الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المشهد السياسي اللبناني بعد ترشيح جعجع لعون

المشهد السياسي اللبناني بعد ترشيح جعجع لعون

السيد عبد العليم

”نظر جعجع إلى سنواته العشر في تحالفه مع الحريري، ثم وقف مع نفسه وتساءل عما جناه من هذا التحالف. ليجد نفسه لم يحصل على شيء يذكر وكان الحريري يتخلى عنه في كثير من الحالات. وبلغ السيل الزبى بترشيح الحريري لفرنجية للرئاسة بدلا من جعجع الذي كان قد اعلن ترشحه للمنصب ثم انسحب. فرأى جعجع ان الحريري حطم تحالف 14 آذار بدعمه فرنجية.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهد المشهد السياسي اللبناني مساء الاثنين الماضي مفاجأة من العيار الثقيل، تمثلت في اعلان سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية أحد أركان تحالف قوى 14 آذار (مارس) تبني ترشيح العماد ميشال عون رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” وزعيم التيار الوطني الحر لمنصب رئيس الجمهورية، ودعا جعجع القوى الحليفة في 14 اذار إلى تبني هذا الترشيح.
وكانت قوى 14 آذار اعلنت عقب انتهاء ولاية الرئيس العماد ميشال سليمان دعمها لترشيح جعجع، فيما رشحت قوى 8 آذار ميشال عون. ويعتبر تأييد جعجع لترشيح عون مفاجئا خاصة انهما ينتميان إلى فريقين متنافسين، وهما اللذان تواجها في معارك عسكرية عنيفة اواخر الحرب الاهلية اللبنانية (1975-1990). وبعد توصل الاطراف اللبنانية إلى اتفاق الطائف الذي انهى الحرب الاهلية اجبر ميشال عون على البقاء في المنفى في فرنسا 15 عاما، فيما دخل جعجع في عام 1994 السجن ليطلق سراحه في عام 2005 مع خروج الجيش السوري من لبنان.
وكان سعد الحريري رئيس الوزراء الأسبق ورئيس تيار المستقبل احد اركان تحالف 14 آذار قد أعلن قبل أشهر عن ترشيح سليمان فرنجيه رئيس تيار المردة للرئاسة اللبنانية. ليأتي اعلان جعجع تبني ترشيح عون بمثابة انشقاق على الحريري والائتلاف الذي يحظى بدعم من الغرب والمملكة العربية السعودية، في حين ان عون حليف لحزب الله.
ويحاول عدد من المحللين البحث في دوافع جعجع لهذا الانقلاب السياسي الكبير الذي احدثه من خلال التساؤل عن الجهة الإقليمية أو الدولية التي دفعت جعجع إلى اعلان ترشيحه عون للرئاسة. ويحاول البعض الاجتهاد بأن جعجع قرأ الأوضاع المحلية والمتغيرات الاقليمية والدولية، فقام بذلك دون وجود اي جهة خارجية محركة له.
فعلى الصعيد الداخلي، نظر جعجع إلى سنواته العشر في تحالفه مع الحريري، ثم وقف مع نفسه وتساءل عما جناه من هذا التحالف. ليجد نفسه لم يحصل على شيء يذكر وكان الحريري يتخلى عنه في كثير من الحالات. وبلغ السيل الزبى بترشيح الحريري لفرنجية للرئاسة بدلا من جعجع الذي كان قد اعلن ترشحه للمنصب ثم انسحب. فرأى جعجع ان الحريري حطم تحالف 14 آذار بدعمه فرنجية.
أما على صعيد الجوار، فقد رأى جعجع بوضوح أن الرهان على الإطاحة بالرئيس السوري بشار الاسد هو رهان خاسر لا سيما بعد التدخل الروسي المباشر لصالح بشار. وعلى الصعيد الاقليمي، رأى نجاح ايران وقوتها بعد الاتفاق النووي الاخير لها مع الغرب.
ولعل رئيس حزب القوات يرى أن خطوة ترشيحه عون إلى الرئاسة هي محاولة لتعزيز وضعه في الساحة السياسية المسيحية ومحاولة لمحو الصورة السلبية له لدوره في الحرب الأهلية اللبنانية. وايضا لإدراكه الواضح لتداعيات الجمود السياسي الذي يمر به البلد بسبب الفراغ الرئاسي والمخاطر التي تحيط بلبنان والجوار والمنطقة ومحاولات اعادة صياغة خارطة جديدة للمنطقة.
وفي المحصلة فإن جعجع بات لاعباً اساسيا في المشهد السياسي اللبناني، بعدما ظل هامشيًّا طوال عشر سنوات. وربما كان الرابح الاكبر في هذا الاعلان. وثمة من يرى أن أي تحالف بين التيار الوطني والكتائب يمكن أن يفوز بغالبية المقاعد المسيحية، حتى ولو أجريت الانتخابات وفق أسوأ قانون انتخابي (قانون الستين مثلاً).
لكن يبقى هذا الامر غير مؤكد في ظل عدم معرفة ما اذا كان ترشيح جعجع لعون سيؤمن النصاب القانوني في المجلس لعقد جلسة انتخاب رئيس تتطلب حضور ثلثي اعضاء مجلس النواب أي 86 من اصل 128 عضوا.
وعقد مجلس النواب اللبناني 34 جلسة نيابية لانتخاب رئيس للجمهورية منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان في 25 مايو 2014، ولم يتمكن من توفير النصاب القانوني. وذلك جراء الانقسام الكبير بين القوتين الكبيرتين: قوى 14 آذار، وقوى 8 آذار.
وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري أرجأ جلسة مجلس النواب التي كانت مقررة لانتخاب رئيس الجمهورية إلى الثامن من فبراير المقبل. وذكر مصدر رسمي لبناني أن بري أرجأ الجلسة الـ34 لانتخاب رئيس الجمهورية، بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني لانعقاد الجلسة حيث حضر إلى المجلس 36 نائبا. وبذلك تكون الجلسة المقبلة هي الجلسة الخامسة والثلاثين لانتخاب الرئيس.
وسوف تستمر الساحة السياسية اللبنانية في التفاعل مع اصداء هذا التطور الأخير في موقف سمير جعجع. لتثار الأسئلة والتوقعات فيما اذا كان ذلك يمكن ان يذيب الجمود في الوضع السياسي اللبناني ويمهد الطريق امام ملأ فراغ قصر بعبدة، ام انه سيزيد الانقسام انقساما ويتعقد المشهد ليستمر الفراغ الرئاسي والدستوري اللبناني؟

إلى الأعلى