الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المعنى فـي اعتراف الفاتيكان واليونان بفلسطين

المعنى فـي اعتراف الفاتيكان واليونان بفلسطين

علي بدوان

جاء اعتراف الفاتيكان الكامل بالدولة الفلسطينية، خطوة كبرى على طريق تكريس حضور فلسطين على الخريطة السياسية والدولية، وذلك في سياق الاعترافات المتتالية للعديد من الدول الأوروبية ذات الوزن والحضور بالدولة الفلسطينية، وكان آخرها اعتراف اليونان بدولة فلسطين، وقد سبقها اعتراف فرنسا والسويد وأسبانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي.

اعتراف الفاتيكان بالدولة الفلسطينية له أكثر من معنى ومغزى سياسي، نظرًا لما تُمَثلُهُ الفاتيكان على المستوى الدولي، وعلى مستوى العالم المسيحي، حيث تَضَمَّنَ الاعتراف تفصيلات خاصة بوضع الكنيسة الكاثوليكية داخل فلسطين، وبالتالي في البعد القيمي والروحي للدولة الفلسطينية المنشودة التي ينتظر الفلسطينيون تجسيداتها المادية على الأرض في سياق كفاحهم اليومي المتواصل ضد الاحتلال التوسعي «الإسرائيلي الصهيوني».
إن اعتراف الفاتيكان بدولة فلسطين، سبقه بأيامٍ قليلة اعتراف اليونان بالدولة الفلسطينية، حيث قال الشعب اليوناني كلمته بهذا الشأن عبر قواه السياسية والحزبية التي طالبت البرلمان بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، بعد أن كان قال كلمته أيضًا قبل أشهرٍ قليلة بشأن الأزمة المالية والخلاف مع دول منطقة اليورو، حين صرخ الشعب اليوناني وبالصوت العالي: لا لشروط الاتحاد الأوروبي بشأن التعامل مع أزمات اليونان الاقتصادية. وقال أيضًا وبالصوت العالي: لا للسياسات الأوروبية الغربية للدول النافذة بالاتحاد بشأن أكثر من قضية ساخنة على المستوى الدولي.
الشعب اليوناني، عَبّرَ عن ذلك بطريقة ديمقراطية من خلال صندوق الاقتراع، بإقباله على المشاركة في الانتخابات بنسبةٍ مُتقدمة، متفاعلًا مع الحديث دون أن يكون مُتفرجًا عليه، وهو ما يعكس ثقافة مُتقدمة في هذا البلد من خلال وعي الناس لأهمية صندوق الانتخابات في تقرير المصائر والسياسات لحال البلد. فانتخب برلمانًا جديدًا، وبتركيبة سياسية جديدة، حيث فاز الحزب المُناصر لفلسطين وقضيتها وحصل على ما يفوق الـ(61%) من أصوات الناخبين، فتم تشكيل حكومة زعيم حزب (سيريزا) إليكسيس تسيبراس، بُعيد الانتخابات البرلمانية المُبكّرة لاختيار أعضاء البرلمان اليوناني والتي جرت في تموز/يوليو الماضي 2015.
الدرس البليغ الذي قدمه الشعب اليوناني في حينها وعبر صناديق الاقتراع، هو دفع الحكومة وعموم القوى والأحزاب للتعاطي مع الغالبية العظمى من عامة الشعب ومع القاع الاجتماعي وسماع صوته، وليس تجاهل رأي الناس والشارع بشأن القضايا السياسية والاقتصادية الكبرى وأزمات اليونان وعلاقاتها مع منطقة اليورو ورفضها لشروطها.
وعليه، وفي المسار ذاته من صراحة ووضوح موقف الشارع اليوناني، وتتويجًا لتلك الحالة التي أفرزت صعود القوى الجديدة في اليونان وحزب (سيريزا)، جاء الموقف المُتمم من خلال تبنى البرلمان اليوناني يوم الثاني والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2015 الجاري، قرارًا يدعو الحكومة للاعتراف بدولة فلسطين خلال جلسة خاصة عقدها البرلمان اليوناني بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حيث صوّت رئيس البرلمان (نيكوس فوتسيس) وكافة أحزاب البرلمان لصالح هذا القرار الذي يدعو الحكومة اليونانية إلى «اتخاذ الإجراءات المناسبة للاعتراف بدولة فلسطين، وتشجيع الجهود الدبلوماسية لإستئناف مباحثات السلام» في المنطقة. وجاء التصويت بعد أسبوع على قرار بهذا المعنى تم تبنيه بالإجماع من قبل لجنة الدفاع والخارجية في البرلمان اليوناني. واستتبعت اليونان الأمر بجعل اسم فلسطين رسميًّا في الوثائق اليونانية ليحل مكان «السلطة الفلسطينية» المُستخدم حتى الآن.
إن خطوة الفاتيكان الأخيرة، وخطوة اليونان التي سبقتها بقليل بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، تأتي بينما تبدو بعض دول الاتحاد الأوروبي أحيانًا مُنهكة، متثاقلة وضاجرة في خطواتها السياسية بشأن القضية الفلسطينية، والواقعة تحت محذور توسيع التصادم السياسي مع الولايات المتحدة، وتحت رتابه بيروقراطية القرار السياسي المُتفشية بين عدد من دوله المؤثره (والمقصود دول الاتحاد الأوروبي).
لكن مصدر التفاؤل الفلسطيني في الدور الأوربي القادم ينطلق أيضًا من كون دول الاتحاد الأوروبي بمثابة الامبراطورية الجذابة في التاريخ التي تعتمد ديمقراطية الإجماع، وليس بعمل احتلالي قمعي كما كان حال أوروبا الماضية، وعليه فإن المُتتبع لسير نبض السياسة الأوروبية يستطيع أن يقرر بأن أوروبا والدول الأساسية في الاتحاد الأوروبي تسير بخطوات تاريخية تحاول من خلالها التخلص من إرثها الاستعماري السلبي، على الرغم من وجود مساحة من التباين بين بعض دول الاتحاد، وبروز الحالتين الهولندية والبريطانية كحالتين نافرتين.
إن سعي الولايات المتحدة الدائم لتقزيم الدور الأوروبي كان وما زال واحدًا من الثوابت في السياسة الخارجية «الإسرائيلية» والأميركية القائمة على تحييد الأوربيين سياسيًّا في المنطقة، وتحجيم دورهم إلى دور الممول والعملاق الاقتصادي فقط دون أي فعل مؤثر بشأن تقرير المصير النهائي لعملية التسوية في الشرق الأوسط. وفي هذا المسار نستذكر تصريحات أميركية سابقة طالما تحدثت عن «أوروبا العجوز» وهي تصريحات كشفت في حينها الغطاء عن سياسة الولايات المتحدة بشأن الدور الأوروبي المتعلق بمسارات عملية التسوية في الشرق الأوسط منذ انطلاقتها نهاية العام 1991، فهي تريد أيضًا، كما قال المفكر الأميركي روبيرت كاجان «أن تطبخ الولايات المتحدة الطبخة، وأن تقوم أوروبا بغسل الأطباق، حيث انطلقت السياسة الأميركية في العقدين الأخيرين من القرن الماضي لتهميش دور أوروبا في المنطقة وإبقائها «قزمًا سياسيًّا» وبنفس الوقت «ممولًا عملاقًا» لموازنة السلطة الفلسطينية ولوكالة الأونروا.
ومع هذا، إن خطوتي الفاتيكان واليونان، وما سبقهما من خطوات مماثلة لعددٍ من دول الاتحاد الأوروبي، تبرز الدور المستقبلي المُمكن لدول الاتحاد الأوروبي بشأن المنطقة وأزماتها وفي تقرير مصائر التسوية في الشرق الأوسط، الذي يُشكِّلُ حال تطوره ونهوضه، لطمة قوية للسياسة «الإسرائيلية» والأميركية على حد سواء، ولكن هذا التطور في الموقف الأوروبي يحتاج لدور عربي رسمي مقابل، فرنين الجرس الأوروبي ينتظر التجاوب العربي، من أجل بناء علاقات مُتكافئة تقترب في مساحاتها مع مساحة العلاقات العربية الأميركية في أضيق الحالات.
مرحبًا بالاعترافات الأوروبية المتتالية بالدولة الفلسطينية، ومرحبًا بالجهود التي تُطلقها بعض دول الاتحاد الأوروبي لكسر الهيمنة الأميركية على مسارات العملية السياسية في الشرق الأوسط. وبالمقابل فإن على الفلسطينيين أن يحسموا العديد من قضاياهم الداخلية حتى يكسبوا الفوز في نضالهم الوطني، وأول تلك القضايا تأتي أهمية وضع حدٍّ للانقسام الداخلي وطي صفحاته السوداء.

إلى الأعلى