الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تقنية الأسلوب في الشعر الوطني العُماني .. ” الشاعر محمد علي النهاري ” أُنموذجاً

تقنية الأسلوب في الشعر الوطني العُماني .. ” الشاعر محمد علي النهاري ” أُنموذجاً

للأسلوب الشعري في المضامين العامة والموضوعات الخاصة عدة تقنيات فنية، هذه حقيقة يُدركها المتلقي لكلّ نصٍّ شعري، فالتقنيات الفنية تختلف من نصٍّ لآخر تبعاً للكيفية التي ينظر بها الشاعر للعالم والمنظور الخاص الذي ينطبع في ذهنه عن كليات هذا العالم وجزئياته، ومما لا شك فيه أن نظرة الشاعر للعالم تختلف عن نظرة شاعر آخر وكل الشعراء يتباينون في نظراتهم للعالم لاختلاف ما يحمله هؤلاء الشعراء من الثقافة والفكر ناهيك عن القناعات الذاتية والاعتقادات التي يحملها كل شاعر على حدة ويختلف فيها عن الشاعر الآخر، واختلاف التقنيات الفنية في النص الشعري من شاعر لآخر تعود أيضاً إلى محاولة الشاعر التعبير المغاير عن الآخرين، حيث يحق لكل شاعر أن يعبّر عن مكنوناته ومشاعره الخاصة بالأسلوب الخاص به حيث يحاول كل شاعر أن يعبّر عن ذاته هو وليس عن الذوات الأخرى، وبالتالي فإنه يكشف لمجموعة المتلقين من المستمعين والقُرّاء والمتابعين لشعره عن تِيمة لغوية تعبيرية جديدة كلّ الجِدّة عن الآخرين وإن حصل هناك توافق ما مع البعض الآخر من الشعراء القدامى أو المحدثين فإنه ربما يعود إلى ” عدم القصدية ” أو ما سُمّي قديماً بـ ” وقوع الحافر على الحافر “، للتعبير عن توافق بين أمرين كما جاء في معاجم اللغة،ii أو ربما يعود التوافق في بعض الصّور أو في بعض الجزئيات من باب ” التناص ” الذي يُعرّف على أنه ” تداخل نصوص مختارة قديمة أو حديثة شعراً أو نثراً مع نص القصيدة الأصلي بحيث تكون منسجمة وموظفة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها الشاعر”،iii واللجوء لهذه التقنية بغرضِ خلق صورة جديدة أو الإضافة إلى الصورة السابقة على سبيل الاستئناس الأدبي والذوقي، وما إلى ذلك من التفسيرات المنطقية لهذا التوافق بين النص الجديد والنصوص الأخرى السابقة، ولا يمكننا إلا أن نقول ما قاله الكاتب والناقد الفرنسي ” سانت دينيف” : “الأسلوب هو الرجل “، وهذه المقولة ” على صغرها تعد الوصف الأصدق والأدق لذلك الذي نسميه ( الأسلوب الفني ) فقد استطاعت أن تختصر في أسمين وضمير صفحات طويلة كانت من الممكن أن تكتب لنفهم بدقة ما هو الأسلوب ؟.. والأسلوب كما يرى “سانت دينيف”… هو الكاتب نفسه، هو شخصيته الحقيقية إلى أبعد ما تكون، عمقه الإنساني والوجداني يخرج إلى الورق معلناً عن نفسه مبدياً تفرده من دون قصد الكاتب بل وقد ينساب من قلمه الأسلوب دون أن يشغل بالاً لطبيعة الفكرة التي يتناولها”،iv إذ لكلّ رجلٍ أسلوبه الخاص، والرجل بشكل عام ينطلق برجولته هو بكل اعتزاز واستقلالية وإن استفاد مما توصل إليه الآخرون ممن سبقوه فإن استفادته ما هي إلا إضافة نوعية للإتيان بنصوص أخرى تضاف إلى ما قبلها من النصوص، وهذا يُحيلنا إلى مصطلح ” الحماسة” في الشعر العربي، الذي يُلاصق معنى الشجاعة والشدة والمنع والمحاربة ويدخل في معناها ما يقترن بذلك من معاني القوة… وكل المعاني التي تتفرع مما يدعو إلى… إثارة النخوة والتغني بصفات المروءة والاحتمال والصبر والإباء والجرأة، وهذا ما ستشير إليه الدراسة في لجوء الشاعر إلى تقنية الإشارة للأداء الصوتي في تقديمه مثل هذا الغرض من الشعر ألا وهو الشعر الوطني.
ونحن من خلال هذه الدراسة النقدية سنقف قليلاً على بعض التقنيات الفنية التي تحدد أسلوب شاعر من شعراء سلطنة عمان، ألا وهو الشاعر محمد بن علي بخيت النهاري، من خلال قراءتي لستِّ قصائدٍ وطنية من شعره، حيث صدرت في كتيب من القطع الكبير عن المطابع العالمية في روي، دون ذكر اسم الناشر وسنة الطبع وتاريخ الطباعة، وقد عنونه بعنوان بسيط ينمّ عن إشاريته إلى صلب الموضوع وهو الوطن، حيث سماه بـ (مجموعة القصائد الوطنية )، ويوحي هذا الديوان الصغير في حجمه الكبير في محتواه إلى أن للشاعر مجموعات أخرى في مضامين أخرى أيضاً كمجموعة القصائد الغزلية، ومجموعة القصائد الوجدانية، ومجموعة القصائد الاجتماعية، ومجموعة القصائد الفكاهية، وهكذا دواليك، وهذا الإيحاء الذي يرسمه في مخيلتنا كمتلقين يطبع في أذهاننا أيضاً أن الشاعر النهاري يحصر ما قاله في الشعر الوطني في هذه المجموعة خصوصاً وقد سبقت كلمتي “قصائد” و “وطنية ” ( ال ) التعريفية، حيث عرّف الشاعر مجموعة القصائد المعنية بأنها ” القصائد الوطنية ” وقد حصر هذا التعريف بكلمة ” مجموعة “، ولكن هل الشاعر النهاري لم يقل إلا هذه القصائد الوطنية أم أن لديه قصائد أخرى، ونحن نلاحظ أن أقدم تاريخ في هذه الصائد هو 1983م وأقرب تاريخ – بالنسبة إلينا ونحن نكتب هذه السطور في العام الحادي عشر بعد الألفية الثانية – هو 1998م، والديوان يحتوي على ست قصائد فقط بالإضافة إلى الإهداء الشعري الذي يتكون من أربعة أبيات فقط، حيث لا يعقل لشاعر علَمٍ من شعراء سلطنة عمان أن يحصر قصائده الوطنية طوال ستة عشر عاماً في ستّ قصائد فقط، وهذا يدعونا إلى القول أن الشاعر لا يقصد حصر شعره الوطني في هذه القصائد الست، وإنما اختار هذه القصائد كنماذج من شعره الوطني ليس إلا، ونحن من خلال قراءة هذه القصائد الست سنستخلص بعض التقنيات الفنية في المضمون الوطني لهذا الشاعر، وسوف نطلق العنان للقلم للإسهاب في هذه التقنيات أنّى أمكن ذلك، فالتقنيات الفنية في الشعر لا حدود لها ولكنها تتفاوت من نص شعري إلى آخر، والشعراء يتفاوتون في توظيف هذه التقنيات فلكلٍّ إمكانياته وقدراته الخاصة للاستفادة من هذه التقنيات وتوظيفها في نصوصه الشعرية.
لعلّ الأسلوب الغالب الذي لجأ إليه الشاعر محمد النهاري في قصائده الست هو التغنّي بِحُب الوطن والتصريح بهذا الحب بالتصوير اللغوي والصوتي، وهذا اللون من الشعر يسميه الدكتور الناقد محمد محمود رحومة بالشعر الجماهيري،v لأن الشاعر اتّخذ من الصوت أداة تعبيرية استقاها من فنون الأداء المسرحي وهو بحق يتبع الشعراء الأوائل لأنهم جميعاً يُلقون قصائدهم على المتلقين، والمتلقون ينصتون لهذه القصائد فتعِيَها آذانهم الصاغية استعداداً لروايتها فيما بعد لتصبح جزءاً لا يتجزأ من التراث الشعري المنقول سماعاً عن الشعراء، ويمكننا الوقوف على بعض الأدوات التي تؤيد هذا الاسلوب منها:
1- الإكثار من أسلوب النداء.
أسلوب النداء في الشعر العربي كثيرٌ جداً، والشاعر مطلقاً لا يستغني عن توظيف الحروف بأنواعها، ومنها حروف النداء للمندوب وغير المندوب، كما يقول النحاة، فإن كان غير مندوب فهو إما أن يكون للقريب أو للبعيد، وإن كان مندوباً فهو أما للمتفجع عليه أو الموجّعُ منه، والشاعر في مجمل قصائده يغلّب استعماله الأداء ( يا ) وهي من أقسام المنادى للبعيد،vi وفي جميع أبيات هذه المجموعة الشعرية لا يريد الشاعر بياء المنادى هنا مناداة البعيد على ظاهرة اللغوي وإنما على ظاهرة المجازي، فالمنادى في شكله الظاهري لا يُشترط أن يراد به المناداة على الحقيقة وإنما على سبيل التوظيف اللغوي الذي يعطي للأداة معنى آخر غير معناها الحرفي، إن الشاعر يستخدم أداة النداء في ظلّ زمنها الشعري داخل أطار الجملة الشعرية فقط، وهذا الأسلوب سائدٌ في الشعر العربي، حيث يكثر مناداة الجمادات ولا يقول عاقل بأن مناداة الجمادات تستدعي الاستجابة من هذه الجمادات للشاعر الذي يقوم بمناداتها، حيث لا يمكننا أن ننتظر رداً من دار عبلة عندما ناداها عنتر بقوله:
يا دار عبلة بالجواءِ تكلمي وعمي صباحاً دار عبلة واسلميvii
وكذلك يستخدم الشعراء العرب أسلوب النداء الموجه للعقلاء من الممدوح أو الحبيبة، ولكن الشاعر لا يريد بهذا النداء طلب الاستجابة أو الرد على الحقيقة.
في قصيدته الأولى يقول:
العيد أقبل يا عمانُ فكبري لله ناصرُ تاجَكِ السلطانُ
وفي قصيدته الثانية يقول:
يا جاعلاً عام الشبيبة عيدا هذي الشبيبة قد تلتك نشيدا
وفي قصيدته الخامسة يقول:
يا أمة التوحيدِ في أرضٍ لها صوت النداءِ مجدداً تذكيرها
والشاعر في هذا البيت يشير إلى أسلوب النداء إشارة واضحة ولو عن غير قصد في قوله ” صوتُ النداءِ “.
وفيها يقول مخاطباً جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم:
قابوس يا من قد تسنّم في الورى والشعب حوله قد أناط نشورها
وقد كرر أسلوب النداء والمخاطبة في هذه القصيدة بالتضمين الصوتي بدون ذكر ياء النداء، كقوله:
قابوس أنت مليكنا وزعيمنا ربي سقاك غرّ عذب مطيرها
وأساليب النِّداء فيها ما فيها من تغيُّرٍ في وتيرة صوتِ الشاعر عندما يرفع صوته مُوجّهاً خطابه للمخاطَب أو مجموعة المخاطبين، وفيه ما فيه من إلفاتٍ للمتلقين وشدّ انتباههم لخطابه الشعري، وهذا ما يرمي إليه الشاعر.

2- إشارات للصوت والقول.
في مثل هذا النوع من الشعر يلجأ الشاعر الوطني إلى تقنية الإشارة للصوت والقول ومن ذلك التكبير كما في مطلع قصيدته الأولى، والتكبير لا يكون إلا بالصوت العالي:
العيدُ أقبل يا عُمانُ فكبّري للهِ ناصر تاجِكِ السلطانُ
وفي البيت الثالث من القصيدة يشير إلى الترنّم بلحنِ الخلود عندما قال:
وترنّمي لحن الخلود فإنّما نبت الخلودِ هنا روتهُ عمانُ
ونلاحظ في الشطر الثاني من البيت إشارته للفظة ” روته “، وهي أيضاً من لوازم الصوت، وكما يشير في ذات القصيدة إلى الصوت والقول:
أنا إبنها أنا شعبها أنا صوتها أنا قصةٌ تفخرْ بها الأوطانُ
ومنها قوله:
فالله أكبر يا عمانُ أقولها والله يرعى فخركِ السلطانُ
وفي قصيدته الثانية يقول، موظفاً لفظة مشتقة من التلاوة، ولفظة نشيد، وهما من ألفاظ الأداء الصوتي:
يا جاعلاً عام الشبيبة عيدا هذي الشبيبة قد تلتكَ نشيدا
وقد أحصيت في القصائد الست هذه الإشارات اللغوية الدالة على الصوت والقول والرواية والتلاوة والنشيد وما إليها فوجدتها قد بلغت حوالي 31 إشارة وكلها تتناسب مع الأداء المسرحي للنص الشعري، وهذا اللون الفني يتناسب مع الشعر الوطني تمام التناسب، لأن الشعر الوطني يؤدى أمام الجماهير، والشاعر النهاري من الشعراء المشهورين بإلقاء قصائده الوطنية في العديد من المناسبات كما هو واضح من التعليقات التي تسبق القصائد.

3- إشارات الجمع في مقابل المفرد.
في مثل هذا النوع من الشعر يلجأ الشاعر الوطني إلى تقنية الإشارة للتعبير الذاتي المفرد ولكنه ينطلق من المجموع، كقوله من قصيدته الثالثة:
من يسأل التاريخ عن أمجادنا يلقى شموخاً ساطعاً أضوانا
ويُلاحظ في هذه القصيدة ابتداء الشاعر في البيت الأول بكلمة (بلدي)، بصيغة المفرد، لكنه في البيت الثاني ينضم مع الجمع وهو الشعب العماني العريق في تاريخه وأمجاده.
وفي البيت الأخير من هذه القصيدة يعود لصيغة المفرد، عندما يقول:
وعساك ربي أن تديم لنا الهناء…
وفي القصيدة الخامسة يغلب عليها تغليب ضمير الجمع على ضمير المفرد حيث يلجأ الشاعر إلى الجمع ولم يشر لصيغة المفرد إلا في بيت واحد فقط عندما قال: ( واليوم في وطني )، إلا أنه في أغلب الأبيات أشارع إلى صيغة الجمع حيث ذاب الشاعر في المجموع في جميع الصِّيغ اللغوية التي وردت في الأبيات حسب الترتيب الآتي: ( ما اعترتنا – قوافلنا – نارت علينا – مليكنا – زعيمنا ).
وكذلك صيغة الجمع في الحديث عن الأمة والوطن حسب الترتيب الآتي:
( أمة التوحيد – مجدداً تذكيرها – تجوب بحورها – تميس بها الجباه- جسورها – نسائم ريحها – بخورها – عزائم أمة – الورى – والشعب – عرصاتها – صروحها – أخبارها ).
والمشاعر التي تنطلق بالأسلوب الجمعي يتناسب معها الأداء المسرحي، لذلك تكثر هذه الأساليب في الشعر الوطني الذي يؤديه الشاعر أمام حشد من الجماهير.

4- الاسلوب ” الاحتفالي / الاحتفائي “.
يلجأ الشاعر إلى تقنية الاحتفال والاحتفاء في تكوين النص الشعري الوطني، ومثال ذلك قصيدته السادسة التي قالها بمناسبة افتتاح ميناء صلالة بمحافظة ظفار عام 1998م والتي مطلعها:
رست بريسوت المبادي والهمم فغدت تباهي فوق هامات القمم
والاسلوب الشعري ” الاحتفالي/ الاحتفائي ” تبرز فيه عدة طرق لإظهار مميزات هذا اللون من الشعر، ومن أهم هذه الطرق أن يحوم الشاعر حول المكان الذي يحتفل به فيذكر لوازمه المكانية كما في قوله:
( رست بريسوت – وبها صدوح الطير – كانت للأمان منارة – نزلوا شواطيها – بوابة البحر المحيط – سفائن الخير – وضوت لآلي بحارنا- تسابق في مراسيها الأمم – زاح لها الستار – دشّنت سفن المحيط بشطها- موقع الصرح العظيم – ميناء ريسوت ).
فالشاعر يركّز على مفرداتٍ من ذات البيئة التي يتحدث عنها وهيئة البيئة المكانية للميناء فيذكر المرسى والمنارة والشواطئ والبحر واللآلئ والمكان الذي تُدشّن فيه السفن وما إلى ذلك من الألفاظ، والشاعر بإيراده هذه الألفاظ يحقق مِصداقاً واقعياً من تفاعل الشاعر مع المكان/ الوطن، وبالتالي انفعاله الشعوري الذي أظهر لنا هذا النص الشعري.

الكامل بحرُ الوطن:
من التقنيات التي لجأ إليها الشاعر النهاري في وطنياته اعتماده في تكوين النص الشعري الوطني على بحرٍ واحد متكرر التفعيلة، وتكرار الإيقاع كما يقول ” يوري لوتمان” في كتابه ( تحليل النص الشعري، بنية القصيدة ): ” إنّ التكرار الإيقاعي يُنظر إليه منذ أقدم العصور باعتباره أحد المعالم الأساسية للشعر “،viii وقد تغنى الشاعر محمد علي النهاري بوطنه في هذا الديوان على بحر واحد، وهو بحر الكامل، الذي يندرج ضمن الأبحر الصافية في سلسلة بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي الشعرية، حيث جاءت القصيدة الأولى والثانية والرابعة على الكامل الثاني، وجاءت القصيدة الثالثة على مجزوء الكامل المرفل، أما القصيدة الخامسة والسادسة فجاءتا على بحر الكامل التام، وبحر الكامل التام يتكون من ست وحدات من تفعيلة (مُتَفَاعِلنْ ) التي يدخل عليها تغيير في الحركة الثانية حيث تتحول إلى سكون فتصبح (متْفاعِلُن ) التي تتغير إلى ( مُسْتَفْعِلُنْ )، كما يدخل عليها تغيير في آخر تفعيلة في الكامل الثاني فتصبح ( مُتَفاعِلْ ) أو ( مُتْفَاعِلْ ) بتسكين الثاني، وفي المجزوء تصبح التفعيلة الأخيرة ( مُتَفاعِلانْ ) أو ( مُتْفَاعِلانْ ) بتسكين الثاني.
ولعل الشاعر اختار هذا البحر الصافي لجمالِ نغمته الموسيقية على لسان الشاعر أثناء الإلقاء، وجمال رنّته الصوتية في آذان المتلقين عندما يستمعون إلى هذه النصوص الشعرية المحتشدة بالحماسة والحبّ والولاء للوطن، إضافة إلى ذلك سهولة النغمات الموسيقية المنطلقة من هذا البحر وجريها على اللسان بطريقة سلسلة ومتوالية، وقد أكثر الشعراء القدامى والمحدثين من هذا البحر في أشعارهم لكل من يحمله من عناصر الدهشة وجمال النغم.
مركزية التغني بالقيادة:
في مثل هذا اللون من الشعر الذي يتغنى بالوطن وقيادته يركّز الشاعر في نصه الشعري على القيادة، ويتضح هذا التركيز في كل قصائده الست التي كوّنت هذه المجموعة، وسوف نلجأ إلى النقد الإحصائي في إبراز تقنيات الشاعر في أسلوبه الشعري، والنقد الإحصائي برغم أنه ” أحد المقاييس التي لم يعن بها كثير من الباحثين وبخاصة مؤرخو النقد الأدبي عند العرب، حيث إن جل دراساتهم لم تشر إلى أن الإحصاء أحد المقاييس النقدية وذلك على الرغم من أن مؤلفات العرب النقدية تشهد بأنهم استعانوا بالإحصاء لتكون أحكامهم النقدية بمنأى عن الحيف والشطط “ix إلا أنه ثبت للكثير من النقاد في عصرنا الحاضر أهمية الاحصاء لإثبات الظواهر الأدبية ومميزات النصوص ونوعية التقنيات الفنية التي لجأ إليها المبدع، ففي قصيدته الأولى الحائزة على المرتبة الأولى على مستوى السلطنة بالمهرجان الثقافي الفني للشباب عام 1983م المكوّنة من ستة عشر بيتاً يذكر جلالة السلطان قابوس بن سعيد ” المعظم ” ثمان مرات سواء بالاسم الصريح أو الإشارة إلى جلالته بالضمير، وهذه المرات الثمان تساوي نصف عدد أبيات القصيدة أي أن مركزية ذكر القيادة في هذا النص الشعري هي الغالبة على كل مكوّنات النص، فليس هناك متكررات في هذا النص بهذا المقدار، وهو أسلوب يحمل من الطرافة الأدبية ما يحمله، ويمكنني إرجاعه إلى نوعٍ من البديعيات الجميلة التي تعطي للنص جمالاً على ما يحمله من مختلف أنواع الجمال التعبيرية، وحسب رأي الدكتور صالح بن عبد الله الخضيري مُعلقاً على أن للعرب القدامى ” إحصاء بعدد قصائد كل شاعر مهما ثبت نسبته إليه، وبذلك يكونون قد اتخذوا من ” الكم ” مقياساً مهماً ضمن مقاييس النقد الأدبي “.x
والشاعر النهاري في قصيدته الثانية التي قالها بمناسبة 23 يوليو الذي يصادف ابتهاجها عام الشبيبة العمانية، فهي تتكون من أربعة عشر بيتاً فقد أشار فيها إلى جلالة السلطان قابوس بن سعيد ” المعظم ” أربعة عشر مرة، وهي من أساليب التوافق المتقن بين عدد الأبيات وعدد الإشارات للشخصية التي يتغنى بها الشاعر، ولا أعتقد أن ذلك جاء عفواً دون مقصدية شعورية، كما لا أعتقد أن ذلك جاء مصادفة، وإن كان ورود المصادفة في القول الشعري وارداً، وإنما جاء النصّ هكذا من باب الاتقان الشعوري ومراعاة التوازن الأخلاقي في إضفاء الصفات التي يستحقها الممدوح، ويمكنني الإشارة إلى الإشارات التي تطرقت إلى شخص القيادة الممدوحة في هذا النص:
( يا جاعلاً – تلتك نشيدا – القابوس – قابوس – تاجٌ – تاجاً – دام خلودا- القيادة – الريادة – الرجاء – الشباب – سماحة – صمودا- قابوساً ).
فالضمير في كلمة ( يا جاعلاً ) يعود إلى جلالة السلطان، والضمير في ( تلتك نشيدا) يعود إلى جلالة السلطان، و( تاجٌ ) صفة لجلالة السلطان، و ( تاجاً ) تعود لجلالة السلطان، وكذلك ( دام خلودا ) يعود الضمير في هذه الجملة إلى جلالة السلطان، والسلطان هو القيادة وهو الريادة وهو الرجاء وهو الشباب وهو السماحة وهو الصمود.
وفي قصيدته الثالثة الفائزة بالمركز الأول عام 1984م في المسابقة العامة على مستوى السلطنة، نلاحظ أن مركزية التطرق للقيادة تأتي بصورة ترتيبية جميلة، لأن النص يحتفي بكل دول الخليج العربي، وليس من المنطقي أن يغلب ذكر القيادة في هذا النص إلا في الجانب العماني، ويمكننا أن نقسّم النص إلى قسمين:
1- القسم الأول يتطرق فيه الشاعر من البيت السادس حتى البيت السادس عشر إلى جميع دول الخليج العربي المجاورة لسلطنة عمان وهو عندما يذكر العاصمة لدولة من هذه الدول إنما هو من باب إطلاق الجزء على الكل، وهو من الأساليب التعبيرية التي يلجأ إليها الكثير من الأدباء في نصوصهم الأدبية شعراً ونثراً،
فأبو ظبي هي عاصمة الإمارات العربية المتحدة، والرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وقد ذكرها في هذه الأبيات وهي: ( أبو ظبي- قطر – الرياض – البحرين – الكويت – وعمان)، ويلاحظ ذكر الشاعر النهاري لعمان ضمن هذا المقطع من هذا الجزء من القصيدة لأنه لا يريد أن يفصلها عن دول مجلس التعاون التي ذكرها، وليس هذا من التكرار في ذكر المسمى ضمن التقسيم الذي أورده، والدليل على ذلك بدايته القسم الثاني من القصيدة بقوله: (أما عمان )، لأن عمان وطن الشاعر فلابد أن يكون لها نصيباً أكبر من الحب والانتماء والروح الوطنية الوثّابة، ولا يلام الشاعر في حبّ وطنه وترابه الذي عاش وترعرع فيه.
2- القسم الثاني يتطرق فيه الشاعر إلى بلاده ووطنه عمان، وفي هذا القسم يتطرق الشاعر إلى القيادة الرشيدة ممثلة في جلالة السلطان قابوس بن سعيد “المعظم “، وتتمثل مركزية ذكره للقيادة الرشيدة في نصف عدد أبيات هذا القسم من القصيدة، حيث يتكون من ثمانية أبيات، اعتباراً من البيت السابع عشر حتى البيت الرابع والعشرين من القصيدة، ويعطي الشاعر أسمى صفات الاحترام والتبجيل والتعظيم للقائد، فيقول الشاعر:
( تاج زماننا )، ( نور أطل على الوجود )، ( أقسم السلطان إنا عازمون ولن نعود )، ( يا مليك العز )، (يا بعث الجدود )، ( أنا وراءك كلنا ).
وهذه الصفات التي ذكرها تصريحاً وتنويهاً ضمن هذه الجُمل الشعرية لم يقلها الشاعر اعتباطاً وإنما قالها من حيث وجود مصاديقها في شخصية القائد، والشاعر إنما يذكرها لأنه يراها ماثلة أمام ناظريه ولكنه ينقلها هنا بالأسلوب الشعري الذي يتخذ من التشبيهات والكنايات طريقة تعبيرية لهذه الحقائق.

وهذا التناسب الفني الذي تنتظم فيه هذه القصائد الست يعطيها دقة في تقنياتها التعبيرية، كما يُلاحظ هذه الدقة في توزيع الألفاظ توزيعاً مُرتّباً وفق المعاني والصور التي يرسمها الشاعر، وكما يقول يوري لوتمان : ” إنّ النص الشعري يمثّل في ذاته، وبصورة خاصة لغة منظمة “،xi كما تعطي هذه القصائد الست للمتلقي المستمع والقارئ معاً دهشة تشده إلى هذا اللون من الشعر الوطني الحماسي، وهي توحي له أيضاً بأن أفكار الشاعر لم تأتِ مبعثرة وإنما جاءت مُنظمةً ومتّسقة تتوافق مع المنطق وصدق المشاعر ورهافة الأحاسيس.

الهوامش:
i – الكاتب والشاعر/ عقيل بن ناجي المسكين، من مواليد 31 يوليو 1966م في مدينة سيهات شرق المملكة العربية السعودية، ماجستير فلسفة/أدب عربي، من الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية، 2010م، لندن، صدر له خمسة عشر إصداراً من شعر ومقالة واستطلاع صحفي وحوارات وملفات فكرية وثقافية، عضو منتدى سيهات الأدبي ” عرش البيان ” منذ 1413هـ، عضو مجلس إدارة نادي المنطقة الشرقية الأدبي 1432هـ، وعضو الجمعية العمومية للنادي، نشر العديد من نتاجه الشعري والأدبي والثقافي في العديد من الصحف والمجلات العربية المحلية والعربية، شارك في العديد من الأمسيات الشعرية على المستوى المحلي والعربي.
ii – راجع موقع ” المعاني .. لكل رسم معنى “، معنى كلمة حافر في قاموس المعاني- قاموس عربي عربي www.almaany.com
iii – التناص.. مقال منشور في موقع الفصيح، www.alfaseeh.com بتاريخ 28 / 06 / 1428هـ، دون ذكر اسم الكاتب.
iv – الأسلوب هو الرجل.. بين العقاد والحكيم وطه حسين، مقال منشور في موقع ” منتديات الساخر ” www.alsakher.com بتاريخ 20 / 09 / 2005م، دون ذكر اسم الكاتب.
v – بحث كتبه الدكتور محمد محمود رحومة، أستاذ النقد في كلية البنات بالرياض سابقاً، عن شعر الدكتور غازي القصيبي بعنوان ” الشاعر القصيبي وقصيدة الجمهور “، بخط يد الباحث على ورق مسطر، من مقتنيات مكتبة منتدى سيهات الأدبي “عرش البيان”،ص:1.
vi – راجع شرح ابن عقيل، لقاضي القضاة بهاء الدين بن عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني المصري، ج: 2، ط: 1، دار القلم، بيروت، 1408هـ – 1987م، ص: 262.
vii – راجع ” شرح ديوان عنترة ” للخطيب التبريزي، قدم له ووضع هوامشه وفهارسه مجيد طراد، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط: 1، 1412هـ، 1992م، ص: 148.
viii – يوري لوتمان، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ترجمة الدكتور محمد فتوح أحمد، دار المعارف، مصر، دون ذكر سنة النشر، ص: 73.
ix – راجع ” مظاهر الإحصاء في النقد الأدبي القديم عند العرب ” للدكتور صالح بن عبد الله بن عبد العزيز الخضيري، أستاذ في كلية المعلمين بالرياض، قسم اللغة العربية، ملخص بحث مطبوع على ورقA4، ص: 1.
x – راجع ” مظاهر الإحصاء في النقد الأدبي القديم عند العرب ” للدكتور صالح بن عبد الله بن عبد العزيز الخضيري، أستاذ في كلية المعلمين بالرياض، قسم اللغة العربية، ملخص بحث مطبوع على ورقA4، ص: 1.
xi – يوري لوتمان، تحليل النص الشعري، بنية القصيدة، ترجمة الدكتور محمد فتوح أحمد، دار المعارف، مصر، دون ذكر سنة النشر، ص: 125.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى