الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هذا المَسْخ لشخصية الإنسان العربي!

هذا المَسْخ لشخصية الإنسان العربي!

جواد البشيتي

”اعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَه مُفْرِطًا مُفَرِّطًا في كل أمْرٍ؛ فـ»الحَبَّة» يراها (ويريد لكَ أنْ تراه معه) في حجم «قُبَّة»؛ و»القُبَّة» يراها «حَبَّة»؛ ومع ذلك، تراه يَفْخَر دائمًا ويَعْتَز بانتمائه إلى «أُمَّةٍ وَسَط»، وبـ»الوسطية» و»الاعتدال» في كل شيء؛ أمَّا «الواقع» المُلوَّن بألوان «قوس قُزَح»، وبما يأتي به امتزاجها من ألوان، فلا يرى منه، أيْ من ألوانه، إلاَّ لونين اثنين لا غير: «الأبيض» و»الأسود».”

كان الله في عون الضعفاء من البشر؛ وأعني بـ»الضعفاء» كل إنسان «استضعفه» الأقوياء، أي جعلوه ضعيفًا، وأمعنوا في إضعافه؛ لأن قوَّتهم من ضعفه، وإضعافه؛ فالإنسان لا يُوْلَد ضعيفا (بالمعنى الاجتماعي والاقتصادي .. والسياسي للضعف) وإنَّما يُصْبِح ضعيفًا. إنَّ ظروف عيشه التي وَجَدَ نفسه فيها، ولم يُرِدْها أو يخترها أو يرغب فيها، هي التي تجعله ضعيفًا، وتجعل للأقوياء سلطانًا عليه، مع أن تغييره لها بما يجعلها أفضل له، أو أقل سوءًا، ليس بالأمر المتعذَّر أو المستحيل.

هؤلاء المستضعفون، الذين يَجِدون العدم خيرًا من الوجود، ليسوا بحاجة إلى أنْ يقيِّدوا سلوكهم وتصرُّفهم وموقفهم وقولهم وفعلهم بالقيود المصنوعة من ذَهَب القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية، فإنَّهم (إلَّا ما شذَّ منهم ونَدَر) يصارِعون من أجل البقاء بأسلحة بعضها من قبيل التفريط في أشياء يكفي أنْ يُفرِّط فيها أي إنسان حتى يَفْقِد إنسانيته، أو آدميته؛ فإنَّها الخرافة بعينها أن تتوقَّع ازدهارًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا لمجتمع عَمَّه الفقر بشروره كافة.
فيما يخصُّ هؤلاء البشر ليس في وسعي إلاَّ أنْ أقول ما قلت، أي كان الله في عونهم؛ لكن ثمَّة بشر، وفي مجتمعاتنا، يُشْبِهون أولئك، لجهة خواصهم الإنسانية والأخلاقية، مع أن ظروف عيشهم أفضل بكثير، وتسمح لهم بأنْ يحيوا حياتهم بكثير من الكرامة والكبرياء وعزَّة النفس.. والقوَّة بكل معانيها الإنسانية والأخلاقية. إنَّ هؤلاء المتخلِّقين بأخلاق العبيد، وهم ليسوا بعبيد لجهة ظروف عيشهم، يستحقُّون اللعنة والازدراء، وغير جديرين بأنْ تشفق عليهم، أو تَجِدَ لهم أعذارًا.
إنَّهم أُناس يُوْصَفون، عادةً، بأنَّهم «ضعاف النفوس»، وتستبدُّ بهم «ثقافة» مدارها قيم ومبادئ من قبيل «لا خلاص إلا الخلاص الفردي، فاسعَ فيه، وإيَّاكَ أن تسعى في الخلاص الجماعي»؛ «اسْعَ بخطب ودِّ رئيسكَ، وولي نعمتكَ، ولو بما يعود بالضرر على رفاقِك»؛ «داهِن ذوي السلطة، وجاهِد في سبيل الفوز برضاهم، فقد تصبح مثلهم».
وتُصَوَّر هذه «الثقافة» المنتشرة في مجتمعاتنا على أنَّها «الحِكَم» التي لا يستنكف عن الأخذ بها، والعمل بمقتضاها، إلا كل أخرق عديم الطموح، ارتضى العيش أبد الدهر بين الحُفَر. إنَّها ثقافة إنْ صَلُحَت لشيء فلا تصلح إلاَّ لخلق بشري تخلَّقوا بأخلاق العبد، أو أخلاق مالك العبيد.
لقد أذلَّوا ومسخوا شخصية الإنسان العربي مسخًا لا تقوى على الإتيان بمثله ساحرات الإغريق؛ وكما الشَّجَر يَدُلُّ عليه ثماره، نَسْتَدِلُّ على الإنسان العربي ببعضٍ مِمَّا تتَّسِم به بُنْيَتِه السَّيْكولوجيَّة (وسلوكه) من صفات وخصائص؛ فعندما تُحاوِر شخصًا، وتَنْتَقِد وجهة نظره في أمْرٍ ما، فَتَثور، من ثمَّ، ثائرته، ويَخْرُج عن طوره، ويتصرَّف كالموتور، أو كالذي انْتُهِكَ عرضه، فاعْلَم، عندئذٍ، أنَّه عربي، لا يميِّز «التطاول على كرامته» من «التطاول» على وجهة نظره، التي لو أمْعَن هو فيها النَّظر، متحلِّيًا بنزرٍ من الموضوعية، لاكتَشَف أنَّها ليست بِنْتًا له (أو لعقله) إلاَّ من طريق التَّبَنِّي؛ فهي إلى غيره (وإلى «الأجنبي» على الأرجح) تعود، في أصلها وجوهرها؛ وربَّما في جُلِّ «حجمها».
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَه مُفْرِطًا مُفَرِّطًا في كل أمْرٍ؛ فـ»الحَبَّة» يراها (ويريد لكَ أنْ تراه معه) في حجم «قُبَّة»؛ و»القُبَّة» يراها «حَبَّة»؛ ومع ذلك، تراه يَفْخَر دائمًا ويَعْتَز بانتمائه إلى «أُمَّةٍ وَسَط»، وبـ»الوسطية» و»الاعتدال» في كل شيء؛ أمَّا «الواقع» المُلوَّن بألوان «قوس قُزَح»، وبما يأتي به امتزاجها من ألوان، فلا يرى منه، أيْ من ألوانه، إلاَّ لونين اثنين لا غير: «الأبيض» و»الأسود»، الذي ليس بلونٍ، وإنْ وُصِفَ بأنَّه «سيِّد الألوان». إنَّه (في سلوكه، ومواقفه الواقعية والعملية) عَدُوٌّ لدود للمتنبِّي؛ ففي عينه تَعْظُم الصغائر، وتَصْغُر العظائم؛ فكيف له أنْ يَسْتَجيب، أو يُحْسِن الاستجابة، لتحدِّيات الحياة؟!
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَه يَسْتَنْفِد جهده ووقته في «صناعة الكلام»، التي هي صناعة عربية عريقة، مُتَّخِذًا التدليس اللغوي طريقًا إلى إثبات شيء واحد لا غير هو أنْ لا جديد تحت الشمس؛ فـ»الجديد» إنَّما هو نفسه «القديم»، لكنَّه لَبِسَ لبوسًا جديدًا فحسب؛ والقديم» هو الذي يتجدَّد في استمرار.
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَهُ شجرةً لا تَعْرِف من الانتماء إلاَّ إلى ما هو منها تحت التراب، أيْ الجذور؛ أمَّا انتماؤها إلى «الآفاق»، على رحبها واتِّساعها، فهو الشَّر المستطير؛ إنَّه لا ينحاز، ولا يتعصَّب، إلاَّ إلى ما لَمْ يَخْتَر، وما لَمْ يُرِدْ، كجِذْرِه في الدَّم والعِرْق؛ أمَّا ما اختاره، وأراده، هو بنفسه، من انتماء فكري (إذا ما اختار وأراد) فلا وزن له، ولا أهمية، عندما يُخْتَبَر، وزنًا وأهميةً، في الشَّدائد والمَلمَّات؛ ففي «الزَّمن الهادئ» هو يساري أو ماركسي أو ليبرالي أو ديمقراطي أو علماني..؛ لكنه ما أنْ تَقَع الواقعة حتى يرتدَّ إلى البغيض والكريه من كل انتماء.
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَهُ يُجالِس ويُكلِّم وليَّ نِعْمَتِه، أو وليَّ أمْره، كما وَقَف موسى بين يديِّ مَنْ له ملكوت السماوات والأرض، وكلَّم هذا العزيز الجبَّار المتكبِّر المهيمِن..؛ وإذا ما رأيْتَهُ يُعامِل مرؤوسيه، أو مَنْ هُم أقل منزلةً ومكانةً منه، كما يُعامِل السيِّد أقنانه؛ فهو «الحَمَل الوديع» في حَضْرة «الأقوياء»، وهو «الأسد» الزئير على «الضُّعفاء» و»المُسْتَضْعَفين».
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَ ظاهره غير باطنه، وباطنه غير ظاهره؛ وإذا ما رأيْتَ بين قوله وفعله هُوَّة سحيقة؛ وإذا ما شَقَّ عليكَ تمييز «وعده» من «رعدةٍ في سماء صافية الأديم»؛ فلا شيء يَسْتَرْخِصه كـ»الكلمة»، ولا شيء يَسْتَغْليه كـ»الالتزام». إنَّه سَخيُّ «اللسان»، بخيل «اليد».
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَهُ مُسْتَهْلِكًا (مُفْرِطًا في الاستهلاك، ولا يجيده) لكل ما يُنْتِجه غيره من مادةٍ وفكرٍ؛ فإذا أنْتَج فلا يُنْتِج إلاَّ ما لا يلبِّي حاجة لدى إنسان القرن الحادي والعشرين.
واعلَم أنَّه عربي إذا ما رأيْتَه يَنْسِب كل ما حلَّ به من مصائب وكوارث، وكل فَشَلٍ وإخفاق انتهى إليه عمله ومسعاه، إلى «القضاء والقدر»، أو إلى غير يديه، وكأنَّه لا يَنْضَح إلاَّ بالنجاح، وبخير الأمور؛ يُعظِّم شأنه إذا ما نجح، ويُحَمِّل «القضاء والقدر» مسؤولية فشله وإخفاقه؛ فمتى يتعلَّم العيش في «العالَم الواقعي»، وفي عالَم الموازين والمقاييس الواقعية، والذي فيه نرى الأشياء والناس والأفكار في أوزانها وحجومها الحقيقية؟!

إلى الأعلى