الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : نقطة نهاية السطر.. بداية جديدة لإيران

شراع : نقطة نهاية السطر.. بداية جديدة لإيران

خميس التوبي

بإعطاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية الضوء الأخضر لدخول الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيز التنفيذ، وبتوقيع جون كيري وزير الخارجية الأميركي بتفويض من الرئيس باراك أوباما على إلغاء القوانين التي تفرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، توضع نقطة في نهاية سطر علاقات المواجهة الساخنة والمتوترة التي دامت أكثر من ثلاثة عقود، إيذانًا بفتح صفحة جديدة لعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل والتطبيع السياسي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والغرب وفي مقدمته “الشيطان الأكبر” الولايات المتحدة الأميركية.
إن هذا الاتفاق يأتي ترجمة حقيقية وعملية لمواقف السياسة الإيرانية تجاه الغرب الذي لا يعترف إلا بالأقوى، ومرآة عاكسة على عمق تمسكها بسيادتها وأمنها القومي والدفاع عن مصالحها وعدم المراهنة على ذلك، لتقدم أنموذجًا حيًّا للعالم وبخاصة العالم العربي الذي فرط ـ ولا يزال ـ يفرط في قضاياه القومية والسيادية، ويراهن على الغرب فسلمه مفاتيح قضاياه وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
إن الرهان على الغرب في صنع الحاضر والمستقبل وحل الأزمات لا تزال تداعياته الكارثية تنهال على الوطن العربي بأكمله، ويحصد العرب خيباته المتلاحقة، بل تحول إلى رماح تنحر العلاقات العربية ـ العربية والعلاقات القطرية ـ القطرية، ليكشف ما يسمى “الربيع العربي” حالة التوظيف الغربي لهذا الرهان في تمرير الغرب مشاريعه الاستعمارية والتخريبية والتدميرية لأجل خدمة مصالحه ومصالح حليفه الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني فقط، وليكشف هذا الربيع ـ بصورة لا لبس فيها ـ نجاح الغرب في ضرب الدولة العربية القومية واستحلال سيادة الدول، فاتخذ من قوى رجعية مطية لذلك من مدخل تصدير الخطر الإيراني على المنطقة وتوظيفه فزاعة، فنجح بالتالي في إبدال الخطر الصهيوني بالخطر الإيراني. وبمقتضى هذا النجاح غدَا كيان الاحتلال الصهيوني حليفًا وصديقًا وشريكًا في مواجهة الخطر الإيراني، وفي سبيل هذه الشراكة والتحالف، لا بأس أن يعربد في الأراضي الفلسطينية ويبيد الشعب الفلسطيني؛ لأنه بحسب العقلية الرجعية المتخلفة أن بالقضاء على الخطر الإيراني سيسمح تاليًا بمفاوضات سلام “حقيقية” و”شفافة” يتمخض عنها قيام دولتين “إسرائيلية وفلسطينية” تعيشان جنبًا إلى جنب في أمن وسلام وفق الاسطوانة والرؤية الأميركية، دون الانتباه إلى أنه حين تحين هذه اللحظة تكون أرض فلسطين بأكملها صهيونية والشعب الفلسطيني قد ابتلعه بحر غزة، كما يتمنى المحتل الإسرائيلي ويسعى إليه.
في الحقيقة، إن ما لا تلاحظه القوى الرجعية والمغسولة أدمغتهم بالخطر “الصفوي” و”الرافضي”، هو أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة يبذل جهودًا خارقة من أجل قضيتين استراتيجيتين بالنسبة له، وهما تأمين مصالحه في المنطقة والعالم، وتأمين بقاء كيان الاحتلال الصهيوني في قلب المنطقة قوة مهيمنة ومؤثرة. وفي سبيل هاتين القضيتين، فإن الغرب مستعد للتضحية بمن يسميهم تارة حلفاء، وتارة أخرى أصدقاء الذين هم يخدمونه الآن ويضحون من أجله بمستقبل شعوبهم، ويبددون ثرواتها تحت شعارات وعناوين فارغة، بل أخذت ترتد عليهم بلعنات وكوارث بدأت تظهر اليوم تداعياتها على خزائنهم والعض على أصابع الندم، وشد الأحزمة، والاتجاه نحو فرض الضرائب لاستعادة ضآلة ما أخذته شعوبهم من حقوقها في الثروات التي بددت وتبدد من أجل مغامرات وحماقات غير محسوبة، وخادمة للمشاريع الاستعمارية الصهيو ـ غربية.
ووفق ذلك القدر المتيقن، نجد أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة ومن أجل تينك القضيتين قد نجح نجاحًا كبيرًا في توظيف بعض العرب في مواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية والقطيعة معها من ناحية، وما تتطلبه هذه المواجهة من صفقات جديدة من أسلحة أميركية وفرنسية وبريطانية وألمانية بذريعة حماية السيادة وصد الخطر “الرافضي والصفوي” وتدخله في الشؤون الداخلية، ما يعني استمرار دوران تروس مصانع السلاح الأميركية والأوروبية، في الوقت الذي تبدأ فيه الشركات الأميركية والأوروبية جني ثمار الاتفاق النووي عبر مشاريع الاستثمار في إيران، والدخول بقوة في السوق الإيرانية. وما من شك أن الغرب بالقيادة الأميركية قد تحول إلى تبديل مسار المواجهة مع الجمهورية الإسلامية من القوة الخشنة وأساليب العقوبات والحصار والتهديد والوعيد والمواجهة، وحشد الأساطيل في البحار، والتشويه والتحريض، إلى القوة الناعمة عبر الاتفاق النووي؛ لأن الغرب لكي ينجز القضية الثانية وهي تأمين بقاء كيان الاحتلال الصهيوني بعد إنجازه قضية المصالح، سيعمل ـ دون شك ـ على ممارسة وسائل وأساليب ضاغطة تتراوح بين العمل الاستخباري والغزو الفكري والإعلامي، ومحاولة الدخول إلى العمق في المؤسسات الإيرانية، ومحاولة مساومة طهران وابتزازها للتخلي عن معاداة كيان الاحتلال الصهيوني ودعمها المقاومة، وهذا بالتأكيد ما سيتبين في السنوات اللاحقة لتطبيق الاتفاق وانفتاح العلاقات الدبلوماسية والتجارية والاقتصادية، وهذا أيضًا ما يجب أن تتحسب له الجمهورية الإسلامية الإيرانية في ظل التزامها بدعم قضية الشعب الفلسطيني والمقاومتين الفلسطينية واللبنانية.
لكن ما هو أشد مرارةً وإيلامًا، هو أنه في الوقت الذي ستبدأ فيه إيران بجني ثمار هذا الاتفاق، وتدخل ثلاثون مليار دولار في الخزينة الإيرانية بموجب تنفيذه، وتبدأ طهران بدخول السوق النفطية ـ ويقال إنها عرضت سعر عشرة دولارات للبرميل ـ كانت الأصوات النشاز والصراخ يعلوان بأن هذه التدفقات المالية الإيرانية ستذهب لدعم الإرهاب والتدخل في شؤون دول المنطقة، في حين لغة العقل والمنطق تفرض تغيير هذا الخطاب بالاعتراف بخطأ السياسات التي اتبعتها قوى في المنطقة بالانخراط في خدمة مشروع الاحتلال الصهيوني والمشروع الأميركي والغربي في المنطقة، وتبنيها المزاعم الصهيو ـ غربية، وهدر ثروات شعوب بالمنطقة من أجل ذلك. كما أن لغة العقل والمنطق بالنظر إلى الواقع، تدعو إلى التبصر ومراجعة الحسابات الخاطئة بأن إيران استطاعت أن تتأقلم مع سنوات الحصار بتنويع مصادر الدخل، والاعتماد على ذاتها، واستثمرت في الإنسان الإيراني، وبنت عقله وفكره، فكانت النتائج باهرة، سواء على الصعيد العلمي والاقتصادي والصناعي، أو على الصعيد العسكري، فالقوة الصاروخية وغزو الفضاء جاءا في ظل الحصار، بينما كان على الجانب الآخر المخدوع بالخطر “الصفوي والرافضي” يبني الحجر ويتفاخر ويتباهى به، ونسي أن ذلك من علامات الساعة (يوم القيامة)، وظن ظن الجاهلين أن النفط ثروة باقية وستواصل إدرارها عليه بالحشم والخدم والجواري والشبع بما لذَّ وطاب، ونسي أو تناسى أنه يهدر حقوق أجيال قادمة.
ولذلك، مخطئ من يعتقد أن الولايات المتحدة وعموم الغرب يعمل من أجل قضايا العرب ومصالحهم، وإنما من أجل مصالحه ومصالح وأمن حليفه الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني، وواهم من يعتقد بصدق الصراخ الصهيوني من الاتفاق النووي، وإنما هو لابتزاز الولايات المتحدة ماليًّا وتسليحيًّا، ويأتي في إطار تبادل الأدوار لجر المخدوعين بالخطر الإيراني إلى عباءة الاحتلال الصهيوني وإبقائهم تحتها كمقدمة للتطبيع.

إلى الأعلى