الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / زاوية قانونية: الأحوال الشخصية “59″ خدمة البيت

زاوية قانونية: الأحوال الشخصية “59″ خدمة البيت

تناولنا في الحلقة السابقة أن من حقوق الزوج على زوجها النفقة وهي ثابتة بالكتاب العزيز والسنة المطهرة وإجماع الأمة، وتشمل النفقة: الطعام والشراب والتطبيب، ونوضح في هذه الحلقة ـ بمشيئة الله وتوفيقه ـ رأي الفقهاء حول خدمة البيت بمعنى هل يجب على الزوجة أن تقوم بخدمة البيت كالطبخ والتنظيف أم على الزوج أن يوفر لها خادماً يخدمها؟.
ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجب على الزوجة أن تقوم بخدمة البيت إن لم تكن ممن يخدم وبالمفهوم المخالف إذا كانت الزوجة ممن تخدم فعلى الزوج أن يوفر لها من يخدمها، يقول الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في الجوهر:
وخادم يخدمها إذا كانت
عادة أهلها كذاك باتت
فإن أخذه لها وقد علم
بذاك داع لالتزامه الخدم
وذهب أكثر الفقهاء إلى: أن المرأة لا يلزمها غزل ولا طبخ ولا تغسيل الملابس، وإنما على الزوج أن يوفر لها خادماً يقوم بهذه المسؤوليات، فعليه أن يخدمها بنفسه أو من يقوم بخدمتها.
ولسماحة الشيخ العلامة/ أحمد بن حمد الخليلي كلام جميل في هذا الجانب، حيث يقول سماحته في كتابه “فتاوى النكاح”: (إن المرأة والرجل كل منهما يعمل بحسب طبعه، فالمرأة لها طبيعة والرجل له طبيعة، والمرأة لا يمكن أن تعمل الأعمال الشاقة بحيث تقوم مثلاً بالأعمال الخارجية التي فيها مشقة والتي هُيأ الرجل بأن يقوم بها، كما أن الرجل ليس مسؤوليته تربية الأولاد وطبخ الطعام وتغسيل الملابس وتنظيف البيت لأن ذلك لا يرجع إلى طبعه، فإذن لتكن المرأة مسؤولة عن الأعمال الداخلية للبيت وليكن الرجل مسؤولاً عن الأعمال الخارجية، واستُدل على ذلك بما كان عليه السلف الصالح، فإن السلف الصالح كان بينهم التعاون بين رجالهم ونسائهم، ولم تكن النساء عندهم يبقين طول الوقت يقضين سحابة نهارهن وهن في فراغ، او في عزوف عن العمل المنزلي، بل كن يبادرن إلى الأعمال ولم يكن من أحد نكير على ذلك، ولم يتهمهم أحد بأنهم ظالمون لنسائهم، وفي مقدمة ذلك بنات الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومن بينهم السيدة فاطمة التي أخبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأنها بضعة منه يؤذيه ما يؤذيها ومع ذلك تأثرت يداها من أثر الحبل بسبب حمل قربة الماء وطلبت من أبيها خادماً يخدمها، والنبي (صلى الله عليه وسلم) أحالها إلى الذكر ليكون ذلك خبيراً لها وأبقى).
وللإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في هذا الموضوع ما نص عليه في جوهر النظام:
وخدمة البيت يقال ساعة
منها لقصد بِرًه والطاعــة
أفضل من ألف من الأعوام
تعبد فيها خالق الأنـــــــام
والكل نفل غير أن الفَضْلا
مراتب لو كان ذاك نفلا
فإنه قد قيل ما عليها
تخدمـــــــه لكنـــــه إليهــــا
وأنت إن نظرت سيرة السلف
رأيتَه من اللزوم مزدلف
مضى زمان الفضل فيه الرجل
وزوجه والكل منهم يعمل
والشرع قد حرض كل واحد
على القيام وعلى التعاضد
ولم يفصل بين ما يلزمها
من خدمة البيت ولا يلزمها
ولم يقل عليه أن يخدمها
أو يطبخن عنها لكي يكرمها
وفي الكتاب الأمر بالتعاون
في البر والتقوى على المعاون
وهذا الذي ينبغي أن تكون عليه البيوت، لأن الحياة الزوجية حياة تعاونية، ولا تتحقق المودة والانسجام بين الزوجين إلا إذا كان هناك تعاون وتكاتف فالرجل يعمل ويكد خارج البيت ليوفر لقمة العيش لأسرته والمرأة تهيئ لهذه الأسرة سبل الراحة من خلال القيام بشؤون البيت وبذلك تسعد الأسرة ويكتنفها الحب والحنان والمودة والرحمة. ومع أن قانون الأحوال الشخصية لم ينص على ذلك صراحة إلا أني أحسب أن ذلك يدخل في نص الفقرة الثانية والمادة (44) من القانون (وكل ما به مقومات حياة الانسان حسب العرف).
فقد أفاد هذا النص أن العرف محكم، والعرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول، فيثبت الحكم بالعرف ما لم يوجد نص شرعي يخالفه، فإن كان العرف يقتضي توفير من يخدم الزوجة فالزوج ملزم بذلك.
.. وللحديث بقية.

د/محمد بن عبدا لله الهاشمي
قاضي المحكمة العليا
ـ رئيس محكمة الاستئناف بإبراء
alghubra22@gmail.com

إلى الأعلى