الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع :سياسة عمانية الواقع يتحدث عنها

شراع :سياسة عمانية الواقع يتحدث عنها

خميس التوبي

لعل الإنجاز الأكثر بروزًا للنهضة المباركة، أنها ـ ومن يومها الأول ـ استهدفت الإنسان العماني بإعادة صياغة تكوينه العقلي والنفسي بالعلم والتعليم والثقافة، وتحقيق رفاهيته وأمنه واستقراره، وربط حاضره بمآثر تراثه التليد كحلقة جديدة تضاف إلى سلسلة موغلة في القدم من الإشراقات والإبداعات العمانية، وتجلية الجوانب الإيجابية في الشخصية العمانية التي ران عليها صدأ الجمود والتخلف لفترة من الزمن، ثم استثارة فاعلية هذا الإنسان بعد تعليمه وتدريبه وتأهيله، ليتواصل مع برامج التنمية الشاملة لكل جوانب الحياة سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، ويصبح أداة فاعلة لإحداث المزيد من التنمية عبر برامجها وخططها الخمسية المتوالية.
لكن هذا المؤشر ما كان له أن يتحقق لولا يقظة الضمير والإبداع وبُعد النظرة والوعي بحاجات الإنسان وتطلعاته إلى غد أفضل، وهذا ما تمثل في شخص حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه. فالضمير اليقظ والعقل الواعي لجلالته المتحفزان للتغيير نحو الأفضل كانا منذ البداية واعييْنِ بمفاهيم العدالة والتنمية والمساواة والشراكة والسلام والاستقرار وحتميتها حتى يسوس أمة مترابطة متماسكة حريصة على تطوير حاضرها ومستقبلها، وفي نفس الوقت لا تنبت عن تراثها الحضاري المنقول.
إن خدمة الإنسانية من خلال مجموعة من المراحل التعليمية والتدريبية والتأهيلية، ومجموعة من البرامج التنموية والاقتصادية والتعليمية وتوظيف مقدراتها وطاقاتها وثرواتها توظيفًا سليمًا، بل إن الاهتمام بكل ما هو إنساني لا يزال حالة استثنائية في فكر جلالة السلطان وفلسفة قيادته، انطلاقًا من أن الإنسان منبع الخير إذا ما سيس سياسة صحيحة وصادقة، وأحيط بكل ما يحتاجه، وحوفظ على سلامته البدنية والنفسية والعقلية، وصين من الأفكار الهدامة والمعتقدات الشاذة، وأُطر وعيه وفكره وعقله بإطار الإسلام الصحيح وعقيدته السليمة، وإيمانًا بأن الإنسان أوكلت إليه مسؤولية عظيمة في الأرض لإعمارها بالتنمية وبالنسل، وليس بهدمها وتدميرها بالحروب والفتن والاقتتال الطائفي والمذهبي.
ليس هناك اليوم ما يتهدد الإنسانية والتنمية ويهدد الحياة بأسرها أكثر من الحروب والفتن الطائفية والمذهبية والكراهيات والأحقاد والتدخلات الخارجية التي تتأبط تلك الحروب والفتن، وما من سبيل إلى الخروج منها والسلامة من نتائجها إلا بسد الذرائع وتحصين النفس والاهتمام بالفرد فكرًا وثقافةً وتعليمًا وغير ذلك، ليكون فردًا إيجابيًّا.
وحين شرع حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في صياغة آفاق النهضة المباركة بادئًا عصرًا جديدًا في التاريخ العماني تتذاكره الأجيال اللاحقة، أقام نهجًا سياسيًّا حكيمًا يوازن بين الداخل والخارج، ويؤكد على الثوابت الوطنية، ويعمق مبدأ الشراكة، ويرتكز على إرث حضاري عماني ضارب بجذوره في أعماق التاريخ، دللت عليه تلك المقولة الشهيرة الصادرة من أصدق البشر وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم “لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك وما ضربوك”.
هذا النهج السياسي الحكيم لا نبالغ إذا قلنا إنه يعد مفخرة لكل عماني أينما حل وارتحل، ومنبع الفخر من حيث حرصه على إبقاء حالة الوعي واليقظة لدى المواطن العماني من خلال تعميق مفهوم الانتماء والوطنية، وتأصيل قيم التسامح وقبول الآخر والتمسك بالموروث الحضاري المستمد قيمه ومبادئه من الدين الحنيف. ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته بخصوصية العقيدة للسياسة العمانية التي على رأسها جلالة السلطان المعظم ورجال حكومته الأمناء على هذه السياسة وفي طليعتهم صاحب السمو السيد فهد بن محمود نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء ومعالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، وأبناء عُمان الأوفياء والعقلاء.
لقد تعرضت السياسة العمانية لمحطات ومحكات عديدة وصعبة وخطيرة، إلا أنها بفضل الوعي والحكمة واليقظة وحسن التعامل بهدوء ومنطق، وبعيدًا عن الضوضاء والدعايات الإعلامية، الأمر الذي أعطاها شهادة تقدير لنجاحها في تجاوز تلك المحطات والمحكات والنجاح في معالجتها، ولعل واقع الاتفاق النووي الموقع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والغرب ممثلًا في مجموعة “5+1″ هو من يتحدث عن مصداقية السياسة العمانية وحكمتها وبُعد رؤيتها بالنظر إلى ما سيجلبه هذا الاتفاق إلى المنطقة والعالم من استقرار وتنمية بعدما كانت على شفا حرب طاحنة لن يسلم منها الجميع وفي مقدمتهم أولئك المتحمسون والمأجورون والمتاجرون بالحروب. شهادة تقدير واحترام جديدة يعلقها العالم الحر على صدر السلطنة اعترافًا بدورها الإنساني والحضاري.

إلى الأعلى