريم والسنة النبوية) قد تبنى قضية الحوار في جميع اتجاهاتها، لهذا ينبغي على علماء الإسلام الدخول في حوارات جدية وهادفة مع جهات عديدة وعلى مستويات متنوعة.
وقال: إذا كان الحوار مع الآخر (حوار الحضارات والأديان) ضرورة إنسانية أملتها طبيعة الحياة المعاصرة، فإنه في الإسلام واجب شرعي وتكليف ديني ألزم الله به المسلمين، حرصاً على إشاعة قيم التعاون والتسامح في إطار وحدة الجنس البشري.
مؤكدا بأن عالمية الإسلام لا تتعارض مع مبدأ الحوار وإنما تتفق معه بكل جوانبها، لأنها تعنى الأعتراف بواقع الأديان والحضارات والثقافات الأخرى ولأنها تمهد الطرق للتعاون بين بني البشر وفق معطيات التفاعل الحضاري، دون أن يفرض طرق ثقافته ومعتقداته على الطرف الآخر، فهو بذلك حوار يحفظ للشعوب هويتها وخصوصيتها الثقافية و يمنع الصدام والتناحر والعدوان، كما يوصي البحث إلى فتح باب الحوار بين أهل الأديان والفلسفات بشرط الاعتراف بخصوصية كل طرف، على أن يقوم الحوار على العدل والمساواة والتسامح لا على الهيمنة والإقصاء بالآخر.
منوها إلى ن هذا المنهج ما يعتمده الإسلام في حواره مع الآخر كما ذكرنا في صلب البحث عدا ذلك فإن حتمية الكارثة والدمار لاحقة بالإنسانية لا محالة.
فإذا أردنا للحوار أن يحقق أهدافه المرجوة فلابد أن يرتبط بمجموعة من الآداب الفاضلة والأخلاق النبيلة وإلا كان حواراً سالباً غالباً لا يصل إلى النتائج المتوقعة.

إلى الأعلى