السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحرية

في الحرية

علي عقلة عرسان

ليس من العدل أن نختار، أو أن نُطالب بمحوِ كلمة حرية من قاموس الاستعمال، والتطلع، والوجود، ولا بأن نجعلها بحكم رابع المستحيلات: “الغول، والعنقاء، والخل الوفي”.. بل لا بدَّ من مقاربة منطقية، تجعلنا وتجعلها، في الوجود اليومي الحي، صنوًا للإنسان الحي.. وتلك مسؤولية ذات مدى أوسع من الفرد المصاب بها، أو المعني بها أكثر من سواه، ذاك لأنها مسؤولية الجميع، من حيث هي بيئة، ومناخ، ووسط يتحرك في الجميع..

المرءُ من قيد إلى قيد، مِن هو في المهد إلى أن يُوارى اللحد.. فلا يوجد حرية بالمعنى المطلق، أي ما يُعْرَف بالحرية الطبيعية، ولا توجد حرية بالمعنى المقيَّد، أي ما يُعْرَف بالحرية الوضعية، التي يتواضع عليها المجتمع ويصوغها في دساتير وقوانين.. إلخ، ولا حرية بالمعنى: المسؤول، المعقول، المقبول، المُقَرّ المَرْعيّ من شركاء في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، في الحقوق والواجبات، في المكتسبات والتبعات.. لهم جميعًا مصلحة في الحرية، وفق مفهوم معلوم موحد ومتفق عليه.. حيث الواقع أن كل شريك في صياغة ما، وممارسة ما “للحرية” في جماعة، أو مجتمع، أو شعب، أو دولة، أم تجمعات شعوب ودول، يركل غيره، وينتقص من حريته على نحو ما، وكل ينهش الآخر بصورة ما، فتسود حالة عدوان ورد فعل على العدوان، يقيمها ويديمها طبعٌ وتطبُّع، وطموح وطمع، وغطرسة تتجاوز حد الجشع.. في بيئة بشرية تنمو عشوائيًّا في حالات كثيرة. وهنا، الحرية كما في الغابة: وحشية القوة، وتوحش الإنسان، في حركة قويٍّ يأكل الضعيف، وضعيف يتقاوى على القوي، وحياة لحمتها وسداها العنف ورد الفعل على العنف.. ابتداء من الخوف إلى التلاشي في جوف!؟
وتكاد تتلخص الحرية في المجتمع، بـ”كائن في ظل الطغيان”، لا سيما في سطوة الاستبداد السياسي، والاستعباد الاقتصادي، والغلوِّ بأشكاله وأنواعه: “الأيديولوجي والحزبي، القومي والديني، المذهبي والطائفي، التنظيمي والقبيلي”.. وبشفرة سيف على الفكر والعنق، بين ثوابت بيئة اجتماعية ومتحولاتها. والحرية على هذا النحو، وفي هذا المناخ، وما يخفى بين القوادم واللواحق فيه، تكاد تكون ظلال وجود، أو منعدِمة الوجود، ومما يَنشر ريح العدَم، أو يتنفسها وهي تضعف الوجود أو تشكل وباءه. وحين تبحث عن الحرية، أو عن حرية، في ظل التَّغول الفردي والاجتماعي، السياسي والاقتصادي، العسكري والأمني، التديّني والعلماني، اليساري واليميني .. إلى آخر هذه الثُّنائيات.. تجد أنها ليست أكثر من قيود وتوعدات ووعود، في مسيرة بشرية مضنية، عبر بيداء بعد بيداء، يتلألأ فيهها السراب، فيغري آنًا إلى الحد الذي يجعل ذا الطَّموح ذا الأمل الفضفاض، يريق ما في “قِرْبَتِهِ”من ماء، اقتناعًا منه بدنوٍّ عذب من الماء، حيث يصدُق فيه قول الحارث بن ظالمٍ المُريِّ، صاحب السيف الموصوف “بِذِي الحَيَّات”:
سَفِهْنًا باتِّبَاع بَني بَغيضٍ وتركِ الأقربينَ بنا انتِسابا
سَفَاهَةَ فارطٍ لمَّا تَرَوّى هَراقَ الماءَ واتَّبَع السَّرابا
والحرية عندَ من يرى الحريةَ امتدادًا بلا ضفاف، لفضائه وقدرته وقضائه: ظلمٌ للآخر واستباحة له، تدعوه إلى الرد على الظلم والاستباحة، بما يدفعهما، أو يضعهما في صدور الآخرين، أو تجبره على الخنوع والركوع وفي جوفه لظى تتحيَّن أن تقذف فتحرق، أو تزيِّن له الهرب من دوائر الوجود المستظل بالبطش والظلم، والتخلي عن حقوقه وبعض ذاته. وممارسة الحرية، بصورة من الصور، أو بمعنى من المعاني، في كثير من البلدان، والمواقع التي يتكاثر فيها الناس: فوضى تصرفات، وفُشُّ جهالة، واندلاق نزوات وشهوات وتطاولات، حيث تفرض ذاتٌ مريضةٌ متورِّمة نفسها على غيرها من الذوات، بطرق شتّى، ملغيةً من يُقابلها، كلًّا أو جزءًا.. وكل ذلك يشعل النفس بناره، أو يجعلها تشعل بالآخرين النار.. فيندفع الأحياء كل في الاتجاه الذي يُدْفَعُ إليه أو يراه مخرجًا فيندفع فيه.. وندفع كلنا ثمن الحرية: إمَّا بصورة فردية أو جماعية، شعبية أو رسمية، وطنية أو دولية.. إلخ، وفي الحالات جميعًا يكون في أول ما ندفعه ثمنًا للحرية، الحرية ذاتها، الدم والدم، أي الحياة، وما الحرية سوى حياة، بحكم أن الحياة حريّة، فنفقدها ونحن نبحث عنها، أو نقاتل من أجلها، وتكون هي بعض ما ندفعه ثمنًا في كثير من الحالات، حيث الحياة حرية، والحرية حياة.
ولأن الحرية حياة بمعنى من المعاني، أو لأنها من الأهمية بحيث تكوِّن جوهر الحياة.. فإن المرء يسعى إليها، ويتشبث بها، ويضحي من أجلها.. ويرفض نقيضها “العبودية”، لأن في العبودية انتقاصًا لكل معاني الوجود والكرامة والحياة. فلا بُدَّ إذن من حلول، وطرق، وخيارات، وتوافقات.. تبقي على الحياة بحرية، في إطار الشراكة البشرية في الوجود والمصير، والحقوق والواجبات، والمكوِّنات الرئيسة لكل شخص، في إطار تكوين يشترك فيه الناس كافة، وراحة يتطلعون إليها كافة.
وما دام الحال، “الواقع المعيش”، بهذا الاكتظاظ من المتناقضات، وبهذه الشدة من الضرورات والاحتياجات والتطلُّعات، فلا بدّ من البحث عن حلول، أو بدائل، أو عن.. عن.. ماذا، غير الحرية بمعنى مسؤولٍ، معقولٍ، مقبول؟!
ليس من العدل أن نختار، أو أن نُطالب بمحوِ كلمة حرية من قاموس الاستعمال، والتطلع، والوجود، ولا بأن نجعلها بحكم رابع المستحيلات: “الغول، والعنقاء، والخل الوفي”.. بل لا بدَّ من مقاربة منطقية، تجعلنا وتجعلها، في الوجود اليومي الحي، صنوًا للإنسان الحي.. وتلك مسؤولية ذات مدى أوسع من الفرد المصاب بها، أو المعني بها أكثر من سواه، ذاك لأنها مسؤولية الجميع، من حيث هي بيئة، ومناخ، ووسط يتحرك في الجميع، ومن ثمَّ فسلامته من مسؤولية الجميع.. هذا وإلا فلا تقل حرية إذن، بالمطلق العام، ولا حين تحتاج إلى من يناصرك عندما تُسْتَهدف في حريتك بصورة خاصة.. وابحث عن مصطلحات أخرى، أو مفاهيم أخرى لها، تجعلها نائية، أو مثلومة، أو بين مجهولة ومعلومة.. أو احلم حُلم يقظة، يجُبُّ أحلام المنام، وحدد هدفًا آخر تجعله محورًا لفكرك وحركتك وقدرتك، وتدبيرك.. والأفضل لك ولسواك أن تنصرها، وأن تجعلها ماثلة في الحياة، لك ولسواك. وإذا اخترت أن تتخلى عن العام، لا سيما في هذا المجال، وأن تختار اختيارًا قد يكون “حربائيًّا”، فحاذر أن يكون مرقَاك مرقىً حلزونيًّا، تزحف في استداراته اللامحدودة، ثم تفضي، أو يفضي بك، إلى انزلاق بعد انزلاق، ومن ثمَّ إلى سقوط.. حيث تعود إلى النقطة التي بدأت منها الصعود نحو أفق غير محدد، قد يكون المحدود بما لا يزيد عن أُخدود.. وحيث يكون سقوطك ذاك من دون مسوِّغات: فلا تحديات، ولا مُغريات، ولا عقوبات سيزيفية على بطولات، بل اندفاعات وانتحاءات تدفعك هُويًّا.. فأنت الذي اخترت فسقطت، ولم تكن سقطتك تلك عقوبة من نوع ما، وإنما هي الخسران المبين، حين ظننت، أو صدَّقت بأن الآخرين جحيمًا، فاخترت الانفراد بدرب وزدٍ ومزادٍ.. متناسيًا حقائق قال بها من خبرها فقال:
ولو أنِّي حُبيتُ الخـلدَ فـردًا لما أحببتُ بالخلدِ انفــرادَا
فلا هَطَلت عليّ ولا بـأرضي سـحائبُ ليس تنتظمُ البـلادَا
ابحث عن مفهوم جديد للحرية، إن استطعت، ابحث عن مفهوم للتحدّي، للنجاح.. وعن تسويغ للعلْقم الذي تتجرعه في الحياة مع طعامك وشرابك، ومع غصَّاتك كل يومٍ بِرِيقك.. وكن على بيِّنة من: “مَن أنت”، وممَّن أنت، وماذا تريد أنت، ومَن تكون أنت؟! وابحث عن حقيقة أنّ عذابك لا يعذَّبه أحد سواك، وأنه لا يدخل في باب العقوبة كنتيجة للتمرد على الطغيان والظلم والقوة الغاشمة، شأن سيزيف الأسطورة، أو أسطورة سيزيف.. إن كنت من الهاربين، ولا هو مما يدخل في باب النهوض بعد السقوط، أو الانبعاث من الرماد بعد كل احتراق، شأن الفينيق؛ إنما هو زحف بين الحُفَر، لذي مصير مكبل بسلاسل وأغلال، بعضها من صنع نفسه، وبعضها من صنع سواه، وبعضها من صنع الله الذي لا يُحْمَدُ على مكروه سواه.. زحف كائن يطول عذابه ما طال بقاؤه.
تلك مأساوية من نوع ما، تشاؤمية من صِنفٍ ما، لكنما هي حقيقة الحياة، أو حقيقة بعض الناس في الحياة.. عند إمعان النظر، واستخلاص بعض العِبر، من شقاء يلفُّ كثيرين من بني البشر، يلوبون في الدروب، بين كاربٍ ومكروب، ناهبٍ ومنهوب، ومستلِبٍ ومسلوب.. مدى ما بين المهد واللحد. والحياة قد يملأ كهوفَها الكثيرة والكبيرة، وهمٌ يضخّمه الطموح، أو طموح يَسْتحلِب الوهمَ ويُغذيه وينميه إلى الحد الذي يحسب معه المرؤ أنه بالغٌ ما طلب، وآدٌ إلى الأبد.. فلا تقل إني فاعلٌ ذاك غذًا، إلا أن يشاء الله.. وفي قول بعض القدماء، بعد قول الله سبحانه.. نفعٌ، ومتعةٌ، ولذة ثمر تجربة وعقل، حيث قال أحدهم، وهو المثَقِّبُ العبديّ، عائذ الله بن محصن:
لا تقولنَّ إذا ما لم تُرِدْ أن تُتِمَّ الوعدَ في شيءٍ “نعَمْ”
حَسنٌ قول “نَعَم”من بعد “لا”وقبيحٌ قول “لا”بعد “نَعَمْ”
إنَّ “لا”بعد “نعم”فاحشةٌ فبـ”لا” فابدأ إذا خِفتَ النَّدمْ
فإذا قلتَ “نعم” فاصبر لها بنجاحِ القول، إنَّ الخُلْفَ ذَمّْ
واعلم ان الذَّمَّ نقصٌ للفتى ومتى لا يتقي الذَّمَّ يُذَمّْ
والحياة قد يكون لها نغمٌ شجيّ، ورقصٌ في ريعان الصِّبا، على إيقاع نسيم الصَّبا، ذاك الذي يداعب الروح مداعبة الأحلام للكواعب، في مستهَلِّ دَرْجِهِنَّ في الملاعب، ملاعب الحب والحياة بوهم الحرية وربما السعادة.. لكن الحياة مثلها مثل كائن:”مأساةٌ بزهوِ الشعاع، أو ملهاة بطعم الهزيمة والموت”.. نحن فيها نذوي بين طرَبٍ وطرَب، والطرب عند العرب يُقال للفرح والحزن معًا، ونحن فيها نَصْفَرَّ، ونَفسُد، ونتلَف.. ثم نندرج في عصفٍ مأكول، أو فيما يحمله سيل من السيول:غثاء يلقيه مجهول إلى مجهول؟!
لكن لا معدى لنا عن خيارات في الحياة، ومنها خيار الحرية، التي لانملك إلا أن نكون منها وتكون منا، وفق مقدار ومعيار. والحرية ذات أبعاد وآفاق، وقد تكون الهدى الذي يقود إلى الخير والراحة، وقد تكون الغِيّ حيث لا راحة ولا رشد ولا خير، فالمرء لا يتحكم بكل شيء يريده، أن يأتي كما يرد، وأمره كما قال الشاعر:
وما أدري إذا يَمَّمْتُ أمرًا أريد الخيرَ أيهما يَلِيني
أألخيرُ الذي أنا أبتغيهِ أم الشرُّ الذي هو يبتغيني
ولكن فلنقبل من الحرية، ما عرفها ذاك الصوفي، من القرن الرابع الهجري، حيث قال: “الحرية: أن تكون لله عبدًا ولكل مَن دونه نِدًّا”.
والله ولي التوفيق.

إلى الأعلى