الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / الأزمة الأوكرانية .. الروسي القابض على جغرافية المكان كيسنجر: احداث اوكرانيا مقدمة لما سنراه في روسيا
الأزمة الأوكرانية .. الروسي القابض على جغرافية المكان كيسنجر: احداث اوكرانيا مقدمة لما سنراه في روسيا

الأزمة الأوكرانية .. الروسي القابض على جغرافية المكان كيسنجر: احداث اوكرانيا مقدمة لما سنراه في روسيا

زهير ماجد

مقدمة:
اطل مهندس السياسة الاميركية السابق هنري كيسنجر معلقا على احداث اوكرانيا بانه المشهد الذي ستكون عليه لاحقا الاحداث في روسيا حسب قوله .. ويتبين من هذا القول ان الاميركي عليم بما هو مخطط لأوكرانيا ويعتبرها نموذجا لما يفترض ان يحدث في روسيا في المستقبل من اضطرابات وحتى تفتيت ..
ـــــــــ
لكن الذين اعتدوا على اوكرانيا ظنوا انهم يصنعون كمينا لروسيا يكون عقابا للرئيس بوتين، وللشعب الروسي، لن يفلت منه بالهين، وقد يتحول بالنسبة اليه كمن تقف الموسى في حلقه، فلا هو يمكنه ابتلاعها ولا اعادتها الى خارج فهمه لأنه ممزق الحلق في الحالتين.
صحيح ان اوكرانيا تنبه الروس وتخلق لديهم التوتر الذي لايمكن الصبر فيه، لكنهم ايضا يملكون الجرأة في اختيار التوقيت الملائم لتنفيذ حالات كهذه يتطلبها الجهاز العصبي وفهمهم الموضوعي لمعركة ما.
وما وصلت اليه الأمور في ذلك البلد الذي يشكل واقعا روسيا لن يرسو على نهاية محددة سوى انه معركة مفتوحة فيها كل الاحتمالات، لكنها جميعا في يد الروسي، القابض على جغرافية المكان، وكل ماهو خارج الجغرافيا يصبح هباء، او قدرة ناقصة.
المشهد المفضوح في الأزمة الاوكرانية تسارع اميركا الى دور فيها، لكن هذا المشهد يتحول كوميديا امام ارسال الولايات المتحدة مدمرة صواريخ الى البحر الاسود وكأنها تنسى في لحظة قرارات مضحكة من هذا النوع انها روسيا وليست دولة من العالم المتخلف او من الدول الضعيفة التي يمكن تأديبها ساعة تشاء.
واذا ما اضفنا لهذا المشهد صورة وزير الخارجية الاميركي كيري وهو في الساحة الرئيسية للعاصمة كييف ووجه انعدام السبيل على وجهه سوى قدرته على الكلام فقط، كيف عليه العجز الاميركي في حالة اوكرانيا، والتي ادى اللعب الاميركي فيها الى ماوصلت اليه، فيما ابرزت المعلومات ان اميركا كانت تدفع يوميا اكثر من خمسين مليون دولار من اجل تأجيج التوتر: عشرون دولارا لكل ساعة يتظاهر فيها العامل، وثمانية عشر دولارا للساعة التي يتظاهر فيها اي طالب.
وفي الاقرب من ذلك، لابد من مشاهدة اهل الوحدة الاوروبية وهم يتسابقون بين افتعال قول وبين موقف وبين من يقف في تلك الساحة الاوكرانية ممجدا الانقلاب الذي حصل فيها كما هو تعريف الروس للازمة، مع ان الاوروبيين لايتورعون عن تلبية نداء الاميركي عندما يحتاجهم، وخصوصا في هذه الظروف الاوكرانية المتأججة.
ونحن نكتب نعلم ان المعنى لم يستقر على نهاياته .. هي معركة لم تعد صامتة، كل مافيها معرب عنه .. موقف الروسي، والموقف الاميركي الاوروبي .. موقفان متضادان، مع ان الاوروبي يتأبى الدخول في ساحة الصراع لحسابات مختلفة عما يجيش في صدر الاميركي ويعتقد انه مد جغرافيته الى حيث يمكنه التأثير.
هل تنتهي قريبا تلك اللعبة الكبيرة التي يراد لبطلها بوتين ان يقع في المصيدة سواء الدولية او الداخلية الاوكرانية، مع انه لايمكنه التملص من علاقته التاريخية بذلك المكان الذي يشهد ماكانت عليه تلك العلاقات.
نكتب مايمكن السيطرة عليه في معركة لها ملامح البداية وقد يكون لها نهاية لكنها غير معلومة مع ان الروسي يحاذرها كيفما تقلبت الامور له او عليه ، والاميركي ينتظر سقوطه كي يعلنها على الملأ وبعدها تأتي الحسابات التي لاتنفع مع روسيا العملاق الصاعد الذي اثبت في ازمة سورية استراتيجية الخلاصات التاريخية الناضجة.
/// اوكرانيا
هي جمهورية ذات نظام رئاسي مختلط نصف برلماني ونصف رئاسي مع فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية .. يتم انتخاب الرئيس بالاقتراع الشعبي لمدة خمس سنوات وهو رأس الهرم في الدولة. البرلمان الاوكراني مكون من 450 مقعدا ويمكن الاعتراض على القوانين والاحكام الصادرة عن كل من مجلس النواب ومجلس الوزراء والمراسيم الرئاسية. كما تملك اوركانيا عدد من الاحزاب السياسية.
اما شبه جزيرة القرم فهي جمهورية ذات حكم ذاتي ضمن جمهورية اوكرانيا حيث تقع جنوب البلاد ويحيط بها البحر الاسود، مساحتها 26 الف كلمتر مربع وسكانها نحو مليوني نسمة .. اما اهم مدنها فهي العاصمة سيمفروبل .. اشتهرت سابقا لوقوع حرب القرم بها في القرن التاسع عشر وظلت ذات اهمية كبرى لاحتوائها قاعدة بحرية روسية تعد الوحيدة من نوعها في المياه الدافئة وهي مقر اسطول الروسي .. يتكون القرم من عدد من المدن الكبيرة والصغيرة اضافة الى منتجع يالطا الذي اشتهر باحتضانه اجتماعا تاريخيا عقد في نهاية الحرب العالمية الثانية اثر هزيمة المانيا 1945 وضم رئيس الولايات المتحدة روزفلت، ورئيس الاتحاد السوفياتي ستالين ورئيس زراء بريطانيا تشرشل لبحث تقاسم اوروبا.
البارز في اوكرانيا هي الازمة السكانية وقعت فيها منذ الثمانينات بسبب معدل الوفيات المرتفع ومعدل الولادات المنخفض، فتقلص عدد السكان بمقدار مائة وخسمين الف سنويا، وبذلك تمتلك اوكرانيا احد ادنى معدلات الخصوبة في العالم. لهذه الاسباب وضعت الحكومات سياسات من اجل الانجاب حيث تدفع اكثر من 12 الف هريفنا لولادة الطفل الاول و25 الف هريفنا للطفل الثاني و50 الف هريفنا للطفل الثالث.
اما الدين السائد في اوكرانيا فهو المسيحية الارثوذكسية الشرقية .. فيما يحل في المركز الثاني بفارق كبير عدد من الاتباع هي الكنيسة الاوكرانية الكاثوليكية التي تعترف بسيادة بابا روما. بالاضافة الى ذلك هنالك مايقارب الالف من الطوائف الكاثوليكية الرومانية والخمسمائة من رجال الدين يخدمون من الروم الكاثوليك. كما يكشل المسيحيون البروتستانت اكثر من مائة وخمسين الفا .. ويبلغ عدد المسلمين في اوكرانيا نصف مليون تقريبا حوالي نصفهم من تتار القرم وهنالك 487 مجتمع مسلم مسجل، بالاضافة الى ذلك هنالك مايقارب الخمسين الف مسلم يعيشون في كييف اما الجالية اليهودية فجزء كبير منها يعيش في اوديسا وفي كييف ايضا وكنا قد ابرزنا عددها التقريبي قبلا.
/// او كرانيا والفساد
منذ ان نالت اوكرانيا استقلالها عام 1990 بسقوط الاتحاد السوفياتي وهي تتخبط اقتصاديا الى ان برزت قمة الفساد فيها عندما احتدم الصراع على السلطة بين يانوكوفيتش ويوليا تيموشينكو التي قادت عام 2004 ماسمي آنذاك بالثورة البرتقالية وتمكنت ان تنال شعبية كبيرة بناء عليها، بل انها استطاعت بتحالفها مع يوشنكو ان تصل الى الحكم وان تصبح رئيسة وزراء .. لكنها لاحقا وقعت في مصيدة الفساد حين تبارت عام 2010 بينها وبين يانوكوفيتش على الرئاسة الاوكرانية فتمكن الأخير من نيل ثقة الشعب وحصل على العدد الاكبر من الاصوات، رغم انها اصرت على ان الانتخابات كانت مزورة فيما قالت الامم المتحدة انها نزيهة وصرحت يومها تيموشنكو قولها الشهير ” انه يجب حماية اوكرانيا من كارثة حكم يانوكوفيتش ” .. وبعدها حكم عليها بالفساد في مسألة الغاز الطبيعي القادم من روسيا وصدر الحكم بحبسها سبع سنوات .. اما يانوكوفيتش الذي صار رئيسا للجمهورية فقد حار فيه الاوكرانيون نتيجة البذخ المادي الذي مارسه مما يعني ايضا دخوله في مسألة الفساد حسب اقوال المعارضة، والتي على اثرها اندلعت الاحداث الأخيرة التي وقعت لما سمي اتفاق 21 فبراير 2014 حين اجتاح المحتجون المباني الحكومية والادارية وسيطروا على الشوارع مما اضطر الرئيس الاوكراني يانوكوفيتش من الاختفاء ليظهر لاحقا في مدينة روستيف اودن جنوبي روسيا.
وكان هذا الاتفاق الذي اعنلته الرئاسة الاوكرانية في ذلك التاريخ قد تم التوصل اليه بين السلطة والمعارضة والاتحاد الاوروبي وروسيا لانهاء الازمة في اوكرانيا التي شهدت مقتل العشرات آنذاك. اما بنود الاتفاق فهي ( نظرا لأهميته) :
1ـ في غضون 48 ساعة من التوقيع على الاتفاق سيتم تبني قانون خاص يعيد العمل بدستور العام 2004 بما في ذلك التعديلات التي تمت عليه بموجب القانون ويوافق الموقعون على الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية في غضون 10 ايام.
2ـ يبدأ العمل فورا بالاصلاح الدستوري وتوزيع السلطات بين الرئيس والحكومة والبرلمان على ان تستكمل هذه الاصلاحات في سبتمبر 2014.
3ـ تعقد الانتخابات الرئاسية بعد اقرار الدستور الجديد على الا يتجاوز موعدها شهر ديسمبر من العام 2014 ويتم كذلك اقرار قوانين انتخابية جديدة وتشكيل لجنة مركزية للانتخابات على اساس نسبي وبما يتوافق مع قوانين لجنة فينيسيا ومنظمة الامن والتعاون في اوروبا.
4ـاجراء تحقيق في احداث العنف الاخيرة تقوم به لجنة مشتركة تضم اعضاء من السلطة الاوكرانية والمعارضة والمجلس الاوروبي.
5ـ لن تفرض السلطات الاوكرانية حال الطواريء ويمتنع الطرفان ( الحكومة والمعارضة) عن اللجوء الى العنف، ويتبنى البرلمان قانونا للعفو يشمل الاعمال غير المشروعة ذاتها التي اقرها قانون 17 فبراير 2014 .
ونص الاتفاق كذلك على ان يبذل الطرفان مساعيهما الجادة لتطبيع الحياة في المدن والقرى عبر انسحاب المحتجين من المباني الادارية والعامة وفتح الشوارع والحدائق العامة والميادين. كما دعا الى تسليم الاسلحة غير المشروعة الى الجهات التابعة لوزارة الداخلية خلال 24 ساعة من صدور القانون الخاص المشار اليه في البند الاول من الاتفاق.
لكن شيئا من هذا لم يحصل، فلقد اندلعت الاحداث واتهم بان ثمة من أججها وهي عوامل خارجية كالعادة .. وقيل انها الولايات المتحدة وربما الاتحاد الاوروبي ايضا .. وقد سربت محادثة هاتفية دارت بين وزيرة الخارجية الاوروبية كاثرين اشتون ووزير الخارجية الاستوني أورماس بايت قال فيها الاخير ان المعارضة الاوكرانية للرئيس فيكتور يانوكوفيتش متورطة على الارجح في عمليات القنص التي شهدتها احتجاجات أوكرانيا وطالت المحتجين والشرطة على حد سواء..
لذلك خرجت العاصمة الاوكرانية كييف عن السيطرة وباتت بدون امن يحميها حيث تحولت شوارعها الى محميات تقوم بها رجال الحي انفسهم بحمايتها، فيما اصدرت المعارضة مذكرة الى الانتربول تطالبه باعتقال يانوكوفيتش. وكانت صحيفة الجيروزاليم بوست الاسرائيلية قد ذكرت بان اليهود الشباب كانوا في الخطوط الامامية للاحتجاجات ضد الرئيس الاوكراني يانوكوفيتش، مما يعني ان المياه العكرة في اوكرانيا مناسبة لعمل الموساد والمؤسسات الاسرائيلية في صفوف اليهود على كل صعيد من اجل اقناع اليهود او اجبارهم بطرق غير شرعية وغير قانونية على الهجرة وجذبهم الى اسرائيل كما كانوا يفعلون مع يهود الدول العربية عندما كانت المخابرات الاسرائيلية تلقي القنابل على اليهود الموجودين في العراق لارغامهم على المجيء الى اسرائيل. وبهذا يفتح للنقاش مسألة اليهود في اوكرانيا الذين ما ان وقعت الاحداث فيها حتى دعا حاخام الطائفة اليهودية فيها موشي روفين اسمان ابناء طائفته الى مغادرة العاصمة كييف خوفا من التعرض لهجمات معادية في ظل الفوضى التي تعيشها العاصمة، يعدما حذرت السفارة الاسرائيلية في كييف اليهود من ترك منازلهم في هذه المرحلة مشيرة الى ان على الحكومة الاوكرانية ان تتخذ كل مامن شأنه ايقاف اية هجمات على اليهود. احد الكتاب قدر عدد اليهود الموجودين في اوكرانيا حاليا بحدود 350 الفا منهم نشطاء سياسيين وكبار الاثرياء ان في اوكرانيا ام على مستوى العالم بالاضافة الى انشطة لهم ذات طابع استخباري لاسرائيل وللموساد يد طولى فيها .. اليهود في اوكرانيا لهم دور ومصلحة في التخلص من النفوذ الروسي هناك، حتى يستقر الوضع على نفوذ اوروبي مؤات لهم وهو نفوذ حلف الناتو. لكن بعض ماحصل لليهود كان مفاجئا اذ ذكرت صحيفة ” يديعوت احرونوت ” انه تم نشر صلبان معكوفة وعبارات ” الموت لليهود ” على جدران احد المعابد في سيمفيروبول عاصمة القرم .. واضافت الصحيفة ان المواطنين الاوكرانيين يتهمون اليهود بالتورط فيما يجري باوكرانيا ويحملونهم المسؤولية.
//// شيء من التاريخ:
التاريخ الاوكراني ليس عاديا اذا مافتحنا سجلاته وعدنا اليه لنقرأ فيه من جديد .. ففي القرن التاسع سكن اوكرانيا الحالية قبائل السلافية .. خلال القرن العاشر والحادي عشر اصبحت اوكرانيا الدولة الاقوى في اوروبا، مما اسس للهوية الاوكرانية وكذلك لروس كييف التي اصبحت عاصمة اوكرانيا الحديثة. لكن العصر الذهبي لروس كييف بدأ مع عهد فلاديمير الكبير في القرنين العاشر والحادي عشر، اما في عهد ابنه ياروسلاف الحكيم فقد وصلت روس كييف ذروة تطورها وقوتها العسكرية. وفي هذا التاريخ تعرضت اوكرانيا الى غزو تركي ثم مغولي في القرن الثالث عشر ادى الى تدمير كييف تماما . ولأن اوكرانيا موقع مهم للدول المحيطة، فقد جاءتها حرب مدمرة استمرت اكثر من ثلاثين سنة بين روسيا وبولندا وتركيا والقوزاق من اجل السيطرة عليها .. في نهاية تلك الحروب وقعت معاهدة بين روسيا وبولندا نجم عنها سلام دائم كما يسمونه بان ضمت اراضي كيف والقوزاق الى الحكم الروسي والاراضي الاوكرانية لبولندا.
ان مجرد قراءة في التاريخ الاوكراني سنجده مليئا بالاحداث الجسام التي ادت في معظمها الى تغيير جغرافيتها ففي عام 1768 اندلعت انتفاضة اوكرانية قادها القوزاق حيث كانت العوامل العرقية سببا رئيسيا لاعمال العنف التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من البولنديين واليهود، كما اندلعت الحرب الدينية من المجموعات الاوكرانية .. تصاعد النزاع بين الباوبيين والارثوذكس بالاضافة الى تعزيز الحدود الروسية البولندية في عهد كاترين الثانية، كل ذلك هيأ الساحة للانفجار بحيث اصبحت ممارسات البابويين اقرب الى الكنيسة الكاثوليكية بينما اقتربت الارثوذكسية في هذه المنطقة الى حد الاعتماد على الكنيسة الارثوذكسية الروسية، كما انعكس التوتر الطئفي ايضا على الولاءات السياسية البولندية والروسية .. البارز في هذا المجال، ان منطقة القرم ضمت لروسيا عام 1783، وعلى الرغم من الوعود بالاستقلال الذاتي للاوكرانيين التي قدمتها معاهدة بيرياسلاف لم تحصل النخبة الاوكرانية او القوزاق ابدا على الحريات والحكم الذاتي الذي كانوا يتوقعونه من الامبراطورية الروسية ، لكن الاوكارنيين وصلوا في حدود الامبراطورية الى اعلى المناصب في الدولة الروسية والكنيسة الارثوذكسية الروسية في فترة لاحقة اتبع النظام الروسي سياسة روسنة الارض الاوكرانية حيث منع استخدام اللغة الاوكرانية في الطباعة واما الملأ .. الجدير ذكره في هذا المجال، انه بعد وفاة ستالين عام 1953 اصبح نيكيتا خروشوف الزعيم الجديد للاتحاد السوفياتي لكونه الامين العام للحزب الشيوعي في جمهورية اوكرانيا الاشتراكية السوفياتية .. كان خروتشوف على اطلاع تام باحوالها وبعد توليه السلطة على مستوى الاتحاد بدأ بالتأكيد على الصداقة بين الشعبين الاوكراني والروسي .ز وفي عام 1954 في الذكرى 300 لمعاهدة بيريسلاف عمت الاحتفالات على نطاق واسع وعلى وجه الخصوص تم نقل القرم من الجمهورية الروسية الى الجمهورية الاوكرانية.
كان الابرز اوكرانيا هو القرن التاسع عشر حيث كانت الاراضي الاوكرانية ريفية متجاهلة الى حد كبير من قبل روسيا والنمسا مع تزايد التحضر والتحديث والاتجاه نحو القومية الثقافية المستوحاة من الرومانسية، فقد التزم الفكر الاوكراني بالنهضة الوطنية والعدالة الاجتماعية .. وقد تطورت الاحزاب القومية وتمتعت بحرية سياسية مرموقة.
لكن ما ان دخلت اوكرانيا خلال الحرب العالمية الاولى الى جانب النمسا وروسيا حتى زهق من الاوكرانيين اكثر من ثلاثة ملايين شخص. عندما انتهت الحرب بانهيار روسيا والنمسا ثم اعقبتها الثورة البولشيفية في روسيا برزت الحركة الوطنية الاوكرانية من اجل تقرير المصير من جديد فبرزت عدة دويلات اوكرانية، لكن ابرزها كان قد اصبح لاحقا عضوا مؤسسا في الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية او الاتحاد السوفياتي عام 1922 .. فكان ان شجعت موسكو الادب والفنون تحت رعاية سياسة الاكرنة التي انتهجتها القيادة الشيوعية، ثم حافظت الحكومة السوفياتية على بعض المرونة خلال العشرينات بسبب الدمار الذي حل بالمجتمع الاوكراني .. وهكذا تمتعت الثقافة واللغة الاوكرانيتان بالانتعاش حيث اصبحت سياسة الاكرنة جزءا محليا من السياسة السوفياتية الاشمل كما تعهد الروس الشيوعيون بتقديم نظام رعاية صحية ونظام ضمان اجتماعي اضافة الى الاهتمام بالتعليم فضلا عن الحق في العمل والسكن، اضافة الى اعطاء مكانة متمايزة للعمل اليدوي، لكن الذي حدث بعدها ان تبنى العمال الصناعيون اللغة والثقافة الروسية الى حد كبير.
كانت لسياسة التجميع اثرها التي انتهجها ستالين اثرها على الانتاج الزراعي حيث لم يسمح للعاملين في المزارع الجماعية بالحصول على اي من حبوب حتى يتم تحصيل الحصص التي كانت مستحيلة البلوغ، فحلت المجاعة في الاتحاد السوفياتي على نطاق واسع بين عام عامي 1932 ـ 1933 حيث مات الملايين جوعا، وحصدت تلك المجاعة اكثر من عشرة ملايين اوكراني .. بل انه في العهد الستاليني ذهب ارهاب الدولة المنظم في الثلاثينات بذخيرة اوكرانيا من الكتاب والمثقفين والمفكرين حيث تخلص الحزب الشيوعي الاوكراني من نزعته الوطنية وقد ادى ذلك الى مقتل حوالى سبعماية الف شخص منهم وهو رقم قياسي.
عندما وقعت الحرب العالمية الثانية وغزت الجيوش الالمانية الاتحاد السوفياتي عام 1941 دعيت مدينة كييف بمدينة الابطال نظرا للمقاومة الشرسة التي ابداها الجيش الاحمر فيها وكذلك السكان المحليون فقتل واسر اكثر من ستمائة الف روسي .. وعلى الرغم من اغلبية واسعة من الاوكرانيين قاتلوا الى جانب المقاومة والجيش الاحمر السوفياتي الا ان بعض العناصر القومية الاوكرانية شكلت جبهة قومية معادية للسوفيات سمي بجيش التمرد الاوكراني. عندما انجلى غبار الحرب العالمية الثانية كان الدمار قد عم اوكرانيا حيث دمرت 700 مدينة وبلدة واكثر من ثمانية وعشرين الف قرية وتدهورت الاوضاع بسبب المجاعة من جديد بسببالجفاف وانهيار البنية التحتية، لكن اكراانيا كانت اول المؤسسين في منظمة الامم المتحدة عام 1945. ومن مطلع العالم 1950 تغيرت الاحوال، واصبحت اوكرانيا السوفياتية من بين الدول الاوروبية التي احتلت الصدارة في الانتاج الصناعي، واعتمدت كمركز مهم لصناعة الاسلحة السوفياتية والبحوث ذات التكنولوجيا العالية، وكموقع هام لتخزين الاسلحة الاستراتيجية. كما تم اختيار احد ابناء اوكرانيا ليونيد بريجنيف كرئيس للاتحاد السوفياتي.
قبل انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسيعنات من القرن العشرين اعتمد البرلمان الاوكراني اعلان سيادة دولة اوكرانية وهو مبدأ تقرير المصير للامة الاوكرانية والديمقراطية والاستقلال السياسي والاقتصادي واولوية القانون الاوكراني على القانون السوفياتي .. وبعد مرحلة من التضخم والانهيار الاقتصادي نتيجة سقوط الاتحاد السوفياتي استقر الاقتصاد الاوكراني قبل نهاية التسعينات ثم تم استحداث عملة اوكرانية خاصة بعدما انفصلت عن الروبل الروسي تحت تسمية هريفنا اوكرانية .. واعتمد دستور جديد للبلاد خلال حكم الرئيس كوتشما في عام 1996 وحول هذا الدستور جمهورية اوكرانيا الى نظام نصف رئاسي وانشأ نظاما سياسيا مستقرا .. انتقد كوتشما من قبل المعارضين بسبب الفساد وتزوير الانتخابات وعدم تشجيع حرية التعبير وتركيز الكثير من السلطة في مكتبه. وفي عام 2004 اعلن فيكتور يانوكوفيتش رئيس الوزراء آنذاك فائزا في الانتخابات الرئاسية، تسببت النتائج في موجة من الغضب دعما لمرشح المعارضة يوشتشينكو الذي طعن في الانتخابات ادى ذلك الى اندلاع الثورة البرتقالية والتي وصلت بكل من يوشتشينكو ويوليا تيموشينكو الى السلطة في حين دفعت يانوكوفيتش الى المعارضة، مالبث ان عاد يانوكوفيتش الى منصب الرئاسة في عام 2006 حتى اجريت انتخابات مبكرة في ايلول/سبتمبر 2007 اعادت تيموشنيكو رئيسا للوزراء ، ثم انتخب يانوكوفيتش رئيسا عام 2010 ومن ثم على اثره اندلعت الاحداث الجارية اليوم التي لنا موقف معها.
/// عود على بدء:
اما وقد وقعت الآزمة في اوكرانيا وتفاقمت، وعود على بدء، حيث سقط قتلى وتحولت الشوارع الى منصات للقتال، وغاب على اثرها الامن، واختفى الرئيس بانوكوفيتش وتم التغيير في القيادة، فان روسيا التي تمسها الأزمة في الصميم لها ردة فعل مختلفة وهي التي تقف على جغرافية صلبة تعيش في قلب اوكرانيا، واما الاميركي، فكما قلنا هو مشغول بان تتحول اوكرانيا الى منصة له يستطيع من خلالها تخريب روسيا باشكال مختلفة، عبر عنها كيسنجر افضل تعبير، ثم الاتحاد الاوروبي الذي يغري الاوكرانيين بحياة مختلفة، فهو اعجز من ان يقدم العون لهم اذا مااحتاجوه في هذه الظروف وحتى لو تم دخول اوكرانيا في الاتحاد.
ثلاثة اذن هم من باتت تعنيهم الازمة المتفاقمة التي تطورت بسرعة واخذت اشكالا بعضها مفاجيء لكنه محسوب.
ففي لحظة التخلي التي قام بها يانوكوفيتش بدأ موالون لموسكو باحتلال مقرات حكومية في بعض المدن الاوكرانية مطالبين بالانفصال عن اوكرانيا فيما كان القرم في قبضة روسيا التي بدأت بعزل شبه الجزيرة لتبدأ حصارا عليها مع تحذير من الرئيس الروسي بوتين للغرب بعد اتصالاته مع رؤوساء دول من التصعيد كيفما كان شكله. وهنا بدأت الازمة تتخذ اشكالا مختلفة حيث هدد الاتحاد الاوروبي باعادة النظر في علاقاته مع روسيا في حين اعتبرت موسكو ان القرم كيان مستقل وانذرت الجنود الاوكرانيين فيه بالاستسلام، وكان وزير الخارجية الروسي لافروف قد اطلق تصريحات نارية ضد الغرب متهما دوله التي تلوح بفرض عقوبات على بلاده بانها تشجع المتطرفين في كييف على تجاهل مصالح روسيا، في وقت كانت روسيا قد عززت سيطرتها على القطاعات العسكرية في القرم. وفي لحظة توتر كبيرة، تم الاشعار بحصول تراجع نسبي حين أمر الرئيس بوتين بوقف تدريبات عسكرية على الحدود مع اوكرانيا واعادة حوالى 150 الف جندي روسي الى ثكناتهم وقبلت موسكو عقد اجتماع مع ممثلين للحلف الاطلسي لبحث ازمة اوكرانيا. جرى كل ذلك في الوقت الذي كان فيه الرئيس الروسي بوتين يفتح النار على السلطات الجديدة في اوكرانيا معلنا انها تضم نازيين ومعادين للسامية وانه لايرى شريكا في اوكرانيا قبل اجراء انتخابات رئاسية قانونية لاتسيطر عليها اجواء الارهاب”. هذه الاجواء التخفيفية بدا من بعيد وكأنها فتحت الباب لتوافق روسي اميركي على تنفيذ اتفاقات 21 فبراير التي سبق وبيناها. في هذا الوقت كانت السلطة الجديدة في كييف تطلق حملة ضد الاستفتاء على القرم الذي سيجري في 16 الجاري في حين تتمسك روسيا به .. اما على الجانب الآخر فرغم التخفيف النسبي للازمة، الا ان التصعيد العالي لكل من بوتين واوباما جعل الخوف على مستقبل اوكرانيا في محله وكأن هنالك قابلية لتقسيمها، الأمر الذي تنفيه روسيا التي يهمها جدا الحفاظ على وحدة اوكرانيا.
لاشك ان الازمة مفتوحة على شتى الاحتمالات، لكن الوعي الروسي لدقة الأمور واهتمامه بتفاصيلها الدقيقة، وفهمه العميق لمآلات تلك الازمة التي يرى فيها البعض مقايضة بين عودة مياهها الى مجاريها مقابل التنازل عن الموقف الروسي ازاء سورية، ويرى البعض الآخر انها تدخل اميركي سافر في الحديقة الروسية التي لاتسمح به روسيا تحت اي ظرف كان. ومهما كان فان روسيا معتادة على ازمات اوكرانيا التي ليست جديدة عليها، وان اختلف الاسلوب والشكل فتظل في جوهرها معروفة لديهم ومحسوب لها كل الحسابات قبل ان تتجدد لكي لاتتمدد كما يشتهي كيسنجر الى اعماق خطرة.

إلى الأعلى