الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / القيم وصناعة البدائل

القيم وصناعة البدائل

في ظل المعطيات الناتجة عن انخفاض أسعار النفط، والخطط والإجراءات التي اتخذتها الدولة لتعزيز الموازنة بما يسهم في تقليل حجم الإنفاق وتوفير فرص الاستثمار وبناء خيارات متعددة في سبيل تكوين فرص أكبر لتمكين القدرات الوطنية؛ ومن منطلق دور البُعد القيمي والأخلاقي في ترسيخ عادات اقتصادية نوعية في التعامل مع هذه الإجراءات والتفاعل معها، فإن في تشريعات الإسلام ومبادئه العظيمة ما يرسم الطريق ويحدد المسار في التعامل مع الوضع المالي في ظل منظومة قيمية متوازنة قادرة على صناعة بدائل جديدة تنسجم مع الواقع وتتعايش مع متطلباته، وترسيخ قيم السلوك الصحيح في قراءة الأوضاع المالية والمسارات الصحيحة التي يجب أن يعيها المواطن في تعامله مع قضاياه اليومية، وما يرتبط بذلك من تأكيد سلوك الأمانة والصدق والشفافية في المحافظة على المال العام والخاص واحترام المسؤوليات وتوجيه الممارسات المالية وفق أطر صحيحة وفي مواطن معلومة وتعميق الرقابة الذاتية ومنع التبذير والإسراف، فإنه أيضا فتح باب الكسب الحلال والسعي في الأرض وكسب الرزق وحدد طرق الكسب والبيع والشراء والادخار، وفتح أبواب عديدة في الاستثمار والصدقة والوقف، بما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي وترسيخ مفاهيم الاعتدال في حياة الإنسان اليومية.
إن الانطلاقة من الإطار القيمي في صناعة بدائل قادمة في التعامل مع الوضع المالي؛ سوف يوفر إنجازات نوعية على المستوى الشخصي والمؤسسي والمجتمعي والوطني، ويعمق في ذات الأفراد فرص البحث عن بدائل استثمارية نوعية وأنماط مختلفة في الاستفادة من الموارد المتاحة وتوجيه نواتجها لصالح استدامة التنمية الوطنية وإيجاد فرص الاستفادة منها للأجيال القادمة، وبالتالي ما يمكن أن توفره المنظومة القيمية والأخلاقية من خيارات متعددة تعمل على تعزيز الدعم الاجتماعي في سبيل ترسيخ أنماط سلوكية وممارسات إيجابية تتناغم مع خطط الدولة واجراءات المؤسسات في التعامل مع الوضع المالي والمسؤولية الاجتماعية المترتبة على ذلك، وتنسجم مع موجهات عمل الموازنة العامة للدولة، في إطار بناء منهجيات حياة وأساليب عمل وسلوك يرتبط بتوجيه الممارسات وتصحيح السلوكيات وتعميق جوانب الشعور بالمسؤولية وضبط السلوكيات التي تتعارض مع منظومة القيم الصحيحة أو التي تنحرف عن المسار المرسوم لها، بحيث تنطلق من منظومة القيم عمليات التوعية والتثقيف والتعريف بالمسؤوليات ومفاهيم الوعي في سبيل ترسيخ قناعات إيجابية لدى المواطن بشأن الاستهلاك والاعتدال في الانفاق والاعتماد على النفس والاستغلال الأمثل للموارد وشكر النعمة والمحافظة على الثروات، وتحقيق الأمن الغذائي وبناء أطر اقتصادية سليمة قادرة على سد العجز وتغطية النفقات وتقليل الهدر والصرف غير المبرر، وفي المقابل تأكيد سلوك الادخار والاستثمار على مختلف المستويات، وما يرتبط بها من تصحيح المفاهيم المغلوطة والممارسة المنتشرة في المجتمع من تبذير للأموال والموارد أثناء إقامة الولائم أو العزاء أو الأفراح أو غيرها.
من هنا تأتي أهمية تناول هذه القيم في الخطاب الرسمي والأسري والمجتمعي في سبيل تعظيم القيمة المضافة لها على السلوك، ومستوى التأثير الذي يمكن أن تُحدثه على مستوى الوعي المجتمعي في التعامل مع الوضع المالي بما يضع حداً لما يتداول من معلومات وأخبار تحمل الأسلوب الفكاهي عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، بما يؤكد في الوقت نفسه على الحاجة لدور أكبر لمؤسسات التعليم والتنشئة والإعلام والتدريب والتثقيف والقانون وغيرها في إبراز الصور الإيجابية للقيم كمدخل لتقليل حجم الإنفاق والوقوف على واقع الصرف والتبذير والممارسات المالية الخاطئة، وتغيير قناعات الناس وردة فعلها بشأن الاجراءات التي اتخذتها الدولة في سبيل الحد من العجز في الموازنة العامة سواء في زيادة رسوم بعض الخدمات أو زيادة سعر المشتقات النفطية بصورة محدودة، وبالتالي تعزيز القناعة بهذه الإجراءات كسلوك معتاد وعمل احترازي تتخذه الدولة لتحقيق الصالح العام، وعلى المواطن أن يتقبله في ظل مسؤوليته الاجتماعية في مساندة جهود الدولة والنظر إليه في صورته الإيجابية بعيدا عن التأويلات والاجتهاد، وما يترتب عليه بالتالي من أهمية الالتزام والمبادرة ووحدة البحث عن إطار عمل مشترك وبناء مرحلة أكبر للثقة مع السياسات الوطنية، وبالتالي جاهزية المواطن في التصالح مع ظروف الحياة والاستجابة لمتغيرات الأسعار واتخاذ خطوات جادة في الاستثمار في الإمكانيات والموارد، كما أن المسألة لا يجب أن تقف عند حد التوعية والتثقيف؛ بل ينبغي أن تُبنى في إطار القدوة وصناعة الأنموذج الأمثل في التزام الجميع بأنه مسؤول عن تحقيق هذا الهدف، لتؤدي المساجد والمدارس والمؤسسات الاكاديمية والبحثية والمهنية والمصانع دورا مهما في ترسيخ ممارسات مالية قادرة على تغيير العادات السائدة في المجتمع. وتوجيه الخطاب القيمي في ظل تنوع أسلوبه وتفوق منهجيته ورقي أًطر عمله في ميدان التطبيق ومنهجيات الفعل، لتصبح القيم منطلق لبروز ممارسات أفضل وسلوكيات أقوم تصنع بدائل متجددة في التعاطي مع التحديات الاقتصادية. فإن كانت القيم مدخلا لبناء واقع جديد يقوم على محددات مالية واضحة وأطر تصحيحية مستدامة يشعر الجميع بمسؤوليته نحوها؛ فإنها تمنح الفرد أيضا فرص أكبر للثقة بقدراته واستعداداته وتوظيف مهاراته.
إن معطيات الوضع المالي اليوم فرصة لاستدراك القيم في الممارسة اليومية بحيث تتكاتف الجهود وتتفاعل الأدوات وتتناغم أساليب العمل في انتقاء الممارسة المالية الأفضل، بحيث تتجه خطوات العمل القادمة إلى اعتماد القيم في إدارة الملف المالي، وتبني مبادرات تؤطر لسلوك التوازن في الانفاق وتعويد الأبناء على القيم السليمة في الصرف وإدارة الأولويات الأسرية والمنزلية بشكل يضع حداً لاجتهادات الناس وما يُشاع من سلبية في التعامل مع الوضع المالي وموقع المواطن من هذه الإجراءات. لتضع في الوقت نفسه المواطن أمام تقييم لممارساته القادمة وقراءته للبعد المالي وتجلياته في حياته اليومية.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى