الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / أسعار النفط .. بين السياسة والاقتصاد

أسعار النفط .. بين السياسة والاقتصاد

السيد عبد العليم

النفط نعمة من نعم الله سبحانه على بني البشر يجب أن يحسنوا استغلالها. وهو سلعة اقتصادية يجب استخدامها على الوجه المطلوب بان تكون احد مصادر الدخل للبلدان المصدرة لها وتستفيد من ايراداتها في تنمية وتطوير مجتمعاتها. هذا ما يجب أن يكون. لكن للاسف، فقد تحول النفط في الآونة الأخيرة ليستخدم كسلاح وليس سلعة تجارية، بأن باتت بعض البلدان تستخدمه كوسيلة في صراعاتها السياسية.

الوضع الطبيعي لأي سلعة هو أن يتحكم في سعرها قواعد السوق المتمثلة في العرض والطلب. اي كلما زاد العرض، قل السعر والعكس. والسوق العالمي الان يشهد تخمة من المعروض من الخام. وهناك البلدان المصدرة للنفط والتي تتزعمها منظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبك) والتي عليها تحديد الكميات المعروضة من خلال المراقبة الدقيقة لأحوال السوق وسعر السلعة وتلك هي المهمة التي قامت على أساسها المنظمة. لكن المتابع لسوق النفط حاليا، يرى ان اوبك في حالة غيبوبة. اذ يجتمع وزراؤها من وقت لآخر، دون اتخاذ اية اجراءات تهدف الى خفض انتاج اعضائها من اجل تقليل المعروض ومن ثم رفع السعر حتى يصل الى السعر المناسب او المستهدف. لكنها بدلا من ذلك تعمل على الحفاظ على ما يعرف بحصتها السوقية في ظل وجود منافسين آخرين سواء من خارج اوبك او عن طريق الانتاج غير التقليدي للخام من قبيل الزيت الصخري والنفط الحيوي وغير ذلك. اي الحفاظ على الحصة السوقية على حساب السعر والايرادات، وكأن هذا الخام لا ينفد وبالتالي لا تتم هنا مراعاة نصيب الأجيال المستقبلية من تلك السلعة القابلة للنفاد.
كما ان هناك اعضاء في اوبك يستخدمون النفط كسلاح يشهرونه في وجه خصومهم. فهناك الصراع المستعر بين روسيا والغرب بشأن قضايا كثيرة يأتي في مقدمتها تمدد حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقا حتى صار يلامس الحدود الروسية. وكما هو معلوم فالناتو قائم في الأساس لمواجهة روسيا. وكما كانت سياسة الاحتواء قبل عقود هي نمط السياسة الدولية بين القوتين العظميين في ذلك الوقت، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، والتي كانت تقوم على اقامة الولايات المتحدة قواعد عسكرية في بلدان قريبة من الاتحاد السوفييتي بغية تطويقه، صار الوضع عبر توسع الناتو شرقا مواجهة مباشرة مع روسيا في الآونة الاخيرة وذلك بعدما دخلت بلدان كانت تدور في الفلك السوفييتي بل كانت أجزاء منه في حلف الناتو الخصم. وجاء الصراع في اوكرانيا وشبه جزيرة القرم ليظهر الى أي مدى وصل الصراع بين الحلف وروسيا. وعمل الغرب على استعمال سلاح النفط من خلال حلفائه في اوبك على ضرب الاقتصاد الروسي الذي يعتمد على النفط بشكل كبير. ثم جاء تفاقم الأوضاع في سوريا بدخول عدد من الأطراف العربية والإقليمية والدولية على حلبة الصراع فيها بدلا من السعي الى الوساطة والتوفيق والتوصل الى حل يحقن دماء السوريين. فكانت المملكة العربية السعودية واميركا والغرب في جانب من الصراع، وروسيا وايران (النفطيتين) في جانب اخر. وهنا يجري استخدام سلاح النفط من قبل السعودية وغيرها من أعضاء أوبك ضد ايران وروسيا. وهناك أيضا الصراع في اليمن والذي تنخرط فيه السعودية وايران. فيتم العمل على ترك أسعار النفط تتراجع بهذا الشكل دون السعي الى اتخاذ أي اجراء لوقف هذا الانهيار في سعره. وربما يرى البعض ان السعودية والإمارات على سبيل المثال تضررتا من انخفاض أسعار النفط. وبالفعل فقد تضررتا لكن تضررهما أقل بكثير من غيرهما، فقد فرضت السعودية على سبيل المثال أنواعا جديدة من الضرائب ورفعت اسعار المحروقات وأعلنت عن عجز بمقدار ٨٦ مليار دولار في الميزانية. لكن الامر هنا هو عض الاصابع. فهاتان البلدان لديهما احتياطيات مالية ضخمة في صناديق احتياطي سيادية تسمح لهما بسد العجز المالي لديهما. فقد أعلن وزير الاقتصاد الإماراتي سلطان المنصوري في أكتوبر الماضي أن الاحتياطات المالية الضخمة التي جمعتها بلاده طوال السنوات الماضية والتي استثمرتها في صناديق مالية في الخارج سمحت لها بتعويض تراجع عائداتها النفطية. كما تعتزم السعودية انشاء صندوق سيادي جديد. وفي حين تعاني روسيا من عجز مالي، فان إيران ايضا تعاني من عجز مالي جراء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بما فيها حظر تصدير النفط. لكن مع الاستعداد لرفع الحظر، فإن إيران يمكن أن تنافس السعودية في إغراق الأسواق بالنفط. واذا كانت إيران عاشت سنوات طويلة بدون ايرادات نفطية وعملت على تنويع مواردها الاقتصادية خلال سنوات العقوبات فسوف ترد على استخدام النفط كسلاح وتقوم باغراق الاسواق ليزداد سعره انخفاضا. اعمالا بمقولة»علي وعلى أعدائي. والبادي أظلم».
وبالطبع هناك كثير من البلدان التي ليست طرفا في تلك التجاذبات السياسية تتعرض مواردها المالية وبالتالي ميزانيتها لحالات من العجز الكبير جراء ما يمكن وصفه بحرب اسعار النفط. كما ان هناك عوامل اخرى تفاقم من اوضاع أسعار النفط وتزيد من تراجعها وربما انهيارها.
دور البلدان الأعضاء في منظمة أوبك والتي تنتج نحو 36% من المعروض النفطي العالمي بحصة تبلغ نحو 36 مليون برميل يوميًا، الأمر الذي يمنحها القدرة على أن تكون المنتج المرجح في أسواق النفط العالمية حال قرر ذلك. أي أن أوبك لديها ما يكفي من الطاقة الإنتاجية الفائضة التي تمكنها بسهولة من زيادة أو خفض المعروض من النفط للتأثير على سعره.
غير أنه جراء ارتفاع السعر المستهدف من نطاق يتراوح بين 25 -35 دولارًا للبرميل إلى نطاق يتراوح بين 100 – 110 دولارات للبرميل وارتفاع الإنتاج غير التقليدي للنفط الصخري والنفط الحيوي، واجهت حصة أوبك من المعروض النفطي العالمي خطر التناقص المطرد. ولوقف المزيد من الخسائر في الحصة السوقية، بدأ العديد من البلدان الأعضاء في منظمة أوبك في الربع الثالث من 2014 في تقديم خصومات للبلدان الآسيوية المستوردة للنفط، مما يشير إلى نوايا أوبك في التخلي عن استهداف السعر. وفي اجتماعها في نوفمبر 2014، أبقت أوبك على حصص الإنتاج التي تم الاتفاق عليها في ديسمبر 2011 دون تغيير. وفي اجتماعها مطلع ديسمبر الماضي ابقت المنظمة على مستويات الانتاج الرسمية الحالية(32 مليون برميل يوميا) مع رفض أعضاء(خليجيين بشكل خاص) دعوة أعضاء آخرين بخفض الانتاج، مما يعني أنها لن تكون بمثابة منتج النفط المرجح.
بل ان بعض أعضاء أوبك يتجاوزون حصصهم الإنتاجية وفاقم ذلك قرار أوبك الخاطئ بعدم خفض الإنتاج مليوني برميل يوميا على الأقل لامتصاص فائض السوق. فلو فعلت ذلك ـ كما يرى بعض خبراء النفط ـ لانضمت روسيا والمكسيك إليها وخفضتا إنتاجهما 500 ألف و300 ألف برميل يوميا على التوالي، وهي كمية تكفي لامتصاص الفائض وتحقيق الاستقرار في أسعار النفط. فلن تخفض روسيا وغيرها من المنتجين خارج أوبك إنتاجهم دون ان تشجعهم اوبك على ذلك بان تبادر هي بتخفيض حصتها. ولم يفت الأوان بعد لتغير أوبك قرارها السابق وتخفض الإنتاج. وان كان هذا الامر يبدو مستبعدا في ظل الصراعات والتجاذبات السياسية المتصاعدة والمتلاحقة.
علما بان التوترات السياسية بين اي من البلدان المنتجة للنفط ، كانت تؤدي الى تكدر المزاج العام لسوق الخام ومن ثم رفع سعره. بيد أنه منذ منتصف عام 2014، أصبح واضحًا أن الصراعات في الشرق الأوسط وشرق أوروبا لم تعد تؤثر بشكل كبير على المعروض النفطي كما كان متوقعا. فرغم الصراع الداخلي في ليبيا، فقد أضافت 500 ألف برميل يوميا للإنتاج في الربع الثالث من 2014، وعلى الرغم من المعارك بين القوات العراقية وتنظيم الدولة (داعش) في العراق، لم يتعطل انتاج النفط ويستمر العراق في زيادة حصته، حيث اعلن عن عزمه تصدير نحو 3.4 مليون برميل يوميا من خام البصرة من مرافئه الجنوبية مع بداية العام الجاري. كما لم يكن للعقوبات والعقوبات المضادة المفروضة بعد يونيو 2014 نتيجة الصراع بين روسيا وأوكرانيا أي تأثير يُذكر على أسواق الطاقة الأوروبية. كما كانت إيران في طريقها لتصدير 1.26 مليون برميل يوميا من الخام الشهر الماضي. مما يمهد الطريق أمام إيران لزيادة صادراتها بمقدار 700 ألف برميل يوميا بحلول نهاية 2016. بل ان هناك مؤشرات على وجود 30 مليون برميل من النفط الايراني محملة في مياه الخليج تنتظر رفع العقوبات الاقتصادية، والتي تم الاتفاق على رفعها السبت 16 يناير الجاري، لتتحرك الى الاسواق. الامر الذي قد يدفع الى مزيد من تراجع أسعار الخام.
كما كان لإنتاج النفط الصخري الأميركي الذي أدى الى وفرة نفطية في الولايات المتحدة التي كانت تعد أكبر المستهلكين للخام نصيبه في زيادة المعروض وبالتالي خفض الأسعار. كما أقر مجلس الشيوخ الأميركي مؤخرا رفع حظر تصدير النفط المفروض منذ 40 سنة.
فضلا عن أن تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين والاتحاد الاوروبي أدى إلى تراجع الطلب على النفط الخام. ومع تراجع اسعار النفط سيئودي ذلك بالتبعة الى تقلص الاستثمارات العالمية في كثير من قطاعات الاقتصاد العالمي، ولا سيما قطاعي النفط والطاقة. والتحدي الآخر هو الإضرار المستمر بصناعة النفط العالمية. وبالفعل فقد شرعت كبرى شركات النفط العالمية في بيع بعض أصولها الإنتاجية وخفض استثماراتها المستقبلية، الأمر الذي سيظهر في غضون سنتين في تراجع حصتها في إنتاج النفط العالمي. واعلنت وود ماكنزي لاستشارات الطاقة أنه تم تأجيل أو إلغاء مشاريع في قطاع النفط والغاز بقيمة 380 مليار دولار منذ 2014، في الوقت الذي تخفض فيه الشركات التكاليف لتجاوز ازمة اسعار النفط، وشمل ذلك مشروعات بقيمة 170 مليار دولار كان من المخطط تنفيذها ما بين 2016 و2020. زد على ذلك ان اغلب التوقعات بالنسبة للنمو الاقتصادي العالمي غير متفائلة وتجمع على تراجع معدل نموه.
والعنصر الأهم في هذا الصدد، هو ان انخفاض اسعار النفط وبالتالي انخفاض عائدات البلدان المصدرة له سيترتب عليه بالضرورة اتخاذ اجراءات ترشيد انفاق ووقف عدد من المشروعات المقرر تنفيذها في مجالات مختلفة ومن ثم وقف استيراد المعدات الصناعية والادوات المطلوبة لتك المشروعات من البلدان المصدرة لها والتي هي في الغالب البلدان المستوردة للنفط، مما يترتب عليه مزيد من تباطؤ النمو الاقتصادي لديها ليصب في النهاية في تراجع معدل النمو الاقتصادي العالمي الذي يمثل قاطرة بالنسبة لأسعار النفط وغيرها من السلع والمواد الخام.
كما كان لسعر الدولار دوره في تراجع اسعار النفط، فمنذ يونيو 2014 ارتفع سعر الدولار بما يزيد على 15 بالمائة مقابل العملات الرئيسية بالقيمة المرجحة بأوزان التجارة. وعادة ما يؤدي ارتفاع سعر الدولار على نطاق واسع إلى ارتفاع تكلفة النفط بالعملة المحلية في البلدان التي تستخدم عملات غير مربوطة بالدولار، مما يؤدي إلى ضعف الطلب في هذه البلدان. ويؤدي ذلك أيضا إلى زيادة المعروض من البلدان المنتجة التي تستخدم عملات أخرى بخلاف الدولار، مثل روسيا، والتي تقَوم تكاليف مدخلاتها غالبا بالعملات المحلية.
فضلا عن ذلك فإن هناك توقعات بأن ينصب التركيز المستقبلي في مجال الطاقة على الغاز وليس على النفط ليتراجع دور السعودية وغيرها من منتجي النفط لصالح روسيا وقطر والجزائر المنتجين الكبار للغاز. وثمة توقعات تذهب الى ان اسعار النفط يمكن ان تصل الى ١٠ دولارات للبرميل حسبما نشرت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية مؤخرا بناء على تحذيرات عدد من البنوك العالمية من بينها مورجان ستانلي وجولدمان ساكس وار بي اس وستاندرد تشارترد.
وبالتالي فان المطلوب لمواجهة تحديات المرحلة، لاسيما من قبل بلدان المنطقة، هو ان تعمل تلك البلدان جاهدة على تخفيف حدة التوترات وليس زيادتها. وان تسعى بشكل جدي الى التوصل الى تسويات في مناطق الصراع عبر الحوار السلمي وليس عبر الحسم العسكري الذي ثبت فشله حتى الان. واخراج خام النفط من الصراعات السياسية. وأن تقرر اوبك خفض حصتها لانه بمنطق العقل البسيط اذا كنت تحصل على الف دولار مقابل خمسين وحدة من سلعة ما، فلماذا تبيع 100 وحدة او اكثر من نفس السلعة بنفس تلك القيمة؟ أما حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه الآن، فان ذلك يعني استمرار تراجع أسعار الخام لفترة من الزمن، وعدم معاودته الارتفاع قريبا في ظل تداخل العوامل السياسية. اما من الناحية الاقتصادية، فان استمرار تراجع اسعار النفط يعني انخفاض كبير في هامش الربح للشركات العاملة في قطاع النفط، بل وخسارة بعضها. ومرد ذلك أن هناك تفاوتا كبيرا في كلفة استخراج النفط حسب النوع نفط خام طبيعي ام نفط صخري ام وقود حيوي. كما أن كلفة استخراج النفط الخام تختلف حسب موطن استخراجه من البحر بحسب الأعماق أو من البر حسب نوع التربة والعمق وغير ذلك. مما يدفع بعدد من الشركات النفطية الى تقليص النفقات بوقف مشروعات قائمة او الغاء مشروعات استكشاف واستخراج مستقبلية، مما يعني في النهاية خروج حصة انتاجية من السوق ومن ثم ينخفض الانتاج وتتجه الاسعار الى الارتفاع لتبدأ دورة اقتصادية جديدة.

مترجم وباحث سياسي
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى