الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الانحرافات المركبة!!

الانحرافات المركبة!!

عادل سعد

”لقد ظهرت على السطح نماذج لا تحصى من تلك الانحرافات المركبة منذ أن خضع العراق إلى (برنامج النفط مقابل الغذاء) بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي منتصف التسعينيات من القرن الماضي وحتى منتصف عام 2003، وكيف أن العديد من المسؤولين عن تنفيذ البرنامج تحولوا إلى حيتان تجارية على حساب حقوق المواطنين العراقيين وفق تحقيقات قضائية عديدة.”

من الظواهر التي تستدعي التشخيص والمتابعة، بل الملاحقة الإعلامية للكشف عنها وفضحها خلال العام الجديد 2016، تلك الانحرافات التي أجدها مركبة تورط ويتورط بها ناشطون في مجالات الإغاثة المقدمة لضحايا الحروب والصدامات المسلحة وعموم الهاربين من مناطقهم، بعد أن ضاقت بهم السبل وسدت بوجوههم إمكانية العيش الآمن.
وأقول انحرافات هؤلاء الناشطين مركبة، لأنها تتحرك من خلال النوايا الفاسدة المزدوجة، وبذلك تتقدم درجة على الأنواع الأخرى من الفساد المتمثلة بالسطو على المال العام والإهمال والتقصير المتعمد والابتزاز والمحسوبية وغيرها.
لقد ظهرت على السطح نماذج لا تحصى من تلك الانحرافات المركبة منذ أن خضع العراق إلى (برنامج النفط مقابل الغذاء) بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي منتصف التسعينيات من القرن الماضي وحتى منتصف عام 2003، وكيف أن العديد من المسؤولين عن تنفيذ البرنامج تحولوا إلى حيتان تجارية على حساب حقوق المواطنين العراقيين وفق تحقيقات قضائية عديدة، كما اطلعت أيضا على نماذج أخرى من تلك الانحرافات التي تسربت فضائحها إلى وسائل الإعلام العالمية بشأن دعم ضحايا الزلزال البحري الذي ضرب إندونيسيا وأجزاء من الهند وسريلانكا عام 2004 وما رافقه من مد مائي (تسونامي)، وكيف أن المسؤولين الذين نفذوا برنامج الإغاثة لضحايا ذلك الزلزال الرهيب كانوا يتنقلون بين أرقى الفنادق، ويتناولون طعامهم في أفخم المطاعم، مستقطعين تلك الصرفيات المالية من المبالغ التي جمعتها الأمم المتحدة لهذا الغرض الإنساني النبيل.
وتوظيفا لما يشير إلى (أن القطط تفرح بعزاء أهلها).. لنا في العراق الآن تجربة مريرة في هذا الشأن أبطالها مسؤولون سياسيون، وقادة رأي لا يملون من التصريحات، إنهم نذروا أنفسهم لدعم النازحين والمهمشين والهاربين من جحيم الاجتياحات المسلحة، بل إن هؤلاء المسؤولين يتغنون ليل نهار عن نظافة أيديهم بالتوقيت والتوازي مع ملايين الدولارات المتسربة إلى جيوبهم. وتحضرني هنا سرقة فيها مفارقة مرة أساسها أن منظمة إنسانية عراقية محلية من تلك المنظمات التي يعج بها العراق طرحت برنامجا لدعم أصحاب الحاجات الخاصة (المعوقين) بتوفير كراسي متحركة للذين فقدوا أطرافهم من جراء الحروب والنزاعات المسلحة والتفجيرات، وهي كثيرة جدا وما زالت مستمرة، وقد استجاب فاعلو خير دوليون لهذه الخطوة وأرسلوا مبالغ لتغطية نفقات شراء تلك المقاعد، لكن الذي حصل أن المنظمة التي تكفلت إدارتها بالشراء أتمت الإجراءات ثم عادت وباعت عشرات من هذه المقاعد على الشركة التجارية التي وفرتها للمنظمة، وتبين أنها لم توزع سوى عدد قليل منها وأعادت تسويق الباقي، وهناك نماذج لا تحصى لمنظمات إنسانية من هذا النوع في سوريا ولبنان، وفي مناطق أخرى من العالم (تفيض) فسادا بأغطية المساعدات والإغاثة.
إن العالم أمام معضلة أخلاقية بامتياز يمثلها هذا النوع من الدجالين الذين لا يكتفون بسرقة حقوق الضحايا من الدعم، بل ويهولون الأوضاع في أوصاف مرعبة من أجل استجلاب المزيد من الأموال، وهكذا تتوسع دائرة السرقة التي أصبحوا خبراء فيها. ولي هنا أن أشير إلى أن كثرة اللصوص في ميدان الإغاثة تستدعي الاستعانة بنصيحة لا مفر منها تقوم على الضبط المتأتي من الاقتداء بالنماذج الشريفة، والإسراع بالمكاشفة مع أية معلومات تدين هؤلاء المتبضعين ماليا من حقوق الضحايا، وعدم الاستهانة بأية معلومات اتهامية.
المكاشفة هنا تمثل ائتمانًا للديون الأخلاقية التي من اللازم تسديدها.

إلى الأعلى