الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “الأقوى” لمحمد زفزاف : الرؤية السردية لواقع مطارد

“الأقوى” لمحمد زفزاف : الرؤية السردية لواقع مطارد

استأثرت قصص محمد زفزاف (1945- 2001) ورواياته بعناية النقاد، والدارسين، والباحثين في شئون الأدب الحديث، فقد تناولها كثيرون، منهم محمد برادة، وأحمد المديني، وحسن بحراوي، وإبراهيم الخطيب، ومحمد المعتصم، ومحمد عز الدين التازي، وإدريس الخوري، وإدريس الناقوري، والمهدي خريِّف، وأحمد بوزفور، وصدوق نور الدين، والمهدي الودغيري، وأحمد اليابوري، وعبد الكبير الخطيبي، ونجيب العوفي، وعبد الرحيم مودن، فضلا عن كاتب هذه الدراسة.
وعلى الرغم من أنّ زفزاف بدأ حياته الأدبية شاعرًا، ثم قاصًا، إلا أنه تنقل بين الرواية والقصة القصيرة.
فحفلت قائمة إصداراته الإبداعية بعناوين تنتمي إلى هذين النوعين الأدبيين.
ففي الرواية صدرت له: المرأة والوردة 1972، وأرصفة وجدران 1974، والحي الخلفي، وقبور في الماء 1978، والأفعى والبحر 1979، وبيضة الديك 1984 ومحاولة عيش 1985 والثعلب الذي يظهر ويختفي 1989، وبائعة الورد، وغيرها.
وصدرت له في القصة القصيرة المجموعات: حوار في ليل متأخر 1970 وبيوت واطئة 1977 والأقوى 1978 والشجرة المقدسة 1980 وغجر في الغابة 1982 وملك الجن 1988 وملاك أبيض 1988 ومجموعة العربة 1993.
وأيا ما يكن الأمر فإن رواياته، وفقا لما تشير إليه بعض الدراسات، تؤكد، في شيء غير قليل من التحفظ، تجذره العميق في القصة القصيرة، ذلك لأن رواياته في معظمها قريبة من القصة القصيرة؛ فهي في أكثر الأحوال، يصدق عليها القول المأثور أكبر من قصة، وأقل من رواية، وذلك ما يضفي عليها من حيث التجنيس اسم النوفيلا novelette الذي نجد له في الأدب الغربي أمثلة كثيرة، من أكثرها وضوحًا قصة الشيخ والبحر The Old man And The sea لهمنجواي.
وفي هذه الدراسة القصيرة نود الوقوف إزاء المجموعة الموسومة بعنوان ” الأقوى ” لسببيْن، أولهما أن الدراسات التي توافرت بين يدي قلما تلتفت إليها، فباستثناء دراسة قديمة لأحمد بوزفور، لم نجد ما يمكن له أن يطفئ ظمأ الباحث.
وثانيهما هو كون المجموعة تعبر تعبيرا فنيا قوياً عن ” هوة البؤس التي كانت تتردى فيها حقوق الإنسان المغربي في سبعينات القرن المنصرم، فضلا عما توحي به لغتها من موضوعيّةٍ، وصدقٍ، مذهلين.
فمن الأمور اللافتة للنظر في قصص ” الأقوى ” تلك الإشارات العابرة التي تبدو غير مقصودة لذاتها، ومع ذلك فهي تحمل الكثير من المعاني التي تشير لمغزى الحكاية في النص، وما جرى من أجله التخييل السردي.
ففي مستهل القصة الموسومة بعنوان ” الرجال والبغال ” التي تعود بنا إلى زمن المقاومة، والثورة على المستعمر، الذي لم يكن ليجد حرجا في سوق الشبان اليافعين من القرى مع الحمير والبغال ليحملوا عليها السلاح، وينقلوه من مكانه إلى أمكنة أخرى، وليقوموا بأنفسهم بالهجوم على ثوار القبائل من المقاومين.
وفي الأثناء يطلبُ منهم (العسكري) الأجنبي أن يضعوا أيديهم فوق رؤوسهم، وألا يحاولوا أن يحدثوا ضجَّة بأحذيتهم على الأرض.
ويعلق الراوي، وهو أحد الشبان الذين سيقوا للقيام بهذا الفعل المشين، قائلا ” إلا أنهم كانوا مخطئين حدَّ التفاهة.
إذ لم تكن لدينا أحذية.
فحتى البلاغي لا نضعها ” وحين ضربه العسكري بعقب البندقية عقابًا له على ما يفكر به، قائلا ” إياك أن تفعل ” يُعقّب ” أحنيت رأسي، وأنا تحتَ ثقل النوم،لأرى فيما إذا كنتُ أملكُ حذاءً حقا..”
ففي هذا المشهد السرْدي ـ الحواري، في آن، يجري تشخيص الوضع غير الإنساني لهؤلاء الفتيان، فهم علاوة على أنهم حفاة، ويساقون مكرهين للقيام بعمل لا يرضون عنه، بل يعد خيانة للوطن، هم أيضا تحصى أنفاسهم، ويمنعون حتى من التفكير في كل ما من شأنه أن يخالفَ إرادة العسكر الذين يسوسونهم مثلما يُساسُ القطيع.
ومثل هذه الإشارة التي قد لا يريد الكاتبُ بها ما نذهب إليه من توضيح، تتجاوز بالمتلقي غرض القصة الرئيس، وهو ثورة القبائل، وحرص الأجانب المستعمرين على قمع الثورة، لا بأيديهم فحسب، بل بأيدي ابناء البلد، الذين كانوا يساقون إلى تلك الحرب بالسلاسل، شأنهم في ذلك شأن البغال والحمير.
ومع ذلك لا يأمنون من أنْ يُنعتوا بالخونة، والخارجين على القانون، مع أنهم يذبحون، ويقتلون مثلما يذبح ثوار القبائل، ويقتلون.
أما في قصة “حمار الليل” فإن القدرة التي يتمتع بها محمد زفزاف جعلت من رغبة السكّيريْن بنسليمان وآيت موح إشكالا أمنيا لا بد أن يتدخل في شأنه البوليس.
ففي قول بنسليمان لرفيقه ” لا تستطيع تقدير مدى حسدي لأولئك الذين يشربون في البارات الآن.
إنهم يستطيعون أن يَبْصقوا في وجه أيّ شرطي ” فالإشكال يبدأ من هنا، فالرجلان لهما موقفٌ من الشرطة التي تمنع الآخرين من الاستمتاع بلحظات يظنون أن فيها سعادةً لهُم، ومتعة قلَّ أن يجود بمثلها الزمن.
حتى النوم، الذي هو حق طبيعي لكل كائن حي، يحرم منه آيت موح، وبنسليمان، فليس لديهما مكان يستطيعان أن يمارسا فيه هذا الحق.
فكلٌّ منهما يتمنى لو كان له بيت.
إنهما باختصار شديد شريدان.
ومع ذلك يلاحقان هنا، ويعاقبان مثلما يعاقب الراوي في الرجال والبغال على ما يُفكر فيه تفكيرًا.
ففي منتصف القصة يحذر أحدهما الآخر، قائلا ” أتمنى ألا تداهمنا الشرطة هنا ” ويقولُ له الآخر سوف يكتشفوننا، وإنْ لم يفعل رجال الديوانه المستغرقون في النوم، فسيفعل ذلك المسافرون في القطار.
وما هي إلا لحظات حتى اكتشف بنسليمان ذراعين يمسكان به من الخلف ” هاتِ ورقة التعريف ” وحين يحاولُ الهرب، وعلى الرغم من أنه يتخطى السور، وحاجز الأسلاك الشائكة التي مزقت ملابسه، المهترئة، قافزًا إلى الناحية الأخرى، جوبه بثلاثة من الشرطة في ثيابٍ مُتشابهة، وقبعات مستديرة، وهم يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم، وقد وضع أحدهم يديْه على خاصرتيْه، مُفَرّجِّا ساقيه، في تحد للسكيريْن.
هكذا تبدو اللمحة السريعة التي أوحت بها القصة في بدايتها، وهي قول أحد السكيرين ” أعتقد أننا نستطيع أن نشربَ الآن بحرية ” ما هو إلا وهمٌ، تقدم ذكرهُ لأن القصة سوف تنتهي نهايةً أخرى، هي عكس ما يتوقعه الشريد آيت موح، الذي ظن أنهما في مكان آمن، ولن يضايقهما أيُّ شرطي.
فالشرطة في قصص زفزاف هاجسٌ مرعبٌ يلاحق الشخوص، ويتتبَّعهم حتى أدق التفاصيل من حياتهم، محصيًا لهمُ عليهم الأنفاس، فكيف يفلتُ هذان الشريدان من الشرطة وقد اعتادا السجن، حتى إنّ الحياة ـ في رأيهما ـ تبدو رتيبة، ومملَّة، بلا سجن.
وفي قصة ” العلبة والنجيمات ” يقول أحد الشريديْن: اليوم يعشيني فلان وغدا فرتلان.
وعندما لا يوجد في العالم خليل، أو جليل، فإنني أظل متعلقا بوهم العثور على فلان، أو على فرتلان..” فالشخصان في القصة فقدا كل شيء في الحياة إلا الأمل وهذه إشارة عابرة، ولمحة سريعة تنبئ عن أن القصة ستنتهي نهايةً أخرى.
فلا أمل لهما قطعًا.
فعندما حاولا الاقتراب من الفتيات الثلاث في الحديقة، اقتحم المكان شرطيٌ، ومعه رجل من القوات المساعدة غيرُ مسلح.
وما هي إلا دقائق حتى نسي الشرطي رزانته المفتعلة، وشرع يداعبُ إحدى الفتيات.
وقد حذا الآخر غير المسلح حذوَهُ.
وبدا السرور على الفتيات الثلاث، لا سيما بعد أن تجاوزت المداعباتُ طابعها البريء، حدث ذلك قبل أن يُداهم الجمع ضابط للشرطة يتبعه شرطيان بملابسَ رسمية، وبنجوم نحاسية تتلألأ على الأكتاف.
في تلك الأثناء توقفتِ الفتيات الثلاث عن الضحك، وتغيرت ملامح الشرطي، وهو يرى الضابط، وظهر عليه وعلى مساعده الانفعال، وكأنهما ضُبطا متلبسَيْن بجرم بشع.
وعندما سألهما الضابط:
- هل تعتقدان أنكما في ماخور؟ أجابه الشرطي:
- لقد وجدناهم بالفعل ـ يا سيدي ـ كما لو أنهم في ماخور.
هذه حديقة عمومية، وليست ماخورا.
وتنتهي القصة باعتقال الشريدين، خليل وصاحبه، وزج بهما في السيارة التي تقل المتلبِّسينَ نحو السجن.
فقد جرى إلصاق التصرف غير الأخلاقي في الحديقة العامة بالشريديْن، مع أن الشرطي، ومساعده، هما اللذان تصرفا في الحديقة تصرف داعريْن في ماخور، لا في مكان عام.
وقد ادعت الفتيات الثلاث أنهن لا يعرفن الشريدين، ولم يستمع الضابط لكلمة واحدة مما قالاه للدفاع عن نفسيْهما، فالشرطي يتواطأ مع الشرطي، والفتيات يتواطأن مع الشرطة ضد اثنين بريئين، لا حظ لديهما من متاع الحياة غير ذلك الذي تمثله علبة سردين واحدة، هي غداؤهما، وكسرة من الخبز.
وفي قصة “الحرف” وهو الاسم الذي عرف به أحد الشخوص الملاحقيين لأسبابٍ لم يصرح بها الراوي، وفي بدء الخبر يتخلص الحرف ـ بعد عناء ـ من أيدي الحرس، والقوات المساعدة.
وأما الضابط المسئول عن العملية، فيقول مُطمْئنًا: سوف يأتي، ويسلمنا نفسه غدا.
هل نهتم بمخبول؟ كل ما يهمنا هو أن نعرف من أين أتى بهذه الخيمة.
من اين له ” الفلوس” حتى يشتري مثلها.” وحكايته مع الحرس، والقوات المساعدة، سرعان ما تنتشر في القرية، وعلاقته بالهيبية الأجنبية ليست سرًا.
وعندما يطرق باب بائعة الهوى تتنافس عليه لكونه أصبح غنيا ” اقرع وبفلوسه ” مثلما تقول عنه العجوز التي تدير بيت الدعارة.
ولكنْ، ما إن تطمئن النساء له حتى يقرع الباب بعنف” بوليس افتحي يا ساقطة.” في الأثناء يتوجه الحرف إلى صندوق يقف فوقهُ، ثم يقذف بنفسه عن الحائط، ويولي الأدبار هاربًا، وبدلا من أن تلاحقه الشرطة تتركه وشأنه، مكتفية باعتقال النساء، والزج بهن في سيارة إلى جانب نساء أخريات ورجال آخرين، فشرطة الآداب تركت الحرف كونه سوف يتم القبض عليه عاجلا أو آجلا، ولهذا لا بد من أن يستغلوا الظرف، ويلقوا القبض على النساء، وهذا كاف في الوقت الراهن، فهنَّ في هذه الحال صيدُهم الثمين.
ففي كل الأحوال لا بد للشرطة من القبض على أحد أيًا كان.
وفي قصة ” العلبة والنجيمات ” يجري القبض على الشريدين، وفي قصة الحرف يجري القبض على النساء، وفي قصة “حمار الليل ” يجري القبض على السكيريْن.
يمثل حضور الشرطة، بما تعنيه من إجراء قمْعي، وتهديد بسلب الشخوص حريتهم الفردية، والزجّ بهم في المعتقلات، والزنازين، قاسمًا مشتركاً في معظم قصص مجموعة “الأقوى” وذلك لا ينسحب على القصص المذكورة حسب، ففي قصة ” خلف النافذة ” يبدأ القاص حكايته هذه بعبارة تلقي بظلالها على النص، وهي ” كانت سيارة الشرطة مرابطة في الجهة الأخرى من الشارع ” وهي بداية تثير ردود فعل لدى الزوجة (ك) التي تخشى من أن يؤثر الرعب الذي يجتاحها إلى التأثير على سلامة الجنين.
ومع ذلك، فإن الزوج (جـ) الذي هو الراوي، يحاول جاهدا طمأنة السيدة (ك) ” لا تخافي، فالأمر ليس على هذا الشكل من الخطورة” ومع ذلك لم تستطع العبارات، التي تفنَّنَ الزوج في صياغتها، تهدئة روْع الزوجة ” إني لا اثق بهم، هل الأمر يتعلق بمظاهرة الأمس؟ ” وبالنسبة للزوج فهو واثق من أن الأمر لا يتعدى السعي لاعتقاله هو، فاعتقاله ـ في ظنهم ـ سيؤدي إلى تخفيف حدّة المظاهرات العمالية والطلابية. ذلك كله لا يفلح في بث الشعور بالأمان لدى (ك) فهي دائبة الذهاب، والإياب، من .. وإلى المطبخ.
تنظر من النافذة لترى السيارة في قلق.
ويحاول (جـ) اللجوء لوسائل مصطنعة كي يشغل المرأة عن الخطر المحدق بهما، فيقوم بإدارة جهاز البيك ـ آب لتصدح الموسيقى، فتصيح به على الفوْر:
- هل جننت؟ إنهم سيسمعونك وتقول مستدركة:
- أرجوك، اخفضْ صوت البيك ـ آب.
وحين يطلب منها بإلحاح الذهاب للراحة في غرفة النوم، تأبى ذلك، وتواصل النظر من النافذة إلى سيارة الشرطة بقلق.
- إنهم لا يزالون هناك.
ويبلغ الخوف بهما ذروته عندما يسمعان دقا، وقرعا، على الباب، يشتد عنفه حينا، ويهدأ حينا آخر.
وعندما يتوقف تنظر الزوجة من النافذة إلى السيارة.
بدأ الشك يتسرب إليها، فقد يكونون أمام الباب، لأن عدد الرجال في السيارة تناقص، كانوا ستة، وهم الآن أقل.
جسدها يرتعش فيما الطرقات تزداد عنفا، وتخفت لثوان ..
ثم تعود من جديد وهذا الإيقاعُ المتكرر يحيل اللحظة الحرجة التي تمر بها السيدة (ك) إلى يأس، يجب أن ترحل غدًا، حتى تنتهي موجة الاضطرابات “وعلى نحو مباغت يسمعان صوت محرك السيارة وهي تغادر الجانب الآخر من الشارع، ومع ذلك، لا يزايل المرأة الإحساس القويُّ بالخوف، قالت ك:
- ” إنهم ينصرفون ..
لا شك في أنهم سيعودون في الليل، أو في الفجر ”
ومثل هذا التركيز على الدور الذي تقوم به الشرطة في إحباط الآخرين، سواء أكانوا مناضلين سياسيين، أو أناسًا مهمشين، مسحوقين، لا يجدون بيتا ينامون فيه، ولا طعاما يسد رمقهم، ولا مكانا يستطيعون فيه أن يمارسوا حريتهم، ولا ضوءا في نهاية النفق يشجعهم على الاستمرار في المسير، وتجاوز المحن، نقول: مثل هذا التركيز شغل محمد زفزاف كثيرا في مجموعته “الأقوى” مما يدعو للتأكيد على حقيقة تخفى على كثيرين، وهي أن هاجس الحرية، هو أحد الهواجس الرئيسة التي غلبت على الكاتب، ومنه تشكلت المادة الأساسية التي اشتقت منها رؤاه السردية للواقع.
فتجاوزات رجال الأمن، على الأمن، وانتهاكهم للقانون الذي هم حماته مثلما يُفْترض، هو المحور الرئيس في قصة أخرى بعنوان ” أوهام “. فعبد الكريم ومارتين، كلاهما، لا يفرقُ بين الواقع والوهم، فعندما تقول له دع الأوهام تستطعْ أن تتلافى ما فات، يقول لها: أنا لا أتشبثُ بالأوهام، ولكني لا أفرق أحيانا بينها وبين الحقيقة.
فقد جاءت نهاية القصة لتؤكد هذا، فعندما سمعا قرعًا شديدًا على الباب، وأطلت مارتين، وجدتْ رئيس الدركيين.
وَسُمع الجدال بين المرأة ورئيس الدركيين من غرفة النوم التي يقبع فيها عبد الكريم، وحيدًا.
كانت مارتين ترد على الدركي، قائلة ” هذا غير معقول.
فقد أراد الدركي المرأة لنفسه على الرغم من أنه سبق أن حاول ذلك مرارا، وصدته تكرارًا.
إلا أنه جاء ـ الآن ـ إلى منزلها، واتخذ من القانون سبيلا لتحقيق رغبته هذه في معاشرة مارتين.
لذلك وجه كلامه لعبد الكريم، قائلا:
- ” تفضل، خذ معك الزجاجة، أنتَ متَّهَمٌ بالسكر، والخيانة الزوجيّة.
ومارتين تصرخ:
- غير معقول..
إن هذا الدركي يريدني لنفسه..
لقد حاول مرارا.
لم أرَ مثل هذا أبدًا.
غير معقول.
غير معقول.
يا له من بلد غريب!
فهل ثمة دليل على موقف الكاتب من السلوك الوضيع الذي يعتمده بعض رجال الدرك في تطبيق القانون، أكثر دقة، وأقوى حجَّة، من هذا الدليل، الذي يؤكد ـ مرة أخرى ـ أن رجال الشرطة، وقوات الأمن، تتخذ من القانون وسيلة تسوغ به ما ترتكبه من جرائم أخلاقية، ومن انتهاكات بحق الآخرين العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم، في حضرة من يزعمون أنهم حماة القانون؟.
من هذا نستخلص أن لزفزاف، على مستوى الرؤية السردية، هواجسَ تتكرَّرُ بإلحاح، فهو لا يفتأ يسلط الضوء على ممارسات الشرطة، وملاحقتها للأبرياء، واستغلالها النفوذ لتنفيذ مآربها الخاصة، دون مبالاة بالقانون، ولا بمن وَضَعوه.
وعلى مستوى النسيج الفني للقصة القصيرة، تبرز ظاهرة متكرررة أيضًا، وهي أنه بعبارة واحدة قد ترد في مستهل القصة، يوحي للقارئ بما هو متوقع من دلالات يقود إليها المتخيَّلُ المحكيُّ، دونما حاجة للاجتهاد، أو التأويل، فالسردُ عند زفزاف لا يحتمل كثيرًا من المواربة، وإنما هو سردٌ بسيطٌ بقدر ما هو عميق، وشيقٌ بقدر ما هو شفافٌ ورقيق.

د.ابراهيم الخليل
ناقد وأكاديمي من الأردن

إلى الأعلى