السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : دروس من وفاء النباتات

رحاب : دروس من وفاء النباتات

**
لفت نظري أثناء زيارتي إلى مزرعة أحد المعارف أن أشجارا كثيرة صارت شاحبة وبعضها صار يابسا، فسألت القائمين على تلك المزرعة عما إذا كانت تلك الأشجار تتلقى العناية والسقي والاهتمام؟ فأكدوا لي بأنهم مستمرون في العناية بتلك الأشجار ويتعهدونها بالملاحظة والري والتقليم. فسألتهم ثانية: لماذا تشهد هذا الاحتضار الجماعي؟ فأخبروني بأن هذا حالها منذ مات صاحب المزرعة الذي كان يتنزه فيها ويجلس تحت ظلالها ويناغيها بالنظرات ويبثها المشاعر. عندما مات صاحب المزرعة صار من يعتنون بها يقومون بالرعاية المادية فقط وفقدت الأشجار التواصل العاطفي الذي كانت تحظى به. ومنذ عام أهدتنا سيدة فاضلة مجموعة من النباتات النادرة، فتقبلتها وعهدت بها إلى عامل حديقة مدرسة خاصة أشرف عليها، فاختار لها العامل مكانا جميلا في مدخل المبنى، ثم نقلها بعناية إلى أحواض مناسبة وبعد ذلك انتظم في ريها والحفاظ عليها. وبالرغم من ذلك فإن بعض تلك النباتات لم ترق لها الحياة الجديدة بعيدا عن تلك المرأة التي كانت تقوم كل صباح وتنثر محبتها عليها وتوزع أنفساها بينها وتقترب منها وتتواصل معها ذهنيا، لأنها اختارتها بذورا ثم وضعتها في أحواض خاصة واختارت لها التربة المناسبة وكانت تعاملها ككائنات رقيقة وواعية، ويبدو أنها عندما فارقت سيدتها آثر بعضها الموت في صمت لتعطي درسا جليا حول أهمية التواصل الحيوي مع كل ما يشاطرنا الحياة.
ومنذ يومين كنت في نزهة إلى جبال إحدى النيابات الجبلية، وكان تركيزي على شجرتي (الطيق) و( غيضيت) وهما شجرتان موغلتان في الزمان والمكان وتستمر حياتهما إلى مئات السنين، وخلال هذه الرحلة الطويلة استطاع ( الطيق) أن يتكيف مع المتغيرات والمستجدات البيئية، بينما بدأت أشجار( غيضيت) تموت جماعيا في أكثر الأماكن في جبال محافظة ظفار، وأفرحني جدا استمرار بعضها في الحياة والتجدد. فسألت زميلي الذي كان أكثر دراية بخصائص الأشجار البرية في المحافظة، فأخبرني بأن استمرار تلك الأشجار التي رأيتها في بعض الأماكن القريبة من تلك النيابة هو نتيجة لتفاعل سكانها مع تلك الأشجار التي تحيط ببيوتهم ويتخذونها ظلا واستراحات ويرتادها الناس باستمرار.
إن وعي الناس بمكونات الحياة الفطرية الطبيعية للبيئة من أشجار وتضاريس ومواشي وطيور من شأنه أن يحسن العلاقة بين الإنسان وبين الحياة، وهذا يجعل البيئة صديقة للإنسان. فلا يمكن أن نعزل جودة حياة الناس عن تأثيرات وعيهم بالبيئة وحبهم للأشجار وتفانيهم في خدمة البيئة. فالذوق العام المتمثل في تبجيل الطبيعة واحترامها والارتقاء بجمالها كل ذلك تجسيد لمستوى الوعي الذي يمكن اعتباره مؤشرا دلاليا على المستوى الحضاري للمجتمع.
إن النباتات تصدر أصواتا ذات معنى وتتفاعل مع كلام الناس الذين يتفاعلون معها. بل إن كل الوجود يصبح وعيا صافيا وذكاء مطلقا متى أصغينا وأنصتنا إلى صوت الطبيعة من حولنا وفي أعماقنا.
العجيب المدهش أن ينشغل الناس بإيقاع الحياة المادية وينصرفوا عن روعة المستوى السامي للحياة.
بل أن هناك مختصين ومعلمين لفنون الشفاء بالطاقة الحيوية يستمعون بكفاءة إلى الرسائل التي تصدرها الأشجار.
إنني أجزم بأن تدريب الناس على الانضباط والذوق وتنمية الوعي البيئي من شأنه أن ينقل المواطن إلى آفاق رحبة من الوعي ويحسن مستوى جودة الحياة. ولعل خير وسيلة لتعزيز هذا التوجه أن يباشر كل إنسان تدريب نفسه على اكتساب عادات الإحساس بالبعد الروحي للوجود في الأشجار وفي التناسق والنظام وفي البيئة بكل مكوناتها ليتحقق توازن الطاقة في حياتنا.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى