السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / صوت الصورة

صوت الصورة

أ.د. محمد الدعمي

لست أخفي على قرائي الأكارم، بأني لا أتمالك نفسي وأنا أراقب صور المحافل التي تجري في عالمنا الشرق أوسطي، فأنفجر ضاحكًا أحيانًا بسبب التكلف والاصطناع اللذين يحاول بعض المشاركين في هذه المؤتمرات والندوات والمنتديات والحلقات عملها، خاصة عندما يشعرون بتوجه عدسة الكاميرا إليهم. وهذه، كما يبدو، معضلة تتصل بطبيعة الشخصية تحت وطأة ثقافات محافظة غير قادرة على التخلي عن “الأداء التمثيلي” بمعناه المسرحي البحت.
للمرء أن يقول هذا وهو يستذكر كتابًا طريفًا للصحفي محمد حسنين هيكل بعنوان (خريف الغضب) كنت قد قرأته في ثمانينيات القرن الزائل. وإحدى خلاصات هذا الكتاب الطريف هي أن المؤلف يفترض أن المرحوم أنور السادات كان يخفي ممثلًا في دواخله، وأنه كان يتقمص شخصية بعد أخرى كما يفعل المؤدون على خشبة المسرح، حسب الأدوار المنوطة بهم. كم تمنيت أن يطور هيكل هذا الجدل كي يحرره من شخصية الرئيس المصري الراحل كي يطلقه نحو فضاء عالمنا الشرق أوسطي، العربي خاصة، إذ إنك عندما تراقب “لغة الجسد”، كما يطلق عليها الأميركان، التي يعبر المسؤولون المشتركون في مثل هذه المحافل المذكورة أعلاه، فإنك ستظفر بلقطات تجسد اصطناع “الشخصية” التي يؤديها أغلب المشاركون. أما إذا ما دققت النظر في تكلف رسم الشخصية عبر المؤتمرات العربية، فإنك لا يمكن أن تفلت من ملاحظة مفادها أن المجتمعين يكمنون على “فولتيات” عالية من التيار الكهربائي العالي الضغط: هم يصطنعون الجلوس ويتكلفون في الحديث للإعلام؛ تراهم متأهبين وكأنهم يدخلون حلبة مصارعة بين أعداء أو خصوم. لنلاحظ النظرات وعصبية المزاج المصطنعة والجدية المتكلفة التي غالبًا ما تنتهي إلى بيانات أو إعلانات أو مواثيق لا مجدية أو مضحكة. ما هذا التكلف، يا إخوان؟ لماذا لا تحرر الشخصية العربية والمسلمة عامة نفسها من “عمران النفاق” والازدواجية والتناقض، خاصة في المحافل الإقليمية أو الدولية؟
ولكن، لا تلام هذه الشخصية، رسمية أو غير رسمية، على ذلك، فقد التقطنا أول صور لنا، عندما كنا صغارًا، ونحن مصطنعون ومكهربون. بل إن أولى الصور الشخصية التي استعملناها في معاملاتنا الرسمية كانت أكثر ما يمكن اصطناعًا وتكلفًا، إذ كنا نعتقد أن احترامنا منوط بربطة العنق والمنديل الظاهر من جيب الجاكيت وبكمية الزيوت المستعملة لتصفيف الشعر درجة اللمعان، بل إن البعض كان يعتقد أن نوعية العطر مهمة في “إخراج” الصورة المستعملة للأغراض الرسمية في الدوائر والمعاملات. وحذار أن يفوت المرء إظهار قلمين أو ثلاثة نوع “باركر” أو “شيفرز” في الصورة، كناية عن أن صاحب الصورة “رجل ثقافة”!
إن سبب ذلك الاصطناع الذي ينتاب إنساننا وهو ثمل بسحر عدسة الكاميرا يمكن أن يكمن على شعور داخلي بالضعف أو بالاهتزاز، درجة أن التكهرب يعكس نفسه في الصورة ذاتها: في طريقة الجلوس المصطنعة، وفي طبيعة النظرة المنطوية على “كبرياء” وخيلاء مصطنعين كذلك. أقول هذا وأستحضر صورًا لبعض كتاب الأعمدة في الصحافة العربية الذين لا يمكن أن يقدموا أنفسهم من خلال صورة الوجه مجردًا، فيزيدون عليه اتكاء الرأس على اليد، وكأنهم يصورون تمثالًا إغريقيًّا!
لا أدري لماذا يدخل العديد من المسؤولين العرب، على سبيل المثال، قاعات المؤتمرات وهم متأهبون، ومتكهربون وكأنهم يتوقعون استقبالًا ملؤه اللكمات والركلات، درجة أنك تشعر وهلة بأنك ستشاهد نزالًا بالملاكمة بين محمد علي كلاي ومنافس له. أدعوك أخي القارئ وأختي القارئة إلى إمعان النظر في مثل هذه المناسبات الرسمية التي تهيمن على قنواتنا الفضائية كل يوم. أنظر، ثم قارن بينها وبين اجتماعات الأوروبيين والغربيين: في اجتماعاتهم، لا يشعر المرء بالحاجة إلى درع يقيه من الرصاص المتطاير المتوقع لحظة إعلان بداية المؤتمر! تشاهد رؤساء حكومات ووزراء وهم يتحدثون مع بعضهم البعض بلا تكلف ولا توتر ولا نظرات عدائية درجة كهربة أجواء قاعة الاجتماع. هم يضحكون ويتبادلون النكات والملاحظات ولا يصطنعون الحركة أو الانتصاب أمام الكاميرات كالتماثيل!

إلى الأعلى