الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الدمية العميقة

الدمية العميقة

اعتصرت جفنيها، وَهْيَ تشدُّ طرف ملاءة السَّرير، وتعضُّ الخرقة المبلَّلة بين سنَّيها. ثمَّ انسلَّ صياح ٌمن تحت الشرشف الذي ارتفع بجبين ٍمتعرِّق بغزارة.
أرخت طرف الملاءة المتجعِّدة، ولهاثها المتهدِّج ُيقرع ُرئتيها: يعلو، ينخفض. وصوتها المتثاقل يسقط على سعلة بين شفتين ِمنتفضتين:
“دعيني أراها”
فأدارت الأخرى كتفها بنظرة ٍصافية مرتخية على حبل الشفتين المتدلّي، ومهدهدة بين ذراعيها القماط الملفوف، إلى حيث استوت الأولى على سريرها؛ بزعزعة جسدها لأعلى الوسادة، بدمعة ممتلئة، ومتوخية بين صدرها الضاغط نومة الوجه المحمرّ، وهي تكرِّر بذبول ِصوتها:
“جميلة البنت، جميلة ..”

1

دنت الشَّمس من النافذة، وحبا الضَّوء ُالذهبيّ على السجَّاد المفروش بزخرفة نباتية تنتهي حواشيها عند هزَّاز المهد الخشبيّ، المحاذي لحافَّة السَّرير. السقف يمضغ ُدوران المروحة المتقاطعة ظلالها، وكانت بعينيها بحيرة عميقة تزأر وحوشها المتصايحة بالأمواج العالية. وكان على فمها شاطئ مهجور، لا قوارب فيه. تهزُّ المهد خفيفاً، خفيفاً، وساعة الجدار ِتقرع طبل الثانية وراء الثانية.
استدارت الشَّمس عن الزاوية المواربة لنافذة تتحرَّك بالسُّحب الهائمة؛ مع انبعاج الشَّرائط السفلى للتنُّورة العشبيَّة، وأرنبة أنفها تشقُّ انسدال السُّتر الدانتيليّ الخفيف، مستنشقة ًبنفس ٍممتلئ تنهُّدات الرَّضيعة النائمة. فارتجَّت البحيرة، وانبعثت الوحوش المتصايحة تحدِّق ُبإمعان أنيابها المنغرسة حول نومة الوجه الطَّريّ.
أغمضت ْسماء بحيرتها، بشهيق ٍعميق سحبت ْرياحه الإعصاريَّة أذيال الوحوش التي أخذت ْتتصارع مع أيادي الرِّياح العنيفة، عن صدى شرس يتردَّد رجعه في جدران أذنيها:
“ستتحول طفلتك هذه إلى دمية .. وبيننا الأيَّام، بيننا الأيَّام”
أزاحت أرنبة أنفها عن السُّتر الدانتيليّ المسدل، وكانت زوبعة المروحة على السقف تبتلع وحوشها المتصارعة في عواصفها المتقاذفة. وظلَّت موانئ النَّافذة المفتوحة تنتظر رسوّ سفن السُّحب المتحرِّكة.

2

فصُّ القمر الماسي يسطع من النافذة، والصَّغيرة تحبو على وبر السجَّاد النَّاعم، والمروحة الدائرة على نفسها تربت بهوائها على ظهر الصَّغيرة ِالسَّابحة في بحيرة العينين العميقتين اللَّتين ِتتابعانها من كنبة ٍقريبة.
الصَّغيرة ما تزال تحبو على أمواج تلك البحيرة المتراخي زبدها على شاطئ يعجُّ بالنوارس البيضاء. وكانت الدلافين تتقافز من مياه العينين الهادئتين إلى هواء منخريها المُصوِّت لموسيقى الدلافين المتسللة إلى نوافذ أذنيها المفتوحة:
“هذه الحلوة لن تتحول إلى دمية .. والأيام تقول بهذا”
فانقشعت البحيرة ُكاشفة ًمن وراء سترها المظلم واحة ًخضراء تتفجَّر بألوان العصافير المتناثرة حول الزرقة الأفقية الصافية. وكانت الصغيرة ما تزال تحبو على وبر السجاد، على رمل الشاطئ المنتعش بشمس النخيل المتساقطة ظلالها على الجو الوديع.

منهل الرئيسي

إلى الأعلى