الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / هل حقيقة أن الحرب هي الأساس والسلام طارئ!
هل حقيقة أن الحرب هي الأساس والسلام طارئ!

هل حقيقة أن الحرب هي الأساس والسلام طارئ!

زهير ماجد

المفكر التركي عزمي مورلي: الكراهية هي الأساس أما الحب فطارئ!!
زهير ماجد:
كان المفكر التركي الأصل المقيم في سوريا عزمي مورلي يعتبر الحرب هي الأصل والسلام هو الطارئ على البشرية مستعينا بتاريخها الذي له دلالاته.. كما كان يسمي الكراهية أولا أما الحب فطارئ ايضا.
كنا نجادله، نحاول تكذيبه، أو إرغامه على القبول بعكس كلامه. كان مصرا على موقفه لا يتراجع أبدا، وكان يعطي الأمثلة ويزيد فيها ثم يقدح نظريات من روحها. ولكم خرجنا من منزله الدمشقي المرتب حسب الأناقة التركية ونحن على زعل أحيانا، فكلام من هذا القبيل استراتيجي بكل معنى الكلمة، بل انقلاب في المفاهيم حسب اعتقادنا في ذلك الوقت الذي كنا فيه في مرحلة الشباب الصغير، في وقت كان هو قد جاوز الستين من العمر.
رحل عزمي تاركا وراءه زوبعاته الفكرية وشعره الفرنسي وخصوصا كتابه “الساحر”.. فقدنا المفاهيم غير المألوفة التي كنا نسمعها منه وكان حادا فيها. سيظل يذكرنا مع الوقت بأنه كان على صواب، كلما تقدمنا في فهم المعادلات الإنسانية اكتشفنا سحر نظرياته وصدقها.. فهو لم يبنها من فراغ، بل من خلال تجربته في الحياة وفهمه العميق لها وقراءاته المتأنية في تاريخها.
بعد اختمار طويل لمقولاته، تجدني الجأ إلى فكرته أو أفكاره لكي أعبر عن معنى عميق في حياة البشرية وهو الحرب ثم السلام، ومعه الكراهية ثم الحب كما كان ينظم تلك العبارات. ولكثرة ماعشنا وشفنا، وإذا ما عدنا إلى الكتب المؤرخة لحياة الإنسان على الأرض، سيكون لدينا ان ما قاله عزمي صحيح، قد يرفض البعض هذه المقولة ويعتبرها تحريفا لتاريخ الإنسان، فيما نقول لكل أصحاب الرأي المعاكس، ان عودوا لقراءة التاريخ الإنساني ستجدون الجواب الحقيقي في متنه.
اعتقد أن من أول ملامح الحرب بين الإنسان والآخر جاءت في الصراع بين قابيل وهابيل.. بين اخوين كانا يملكان كل هذا الاتساع الذي اسمه الكرة الأرضية، وكانت لهما كل ما يحتاجانه، لكن الصراع كان غلابا، ومفهومه كان الأساس.. تصارعا حتى قتل أحدهما الآخر، حين صار وحيدا جلس يبكيه، حمل جثته ومشى بها لا يعرف أين يضعها، لم يكن اكتشاف القبور قد ساد أو عرف في تلك الأوقات الأولى من الملامح الإنسانية.
المهم في هذا الصراع أنه فتح أوليات التركيب البشري العضوي، إذ يقول الكاتب العبقري الروسي تولستوي في رائعته “الحرب والسلم” أن الصراع موجود في دم الإنسان، يمكن لنا أن نستبدل الدم بالماء كي ننهيه، لكن المرء لن يعيش، في هذه الحال يجب أن يبقى الدم حيث هو، وببقائه سوف يستمر الصراع إلى الأبد.
كان أحد أقاربي مولعا بالتاريخ حتى أنه تخصص فيه، وكان كلما قرأ كتابا منه، جاء إليّ بفكرته وفيها تعليقاته الثابتة التي يقول فيها دائما أن العديد من صفحات هذا الكتاب أو ذاك تحوي مئات والوف القتلى وعشرات المعارك.. كان يجمع أعداد القتلى والمعارك على سبيل فهم ما يجب أن يفهم من التاريخ حسب رأيه، وحسب اعتباره، فإن الدم الغزير هو صورة البشرية منذ أن حطت على الأرض. قال لي مرة “في إحدى صفحات من التاريخ الإسلامي وجدت أكثر من خمسين الف قتيل”.. وحين وصل إلى الفتن في الإسلام أعيته قراءتها فأعادها مرات ومرات كي يحفظ سطورها وتفاصيلها التي حصلت ليحكي عنها، ويصادف أننا نعيش اليوم ما يشبه الفتن، لكأن المسرح ظل على حاله فيما تغير الممثلون.. أعاد التاريخ دورته كما يقول برتراند راسل، فعادت من جديد نبضات أزمان مضت لتتدخل في شخصية العالم الحالي. كأنما التاريخ لا ينسى أن يرمي بعض تفاصيله في لحظة يختارها تكون مناسبة للمرحلة وللضرورة أحيانا.
أما أنا فكنت أيضا مولعا بالتاريخ، ومن حسن حظي أني حولت الكلمة إلى صورة، أي سافرت في معظم العالم العربي والإسلامي من أجل تتبع حضارة الإسلام وغيرها من الحضارات لعرضها على شاشة التلفزة، ولم أكتشف جديدا إذا قلت أن ما كان يلفت نظري دائما تلك الأثار المعبرة عن روح القتال والصراع عند الإنسان، فتلك القلاع والحصون لها مفاهيمها الوحيدة اهتمامها بالحرب فقط وحماية الإنسان.. نوعية حجارتها أشكالها الهندسية الخارجية، وكذلك الداخلية، ممراتها والفتحات في الجدران التي تطل على الخارج من أجل إطلاق السهام منها، ومن ثم فتحات من أجل فوهات المدافع في مراحل لاحقة. تلك التفاصيل وغيرها كانت تشدني ولا أجد لها سوى تفسير واحد هو إثبات مفهوم الصراع عند الإنسان الذي هو غريزي بالدرجة الأولى.
وكنت كلما تنقلت بين المدن الإسلامية قارئا مآبدها وما تركه المسلمون بها، اتحرق شوقا لمشاهدة آثارها، ولكم كنت مغرما بالتفاصيل المتشابهة التي تنم عن عقلية واحدة هندسها الخالق في داخل كل إنسان وهو حب البقاء الذي له أسسه في الدفاع عن الذات. وأكثر ما لفت نظري كان قلعة حلب التاريخية التي لم تكن فقط من أجل أعمال عسكرية بل كانت هندستها تشرح تلك الأفكار وأكثر، أما داخلها فكان متسعا كم احتمى فيه أناس كثر هربا من عدو قادم.. حتى أني حين كتبت تعليقا على ما رأيته فيها، قلت فيه أني كنت أسمع أصواتا في حجارتها للعالم الذي احتمى بها أو عاش بها: فهنا على سبيل المثال عاشقان التقيا وبث كل منهما لواعجه، وهناك مقاتل التقى بآخر في لحظة هجوم كانت أنفاسه على تصاعدها، وفي ذلك المكان احتمى آخرون وهم يرتجفون بعدما تم اقتحام القلعة من قبل عدو خارجي، مثلا، صار بداخلها. أفكار مر عليها الزمن، لكننا قد نشاهدها اليوم في أبشع صورها ونحن نتابع ما يجري في عالمنا وخصوصا في تنامي الإرهاب الذي هو صورة من صور الإنسان أيضا وقد رأيناه في كتب التاريخ على حقيقته.
قرأت ما فيه الكفاية عن الحروب، بعض النظريات قالت أن سببها اقتصادي، وبعضهم رأى فيها حب السيطرة على الآخر بعد اخضاعه.. وثالثة قالت إنها دوافع من أجل بذر فكرة أو دين أو رسالة… الخ… إذا تتبعنا الاسكندرالكبير في رحلته الحربية نجد مفهوم الأنا، وكذلك الحال عند نابليون الذي أراد ان يكون العالم في قبضته، ومن ثم هتلر الذي كان يفكر باحتلال العالم منذ أن كان شابا وحقق فكرته لاحقا.
تبدأ الحروب بكلمة، وأحيانا بفكرة، وأحيانا بحدث أو موقف.. كانت دائما تعتمد على المفاجأة، من يغادر مكانه لغزو فهو الرابح كما كان التفكير الذي ظل قائما ولم يتغير، تغيرت أدواته لكنه ظل مسيطرا على الحقيقة.. ألم تفعلها إسرائيل في حروبها حين اعتمدت الغزو خارج أراضيها ووصلت إلى مبتغاها في مجمل حروبها باستثناء حرب العام 2006. ألم يأت الجيش الأميركي من أقاصي بلاده البعيدة آلاف الكيلومترات ليحارب في الحرب العالمية الثانية في اليابان وغيرها، ثم لاحقا في فيتنام وقبلها في كوريا، وبعدها في أفغانستان والعراق.. ما الذي دفع هذا الجيش للمجيء بعيدا عن دياره، أليست هي الأهداف التي تحمل كل الأبعاد الإنسانية التي وجدت في ملفات التاريخ أيضا، مع أن مسمياتها اختلفت.
حروب الأمس كانت تعتمد على القوة الجسدية والمهارة في لعب السيف وفي رمي الرمح والسهم، مع أن شعوبا في التاريخ لم أعد أذكر هل هم البابليون أم الكلدانيون من استعمل لأول مرة أشكالا من الدبابات المؤلفة من خشب ومن دروع خاصة.. وعندما أدخلت الأفيال على المعارك أرهبت، ثم كانت المدافع في طلتها الأولى عملا مخيفا، ثم جاءت الحروب الكبرى في القرن العشرين عبر وسائل حديثة إلى أن أدخل الإنسان الذرة في حروبه واستعملها في اليابان فقتل في قنبلة واحدة الآلاف.
مفهوم الصراع إذن جعل الإنسان يطور آلياته العسكرية الحربية التي كانت تتجانس مع مرحلتها. لكل مرحلة سلاحها الخاص بها… فإذا اطلعنا على كل المراحل تلك وصولا إلى المرحلة الحالية نعترف بأن العقل الإنساني عاش على موهبة الدفاع عن الذات وأوجد لذلك ما يؤمن له حياته. فلقد كان أمينا بتوفير اللازم من الأمان كي يتفرغ لقضاياه الأخرى. كان الآمان إذن هاجسه، والحاجة إلى الحماية تفكيره الدائم، والخطط ضد الآخر منطقه الذي لم يتغير.
لم أجد في التاريخ الإنساني عالما خاليا من الحروب على الإطلاق إلا في مراحل قليلة.. ولقد وهب الإنسان في كلها موهبة اكتشاف ما يتناسب مع مرحلته.. السيف أولا، والبندقية اليوم. ومئات من الاختراعات الحربية التي لا تخطر على بال، وكلها من أجل الفتك بالآخر.. هذا الآخر الذي ظل لا حل له في رأي الآخر المضاد له.. وإذا آمنا بأن العنف يولد العنف، نعرف لماذا تولد الحروب أعداءها، وكيف تتحول الشعوب من لحظة تقبل الهزيمة إلى لحظات التعبير عن رفضها كأن تتراجع عن هدوئها لتبدأ رحلة العسكرة التي هي ثورات ضد الآخر الأجنبي أو العدو المحتل.
يتأكد لنا بعد كل تلك البانوراما السريعة أن الإنسان وكأنه ولد من أجل الصراع. كل ما يحيط بنا يطبق هذا المفهوم، كل ما نراه على الشاشات يقدم الدليل على ما نكتب. فهل صحت نظرية عزمي مورلي الذي كان مصرا على أن الحروب هي الأساس في رحلة الإنسان، وأن الكراهية هي الأساس أيضا، في حين أن السلام والحب طارئين حسب رأيه.
ثمة من سيعترف بصحة التاريخ لكنه لن يعترف بصحة نظرية مورلي. ربما هي التربية الفكرية التي تعترف بالنمطية وترضاها، وتكاد ترفض كل ما هو دخيل عليها أو لا يقنع أصحابها. لكن في العالم دائما أفكار جديدة تقبل الاعتراف كما القبول، وهي عرضة للنقاش والتفكير الدائم بها، فإن صحت عاشت، وإن سقطت قد تكون غريبة عن المنطق.
أما من جهتي فقد اقتنعت ولو متأخرا بأفكار مورلي.. أنا لم اقرأ فقط عن الحروب، لقد عشتها، منذ وعيي كانت أحاديث الأهل والأقارب عنها في الماضي وعما عاشوه، ثم جاء الوقت الذي عشت فيه حروبا عن بعد، إلى أن وصلت إلينا فكانت من المصائب التي تترك وراءها دائما المحن والموت والخراب. وها نحن في متن تلك الحروب، نرى آثارها، ونعيشها يوميا وكل ساعة، نرى وجوه منفذيها وآثارهم وأحقادهم وقتلهم وترويعهم وذبحهم.. نرى الإنسان في قمة تشويهه، وفي أدنى مستوياته التي قد لا تصلها الحيوانات الناطقة في البرية.
ومن جهتي أيضا، بت مقتنعا بأن الحروب في حالات ما كأنها علاج لوضع. لكنها في كل الحالات صورة عن دم الإنسان وحالات الصراع الذي يعتمل فيه ولن يتغير إبدا.

إلى الأعلى