الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كلمات: بل قل إنك عربي وكفى !

كلمات: بل قل إنك عربي وكفى !

زهير ماجد

تتربع خارطة الوطن العربي في قلوبنا جميعا رغم مشاعرنا القطرية بانتماء كل منا الى قطر عربي له اسمه وعلمه وخارطته الخاصة وتعداده السكاني.
فأين الهروب من الجغرافيا التي صنعت تاريخا مشتركا، جغرافيا تطال فيها مساحة لاتقدر، اولها عند المحيط الاطلسي وآخرها عند الخليج العربي او العكس هو الصحيح.
جيلنا يبحث دائما في تلك التفاصيل، وعيه بدأ منها، فهل يكذب المرء وعيا تدرج الى ان اصبح معتقدا، فمن يقتلع المعتقد عندما يمتلك الاحاسيس والمشاعر والرؤى..
ان عيون التاريخ تظل مستيقظة كي لايتعثر المرء في خطوات مستقبله، فإن تعثر فمن مشكلة في نفسه.
هكذا تاريخنا حين تمت كتابته بأحرف احداثه، كل حرف ثمنه غال.
جيلنا لايريد للمواصفات القطرية ان تتحول الى قوة تجذر..
الخارطة العربية شهية الى درجة ان مجرد النظر اليها فيه حلاوة روح وعزة نفس وكبرياء..
هي عالم يعيش فينا مهما حاولنا التخلص منه..
الذين لايريدونه يعرفون معنى ان تقوم امة الى دور تكون فيه اولا موحدة، وكفى ان تبدأ المهمة بالأصعب كي تسهل كل التفاصيل الآخرى.
انا لا اشتهي السفر بين القارات بقدر رغبتي الجامحة في البقاء ضمن الخارطة الواحدة لعالمنا العربي لأني لا اعترف بأقطاره الا بما هي قادرة ان تصبح جزءا من وحدة شاملة.
حين تكلمت الدكتورة هدى نعمة عن ضرورة انشاء اي وحدة بين العرب من اجل مصالحهم، تيقنت انه مازال هنالك من يفكر بابعد من اللحظة، من الشكل القائم، من الاحساس القطري..
لابد من اعادة لم الشمل ونحن قادرون على ذلك، كما لابد من التفكير بالمستقبل، لاتصلح القطرية سوى لإثارة النزاع، انها وهم من يظنها من الثوابت..
مقبول التفكير بأنها تعبير عن واقع، لكن استمراره لن يدوم.
يقول هذا بانه مصري، وذاك سوري، وتلك سعودية، والرابع لبناني، والخامس عماني والبقية تأتي…
لكنني لا اكتشف فارقا في مايتكلم وفي طريقة كلامه..
انه يأكل من صحن اللغة التي آكل بها، يقاربني ذات الشعور، يفكر كما افكر، لا اقول شيئا عن الديانة فهي مهما اختلفت تظل تعبيرا عن جذور المنطقة واسسها.
عندما قامت الوحدة بين مصر وسوريا كنت طفلا، ماذا تطلبون من ابن عشر سنوات ان يطلق من افكار ساعة الحقيقة سوى الالتزام بالراية التي ارتفعت في القلب قبل ان تعلق على سارية، وفي العقل قبل ان تبلغ الكتب.
حلم جميل ليس الا، واقع نعيد رسمه كما كان، هكذا فهم صلاح الدين الايوبي، ومثله الظاهر بيبرس، وفي القرن العشرين فهم كثيرون جدوى وحدة مصر وسوريا كتجربة لها معنى عميق سيظل قائما حتى لو عاد الانفصال من جديد.
صحيح انه خلق ألما في النفوس، وان عبد الناصر اصيب بالسكري فور سماعه نبأ الانفصال، الا ان التجربة ناجحة حتى لو فشلت، مجرد العمل بها تطوير نوعي لمفهوم عظيم لابد ان يتكرر.
كلنا نبحث عن الوحدة حتى لو لم نفتش او نحمل فانوسا نتعقب به افكار البحث.
الوحدة في دمنا لأننا نملك كل خصائصها، فقط اولئك الذين لهم مصالحهم الخاصة في القطرية يظلون على غاياتهم، يحاربون كل تقارب، يهمسون أذان شعبهم ان معنى الوحدة هو الاستيلاء على مدخراته، وفي الحقيقة هي اضافة الى ماهو متوفر وموجود.
كنا نقرأ في الكتب عن التكامل العربي، مادة لابد ان يعرفها كل عربي من اي مكان..
حين كنت في موريتانيا، وهي في اقصى عالمنا الكبير وعلى شطوط الاطلسي، عرفت ان احزابا من المشرق غزتها، لماذا يكون الموريتاني مثلا ناصريا او بعثيا وكذلك اليمني، والبعث بدأ فكرة في سوريا ورائده مسيحي لم يعرف انه مسيحي الا بعد ان قيل له ماهي ديانته..
كانت عروبته اوسع بكثير، فأراد حزبا يصل به كل العرب دون استثناء، وفي لحظة ما من عمر المنطقة صار الناصري بعثيا، وصار البعثي ناصريا، لسبب واحد ان الحزبين ينادي كل منهما بالوحدة العربية، البند الاجمل في فكرهما..
بل اضيف اليهم حزب القومي العربي الذي من اسسه وحدة الأمة..
كل حزب يحمل في طياته تلك البذرة الصالحة للنمو مهما اختزنتها الارض، فهي التي تعيش وتكبر.
عندما ذهبت انا اللبناني الى سلطنة عمان لم اشعر بالغربة رغم المسافات التي تتجاوز الاربع ساعات بالطائرة..
وكلما زاد زمن اقامتي فيها، كنت التصق اكثر واتجذر..
فيما حين ذهبت يوما الى جزيرة قبرص التي لاتبعد عن لبنان سوى مائة كيلومتر اي ربع ساعة في الطائرة، شعرت بغربة شديدة، باحساس من لايملك شيئا، حتى الهواء كان قبرصيا هكذا شعرت، وكذلك الماء، والشجرة، عالم ليس لي فيه ادنى مشترك.
اما في سلطنة عمان، فكنت متوحدا فيما انا عشته وقادم منه..
ففي بلادي العربية تضاريس متنوعة تغلب عليها الصحراء التي هي جزء موجود في كل قطر..
اما الجبال فهي جغرافيا تسكن كل مكان عربي، تشمخ الى الاعالي لتدون اشكالا من الجماليات.
عشت في السلطنة على فرح وجودي في قطر عربي رغم كثرة الشعب الهندي الطيب الذي جاء للعمل ولم ار هنديا واحدا يجالس البطالة او ينتمي اليها.
كنت استمع للمحطات العمانية الاذاعية فاطرب للاغنيات العمانية كأنما هي واحدة من اسرار امتي، الموسيقى العمانية ساعدتني كثيرا على فهم اللحن العربي بأشكاله المختلفة وليس الخلافية.
لايوجد في عالمنا العربي من هو على خلاف مع الآخر العربي بقدر اختلافات في التربية والسلوك والعادات والتقاليد وكلها ممارسات بسيطة ينظر اليها مثلما ينظر الى البهار في الطعام.
ورغم وجودي اليوم في بيروت، العاصمة التي كانت قد ضمت الكثير من العرب ذات يوم لأسبابهم ولم يشعر اي منهم بانه خرج من قطره، فاني مازلت اتطلع في البعيد الى حيث تسكن السلطنة جغرافيا جزءا من عالمي..
انها لذة التنوع في المكان الواحد، كما هي لذة الاصغاء للحن المميز في الموسيقى الواحدة.
عندما انشدت صغيرا ” بلاد العرب اوطاني / من الشام لبغدان / ومن نجد الى يمن / الى مصر فتطوان ” عرفت ان هذا النشيد تعلمه جميع العرب، فلم اكن اتفوه به في اي قطر عربي الا وكان يتردد على الفور من افواه تسمعني.
أليس لذلك من معنى اعمق من ترداد كلمات يمكن لها مع كثرة الترداد ان تصبح بلا معنى او عادية في ابعادها.
كتب احد الكتاب الصحافيين اللبنانيين ذات مرة انه يريد وحدة عربية ولو بالقوة، فرد عليه صحافي آخر، بل نريدها بالتفاهم فهي أبقى.
كان مثل هذا الحوار يجري في زمن سريان الدماء الحارة لإقامة امة او مشروع امة.
عندما كان يصل عبد الناصر الى سوريا وهو المصري، كانت الدنيا كلها تهتز، بل وصل بالشعب السوري الى ان حمل سيارته ومشى بها..
جميلة تلك الايام لأنها كشفت عمق الانتماء والأصالة في شعبين ملا البعاد الذي فرض عليهما فاندمجا.
من المؤسف ان العالم كله يرضى بأية وحدة الا بالوحدة العربية، بتقارب اي شعوب، الا بتقارب العرب فيما بينهم..
كتب العرب آلاف الصفحات حول التكامل العربي وخصائص كل قطر عربي وغيره من الكتابات الوحدوية، لكن شيئا من هذا لم يحصل، حتى انهم انشأوا ذات مرة قوة عربية مشتركة، لكنها لم تكن موجودة بكل اسف ابان حرب العام 1967، فانهزمت الامة كلها، ولم تكن هزيمة لمصر وسوريا والاردن، كان النواح في كل قطر عربي، وحين استقال عبد الناصر خرجت الشعوب في كل اقطار العرب رافضة ومطالبة بعودته.
كان انبهارا ان يقول قائد كبير اني اتحمل مسؤولية الهزيمة، لكن الشعوب رفضت ابتعاده عن امل كانت تراه قريبا.
لم يحركها احد، عفويتها الصادقة كانت المحرك، خوفها على مستقبلها دفعها لأن تقول له عد الينا.
اصعب الاحاسيس في حياة المرء ان تخسر رمزا تعول عليه..
لايمكن للمرء في اي مكان في العالم ان يتمكن من العيش ان لم تكن له رموزه ومن يمثله ومن يتقدم عنه ومن يأمل له ومن يحرك التاريخ من اجله.
اعرف اني اكتب في لغة خشبية كما يسمونها اليوم، لكني لن اخون تاريخي وانتمائي، وافكاري، وما كبرت من اجله، بل ما سأموت من اجله ايضا.
رحلة العمر القصيرة رغم طول اقامتها في الارض، تفرض على المرء ان تكون له عناوين حياة، اذ لايجوز ان يظل بلا عناوين ولا مقدسات ولا معتقدات وحتى بلا انتماءات.
صورة الانسان على وجه البسيطة لها قيمها، انها امل ضد الفراغ الذي ملأ النفس والاحساس، وضد الوقوف كالمسمار في الخشب متفرجا على قضية مصيرية، فنحن في النهاية وكلنا بالاجماع شعب عربي واحد، نريد ان نعيش مثل بقية الأمم التي توحدت وليس من بينها جامع، فيما نحن تجمعنا كل التفاصيل التي تعني ضرورة الوصول الى الوحدة وتحقيق المبدأ التاريخي.
فلا امل لهذه الأمة المتعثرة التي تخابط يمنة ويسرة الا بالوحدة، ولا امل لها بان تتخلص من موبقاتها الا بمشروعها ذاك الذي نصر عليه اصرارنا على حقنا في الحياة.
سأظل اسمع ان هذا من قطر عربي اسمه كذا وذاك من آخر والثالث…
لكني اشتهي ان اصل يوما لاسمع من يقول لي اني من القطر الفلاني، وان تنمحي جوازات السفر فيما بيننا، وبالكاد نستعمل الهوية، وان تستثمر كل الاقطار ماتملكه الأمة من خامات فيما بينها، وان تتعايش بروح محبة الآخر…
من المؤسف ان كل ذلك سيظل حلما ان لم نستطع اقتلاع اسرائيل من المكان الذي تتبوأ فيه، فهي قامت كي نظل على مانحن عليه، بل هي اقيمت لتفتيتنا وتقسيمنا وشرذمتنا وابقائنا على غير وفاق.
اسرائيل المشكلة ورحيلها هو الحل لإشراق أمة من جديد.

إلى الأعلى