السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فنانون ولوحات فنية غيرت العالم

فنانون ولوحات فنية غيرت العالم

صورة واحدة قد تغني عن ألف كلمة
لم يترك المثل بابا من أبواب المعرفة والتجربة البشرية المبنية على الخبرة العملية إلا وطرقه، حتى أضحى لكل من خبايا الخبرة والمعرفة مثلا يتدثر بها. وكما أن للكلمة وقعا وأثرا هائلا وتأثيرا مباشرا على حياة الفرد والمجتمع في التو واللحظة، فضلا عن أثر يدوم مستقبلا لوقت طويل، فإن للصورة كذلك أثرا باقيا يمتد لأبعد من حدود اللحظة الراهنة: ولذلك ضرب المثل في أثر الصورة وأنها قد تغني عن ألف كلمة للدلالة على بلاغتها وغناها بالمعاني والرموز والدلالات. ومن هنا فإن تاريخ الفن والنقد الفني هما أبرز أهم العلوم التي تبحث في فك رموز الفن بكافة أشكاله لمحاولة فهم المعاني والدلالات والألغاز التي تحفل بها اللوحات الفنية التي ورثتها البشرية عبر العصور لكبار رواد الفن وأبرز رواد الحركات الفنية.
ولسوء حظ الكثير من الفنانين، فقد عاش معظمهم حياة تعيسة على هامش فهم وإدراك المجتمع، حيث جاء تقديرهم متأخرا عن الزمن الذي عاشوا فيه، بالرغم أن للوحاتهم وقع وتأثير كبير في وجدان البشرية ومحبي ومتذوقي الأعمال الفنية. في هذا المقال نستعرض ثلاثة أمثلة لفنان وحركة فنية وأعمال فنية غيرت مجرى العالم ولكن …. ليس في وقتها! وقراءتنا هذه تستند لمراجعة ثلاثة كتب مهمة في هذا الموضوع.
*********
فنانون أثرت لوحاتهم العالم بعد رحيلهم: فان جوخ
قصة فنسنت فان جوخ هي واحدة من أكثر المفارقات في تاريخ الفن. عاش حياة تعيسة وصعبة خلالها لم يحصل عمله على أي التقدير، وأخيرا قتل نفسه برصاصة في الصدر، حيث كان يأسه عظيما، بينما الآن يعتبر واحدا من أعظم الفنانين على الإطلاق وفي كل العصور. أعماله سجلت مناقصات تقدر قيمة الواحدة منها بعشرات الملايين من الدولارات في المزادات العلنية. هذه الدراسة الشاملة لفنسنت فان جوخ (1853-1890) تمثل حالة نادرة في تاريخ الفن: رسالة علمية مفصلة عن حياته وأعماله الفنية جنبا إلى جنب مع فهرس كامل من اللوحات له والتي تبلغ 871. هذا المجلد يعيد انتاج معظم لوحات فان جوخ الفنية بالألوان..
حياة فان جوخ كفنان لا تزال متناقضة إلى درجة أنه لم يتم بعد التعرف الكامل عليها. كما تتميز لوحاته بأنها لحظية ذات أثر حسي مباشر وتعتمد قوتها من عاطفة الفنان الجياشة تجاه كل الأشياء، نحو الإنسان والطبيعة. واليد التي تمد يدها برقة تتراجع في آخر لحظة لأنه في كثير من الأحيان قد تشعر بالألم.
ليس هناك شك في أن فان جوخ تعلم من التجربة. سيرة حياته منعته أن يأخذ طريقا سهلا وبسيطا. ومع ذلك فهو لا يزال طفلا في عمره. نشأ وترعرع في الفترة عندما كانت الناس ولأول مرة ترى وجودها هو كل شيء، مع عدم وجود نظام دعم – في قرن أنتج العديد من الشخصيات الغريبة التي حطمت نفسها.
كراسي فان جوخ تشكل استعارة للأزمة في القرن بأكمله، استعارة تتوافق مع التاسي توصيف مؤرخ الفن النمساوي هانز سيدلماير الذي يعطي عنوان مقاله في النقد الثقافي “العرش الشاغر”، الذي يلاحظ أن الفنانين عانوا أكثر من غيرهم في القرنين التاسع عشر والعشرين. وبرغم أنهم هم نفس الأشخاص الذين كانت مهمتهم جعل سقوط الانسان وعالمه أكثر وضوحا من خلال رسوماتهم.
في القرن التاسع شعر كان هناك نوع جديد تماما من الفنان الذي يعاني: الوحيد والضائع واليائس على حافة الجنون. وهذا النوع لم يكن يحدث سابقا إلا في حالات منعزلة، إذا حصل سابقا. أما فنانوا القرن التاسع عشر، وهم عقول عظيمة وعميقة، فكانت لهم شخصية الضحية، التي تقدم نفسها بنفسها للتضحية، ومنهم هولدرلين، غويا، وفريدريك ورنغ وكليست ودومير وستفيفتر ونيتشه ودوستويفسكي وفان جوغ وسنريندبرغ وتراكل. وكلهم يشتركون في معاناة زمنية طويلة.
فمن غير الممكن فهم طريق الآلام الخاصة بفان جوخ من خلال نوبات الجنون والانتحار النهائي، بمعزل عن القرن الذي عاش فيها وهكذا فإنه من الضروري كتابة تاريخ فان جوخ وحياته الفنية وحياته الخاصة بدرجة أقل. فالسبب في فشله في الحياة، والنجاح السريع له لاحقا لا يلزم ان يكون ضمن إطار ضمني للمنبوذين اصحاب رؤية انفرادية، بل على العكس تماما فالسبب يكمن في طموح فان جوغ الدؤوب للنجاح والحصول على القبول من مجتمع يمكن ان يقبل عبقري وحيد منعزل. وإذا ما كان هناك عبقري رغم أنفه، فهو فنسنت فان جوغ.
***********
لوحات غيرت العالم
هذا الكتاب “اللوحات التي غيرت العالم” يعرض ويحلل تسعين من روائع التاريخ الفني ويشرح بإسهاب الاسباب التي تجعل مثل هذه الأعمال عظيمة. ويقدم كل عمل من خلال مقالات ونصوص تتفحص كل لوحة من وجهة نظر تاريخية وثقافية بتقديم وعرض الملاحظات المثيرة للإهتمام والحكايات المثيرة عن كل لوحة وكذلك عن الفنانين والمحتوى الظرفي التاريخي والإجتماعي. يعرض الكتاب كل لوحة على صفحات وبأحجام متنوعة ويصاحب كل لوحة رسوم توضيحية ونصوص تحليلية تلقي الضوء بشكل مسهب وكامل على هذه الأعمال الفنية الرائدة والرائعة. هذا المجلد الأنيق يقدم معلومات عن كيف ولماذا لهذا اللوحات لكل المهتمين بالفن القديم الكلاسيكي والمعاصر كثقافة لا غنى عنها للباحث في الفن وتاريخيه وحتى للمتخصصين في مجالات أخرى ولمن له اهتمام عام بالفن.
**********
حركات فنية غيرت مسار الفن: الإنطباعية
لم ترق اللوحات والرسومات الفنية التي قدمها الإنطباعيون لمستوى ما كان متوقعا أو ملبيا لمستويات النجاح في عالم الفنون الجميلة في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. ولم يكن غريبا أن هذه الرسومات في تلك الفترة لم تكن تعتبر أكثر من مجرد “فضائح” فنية أو مجرد مجموعة من الألوان المتناثرة على اللوحات. فالأساليب الفنية للفنانين الذين كانوا ينتمون لهذه المدرسة الفنية الجديدة “الإنطباعية” كانت جديدة ومبتكرة، وتعتبر فضائح وهرطقات في نظر أقرانهم ونظرائهم في ذلك العصر وتلك الفترة.
كما أن المواضيع التي كانت تطرقها رسومات فناني هذه المدرسة كانت مبتكرة، ولذلك كانت غريبة ومستهجنة، فلم تتطرق كما كان سائدا لمشاهد مستوحاة من الإنجيل أو تعبر عن التاريخ الديني أو الإنساني أو الأساطير القديمة، لكنها جاءت لتعبر وتعكس العالم الحديث الذي يعيش به فنانو مدرسة الإنطباعية. فقد حاول فنانو مدرسة “الإنطباعية” تسجيل “انطباعاتهم” وأن يوثقوا أحاسيسهم ومشاعرهم الشخصية، وأن يرسموا أفكارهم ورؤاهم على لوحة الرسم، وحيث كان الكثير من هؤلاء الفنانين يفضلون أن يرسموا مقابل الشيء الذي يرسمونه عيانا لا من وحي الخيال او الذاكرة. كما ميز هذه المدرسة أن منتسبيها غالبا ما كانوا يرسمون في العراء وليس في صالات الرسم، وباستعمال ضربات سريعة خفيفة من ريشة الرسم على اللوحة.
أن القول بأن هؤلاء الفنانين الذين شقوا طريقهم في تاريخ الفن وعرفوا باسم “الإنطباعيين” أرادوا فقط التعبير عن البيئة المحيطة بهم بطريقة حديثة ومبتكرة وخاصة، إنما هي تبسيط للأمر وتوصيف غير دقيق لأهدافهم، لكنه في نفس الوقت دقيق وخاطئ معا. فمثلا “ديجاس” رسم البيئة المحيطة والحياة المعاصرة له لكنه لم يكن يرسم أمام المثال أبدا، ولم يرسم خارج المرسم في العراء. فاعتمادا على بعض الرسومات البسيطة والكروكيات والإسكتشات فقد تطورت رسوماته المعقدة لاحقا في مرسمه.
فنانون مثل “الفرد سيسلي” فقد أعد مرسمه في العراء وفي الطبيعة واهتم جدا برسم المناظر الطبيعية، ولم تكن له اهتمامات بالحياة الإجتماعية في رسوماته أو لوحاته. أما فنانون مثل جوستاف كالبوت وماري كاسسات وبول سيزان وادجار ديجاس وادوارد مانت وكلاود مونت وبيرث موريسوت وكاميلي بيسارو واوغستو رنوار وألفرد سيسلي فقد طوروا نظرتهم للعالم والطبيعة بشكل خاص وعبروا عنهم بطريقة جديدة.
وقد تأثر كل منهم بالآخر، ولكن لكل منهم أسلوبه الخاص مع ذلك والذي يسهل تمييزه ولا يمكن الخطأ في معرفته. وقد أحب جميع هؤلاء الفنانين من نفس المدرسة الرسومات الخاصة بإدوارد مانيت، والذي أصبح رئيس تلك المدرسة، ونظموا معارضهم المشتركة. وفي معرض مشترك لهم عام 1874 وبحضور ناقد فني ملازم لهم كان يطاردهم ولا يفتأ يجترح النقد اللاذع لهم سعيا وراء سلبيات مدرستهم، أطلق عليهم من باب الإستهزاء لقب “الإنطباعيين”، والذي تحول كإسم وعلامة دالة على تلك المدرسة الشهيرة لاحقا.

د. وليد أحمد السيد

قراءة في كتب:
- Van Gogh, TASCHEN 2012
- 50 Paintings You Should Know, Ines Janet Engelmann, Prestel, 2007
- Paintings that changed the world, from Lascaux to Picasso, Prestel 2010

إلى الأعلى