الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى : اقرأوا تصحوا

رؤى : اقرأوا تصحوا

على جدار مكتبة معبد الكرنك الذي شيده الفراعنة منذ آلاف السنين في مدينة الأقصر المصرية نقشت هذه العبارة : هنا علاج الروح ! إذ أدرك الإنسان القديم أهمية أن يقرأ الانسان لصحته، والبرديات الفرعونية تؤكد أن أطباء هذا الزمان استخدموا القراءة في علاج أمراض نفسية عديدة ، كهذا الذي يسمى بالمس الشيطاني، والذي كان يعالج في المكتبات الملحقة بالمعابد.
وحين بدأ تواصل الإغريق مع الحضارة الفرعونية لفت انتباههم إدراك الفراعنة لأهمية القراءة في حياة البشر، حتى أن الفيلسوف الكبير أفلاطون شرع يؤكد على أهمية القراءة في علاج الأمراض التي تلاحق الانسان.
وفي العصر الحديث وفي خضم ازدهار الأدب الروسي مع مطلع القرن العشرين أخضع العالم الروسي “نيقولاس روباكن” المنفعة الطبية للقراءة للنهج العلمي، حيث وضع في كتابه “البيليويوثيرابي .. علم نفس القراءة” الأسس العلمية لتسخير القراءة كعلاج، ويقول في كتابه هذا إن الكتاب ليس مجرد وعاء لنقل الأفكار، ولكنه وعاء يضع فيه القراء اسقاطات حياتهم، ذلك أن القارئ إنما يجسد ظواهره النفسية، طبقا للكتاب الذي يقرأه، وكل قارئ يفهم اسقاطاته حتى لو لم يفهم الكتاب نفسه.”
ومع الهجمة الشرسة للأمراض النفسية كالتوتر والقلق على الانسان المعاصر، وفشل مليارات الدولارات واليورو التي ينفقها الأوروبيون والأميركيون على المهدئات والمنومات في مواجهتها، يحاول الأطباء الانجليز الآن ضخ الحياة مجددا في هذا العلم المهمل على أمل إمكانية إلحاق الهزيمة بمكدرات الانسان من هذه الأمراض.
صحيفة الجارديان البريطانية في تقرير لها عن العلاج بالقراءة كشفت عن وجود 50 مصحة في بريطانيا تعالج نزلاءها عن طريق “علم نفس القراءة”، وتقول الصحيفة أن هناك مجموعات طبية متخصصة في هذا المجال، تستخدم الكتب كعلاج مساعد لبعض الأمراض النفسية والعصبية، وإعادة تأهيل المعاقين، وهي كتب من نوعية خاصة ومنتقاة بعناية.
وسلامة هذا النهج ـ استخدام القراءة في علاج أمراضنا النفسية، والارتقاء بمعنوياتنا، بل وعلاج بعض الأمراض العضوية التي تتكئ على أسباب نفسية ـ أكدته الدراسات العلمية الحديثة، فقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا الأميركية على عينة مكونة من 1800 شخص، يواظب نصفهم على قراءة القصص والروايات والمراجع المتخصصة بصفة منتظمة، في الوقت الذي يعزف النصف الآخر عن القراءة، أن الذين لا يقرأون يعانون من عدة أمراض مثل ضغط الدم والسكر والسمنة والقولون العصبي وقرحة المعدة والقلب بالإضافة إلى المتاعب النفسية المختلفة مثل القلق والتوتر وفصام الشخصية وغيرها. أما هؤلاء الذين يقرأون فقد كانوا أكثر صحة حيث انخفضت بينهم نسبة الإصابة بهذه الأمراض بصورة واضحة.
وحين خضعت العينة للفحص الطبي مرة أخرى بعد مرور عام اكتشف فريق البحث تدهور صحة المجموعة التي لا تقرأ مع احتفاظ أفراد المجموعة الثانية بأحوالهم الصحية الجيدة!
ومن خلال دراسة أجريت على 27 شخصا نشرت نتائجها في جورنال أوف سيكولوجيكال ساينس تبين أن القراءة لنشاط معين يشغل نفس الخلايا في المخ المسوؤلة عن القيام بهذا النشاط، فإذا قرأ المرء قصة علاء الدين والمصباح السحري، فهو بالاضافة لقراءته عن “التحسيس” على المصباح السحري، هو يقوم أيضا بالنشاط ذاته، ويقول فريق البحث الذي أشرف على الدراسة إن الناس الذين يقرأون عن إحراز هدف في مبارات كرة القدم يستجيبون لطلب ركل بأرجلهم أسرع من استجابته لطلب التربيت على الرأس.
هل يعني هذا أن الأطباء من الممكن أن يكتبوا في وصفاتهم الطبية لمرضاهم قراءة كتاب قبل الأكل أو بحث جاد بعد الأكل ؟ وهل يمكن أن تتضمن رفوف الصيدليات كتبا ؟
ولماذا التوجه إلى الطبيب أو الصيدلية ؟ علاجنا في كل مكان ورخيص للغاية، كتاب من مكتبة المدرسة أو الجامعة أو حتى المكتبة المجاورة لمنزلك بريال أو ريالين يغنيك عن الأطباء والصيدليات وكوارث الاكتئاب ومآسي القولون العصبي، المهم أن نقرأ، والفوائد هائلة ليس فقط على صحة الفرد، بل أيضا صحة المجتمع، حيث تسمو ملكة التذوق في الوجدان، وتزدهر المقدرة على التفكير السليم في العقل الجمعي، وترتقي نظرتنا إلى الحياة فنتعايش في محبة وتسامح، وننبذ العنف والقتل، والتاريخ الذي لا يكذب يقول لنا إن الذين ناوأوا الكتاب كانوا دوما همجا وقتلة وإرهابيين، فالتتار الذين أحرقوا مكتبة بغداد معروف عنهم تخلفهم ووحشيتهم، والنازيون الذي جمعوا آلاف الكتب في مايو 1933 وأحرقوها ساقوا البشرية إلى حرب مدمرة قتل فيها 60 مليون انسان، وإن كان ثمة فارقا بين التتار والنازي أن التتار لم يكن يدركوا أهمية الكتب، وربما سخر قوادهم من قاعات مكتبة بغداد المكتظة بآلاف الكتب، وتفتق ذهنهم عن فائدة لهذه الكتب أن يلقوا بها في نهر دجلة لتكون جسرا تمر عليها خيولهم إلى الشاطئ الآخر، أما الزعيم النازي هتلر فكان يدرك خطورة الكتب في كافة أنواع المعرفة والفنون على الفكر النازي العنصري، فقرر حرق الكتب وملاحقة الكتاب! لكن أعداء الحضارة الانسانية قد لا يكونون في حاجة إلى حرق الكتب لحرمان الناس من الثقافة الرفيعة، فقط عليهم ـ وكما يقول الأديب الأميركي الراحل رايموند دوغلاس برادبري ـ إيقاف الناس عن القراءة. لذا إن أردنا أن نلحق الهزيمة بأعداء الانسانية هؤلاء فعلينا أن نحفز البشر على القراءة !

محمد القصبي

إلى الأعلى