الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / السلطة الفلسطينية… وما لا يستغرب منها!

السلطة الفلسطينية… وما لا يستغرب منها!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

بمعنى أن الأوسلويين ما زالوا هم هم ولم يبدلوا تبديلا، ويصرون على أن يظلوا في حالة هروب دائم إلى الأمام، وباتجاه عناوين جربوها لمتاهات ضاعوا فيها وأضروا بالنضال الوطني لما ناف على العقدين، كالأمم المتحدة، أو “الشرعية الدولية”، وهم يعلمون أن نتنياهو لا يحفل، ولم يك ولن يكون غيره من القادة الصهاينة يحفل، بهذه الأمم ولا بهيئاتها ومقرراتها، ولا كل ما تدعى المواثيق والأعراف والقوانين الدولية، عندما تتعلق المسـألة بالقضية الفلسطينية.

في الآونة الأخيرة أقدمت السلطة الفلسطينية “سلطة اوسلوستان” على ما لا نستغربه عادةً منها، لكنه ربما لم يخطر ببال أكثر مشايعيها أو ممالئيها، وحتى نفترض أنه قد يخجلهم. إنه مسارعتها للتخلص مما رأتها زلةً ارتكبتها بالمبادرة الفورية لإزالتها، ذلك بشطبها لاسم الشهيد نشأت ملحم، بطل عملية تل أبيب الفدائية الأخيرة المعروفة من قائمة شهداء الانتفاضة الشعبية الراهنة، بعد أن كانت قد أوردته فيها… وزارة صحة هذه السلطة، التي يحسب لها أنها تدأب، وأولًا بأول، على توثيق الإعدامات الميدانية اليومية، التي ينفِّذها المحتلون بالفلسطينيين بذريعة الاشتباه، أو “ردًّا على الخطر الوشيك”، ونشر إحصاءاتها اليومية المتوالية لأعداد الجرحى والمصابين، بررت فعلتها المشينة بما هو أقبح منها، وكان على الوجه التالي: “إن توثيقها لأسماء الشهداء محدد في نطاق عملها الرسمي ومسؤوليتها بالضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة”، بمعنى أن الشهيد هو واحد من فلسطينيي المحتل من فلسطين العام 1948، أو ما تخلت عنه وعنهم ومعهم الشتات باعترافها بالكيان الغاصب واعتبار ما هي “مسؤولة عنه” محصور فيما تبقى من أراضٍ تُعد متنازعا عليها، وعليه فهي لا تجرؤ على مجرد ضم اسمه لقائمتها!!!
في مقالنا السابق قلنا إن الانتفاضة مستمرة لأن محرِّكها، الذي قلنا إنه لن يتوقف ولا بمقدور أحد أن يوقفه، هو التناقض الوجودي مع الاحتلال. لذا فإن عمل وزارة صحة السلطة التوثيقي هذا رائج هذه الأيام وسيظل إلى رواج. أما ما لا يستغرب من “اوسلوستان” واوسلوييها فهو متواتر ما ظلت ولن ينقطع ما بقيت، ومنه، أنه لم يعد بالجائز بعد نعتها بالسلطة البلا سلطة، كما كنا نفعل وينعتها به حتى رئيسها، في إشارة لقلة حيلتها وانعدام سلطتها في مواجهة الاحتلال، وهو انعدام سيظل قائمًا لأنه موضوعي، وبالتالي هو مفروغ منه ولا لبس فيه، وإنما نقول بعدم جوازه لأنها ما فتئت تمارس سلطتها دايتونيًّا على شعبها، وتثبت الآن جدارتها الوظيفية في محاصرة الانتفاضة، وقبله كبح جماح المقاومة في الضفة، وإجمالًا تعمل ما عليها في خدمة أمن الاحتلال.
قلة الحيلة وإثبات الجدارة هما، إلى جانب سجلِّها الحافل بالتنازلات، العاملان الوحيدان الضامنان لبقائها، أو إبقاء الاحتلال لها، وهذا الإبقاء في حد ذاته يعده الآن رئيسها “إنجازًا وطنيًّا” ويؤكد للفلسطينيين بأنه ما “لن نتخلى عنه”. هنا نأتي إلى جديد قائمة ما لا يستغرب، ومنه تخليه عن تهديداته السابقة بحل السلطة وتسليم مفاتيحها لنتنياهو، واستبدال تهديداته بتأكيداته على عدم تخليه عن الإمساك بهذه المفاتيح مهما صدئت. لعل السر في ذلك هو لاحق الإشارات الصهيونية المستدركة لزوبعة سابق الجدل الصهيوني حول احتمالات انهيارها، والتي تقول الآن بأنهم لن يسمحوا بحل السلطة، بل وتلميحهم، أو تهديدهم، على لسان يعلون بأنها لو حُلَّت، أو سُلِّمت مفاتيحها، فلن يعوزهم إيجاد من سيسلمونها له، وإن انهارت فلسوف يسارعون إلى إعادة بنائها، لأنها أولًا وأخيرًا حاجة صهيونية.. هذه الحاجة وحدها فحسب هي مبعث اطمئنان رئيس السلطة إلى بقاء “منجزه الوطني” الذي يجزم بأنهم لن “يحلموا” بانهياره!!!
وإذ يتوالى القمع والتقتيل والتهويد، وتتواصل الانتفاضة الشعبية النضالية، وتوالي السلطة تعاونها الأمني مع الاحتلال، ووزارة صحتها توثيقها اليومي لشهداء الإعدامات الميدانية اليومية، وإحصاء أعداد المستجد من الجرحى والمصابين، ويخبرنا نادي الأسير بأن عدد المعتقلين في حقبة ما بعد اندلاع الانتفاضة قد بلغ حتى الآن ثلاثة آلاف غالبيتهم قصرًا وأطفالًا، ومع هذا، ما زلنا نسمع رئيس السلطة يقول ويعيد كلامًا من مثل، “نحن سعداء بالعيش في دولتين…نريد أن نعيش إلى جانب إسرائيل بسلام”… بمعنى أن الأوسلويين ما زالوا هم هم ولم يبدلوا تبديلا، ويصرون على أن يظلوا في حالة هروب دائم إلى الأمام، وباتجاه عناوين جربوها لمتاهات ضاعوا فيها وأضروا بالنضال الوطني لما ناف على العقدين، كالأمم المتحدة، أو “الشرعية الدولية”، وهم يعلمون أن نتنياهو لا يحفل، ولم يك ولن يكون غيره من القادة الصهاينة يحفل، بهذه الأمم ولا بهيئاتها ومقرراتها، ولا كل ما تدعى المواثيق والأعراف والقوانين الدولية، عندما تتعلق المسـألة بالقضية الفلسطينية، لأنه إلى جانب مسوح العصمة التي خلعها الغرب على إسرائيله، فإن هذه “الشرعية الدولية”، ومنذ أن شرعنت اغتصاب فلسطين وحتى اللحظة، كل ما فعلته هو غض الطرف عن هذه الجريمة المشرعنة والمستمرة، والتستر المتواطئ عليها ببعض من القرارات التي كلها بقيت حبرًا على ورق.
…ويعلمون أن ما يدعونه بـ”المجتمع الدولي” هو الغرب المتصهين مختصرًا في الولايات المتحدة، التي لا تتعامل مع القضية الفلسطينية إلا باعتبارها وجع رأس ومصدر تهديد لأمن إسرائيلها. وإذ لا وزن اليوم للعرب لا دوليًّا ولا إقليميًّا بعد أن فقدوا بوصلتين هاديتين، هما، العروبة وفلسطين، وبات للفلسطينيين صهاينةً فتحوا الباب لتكاثر صهاينة العرب، فلا تعويل على أية مواقف دولية أو إقليمية لصالح القضية، أما “حل الدولتين السعيدتين”، فإن واهميه يدركون قبل سواهم أنه ليس واردًا في قاموس من الحل عندهم هو فيما يدعونه “أرض إسرائيل”، والمشكلة عندهم فحسب هي في كيف يتخلصون من فلسطينييها…لذا باتت “أوسلوستان” عندهم، كما هي عند أوسلوييها، إنجازًا لن يسمح الطرفان بانهياره…

إلى الأعلى