الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / قضية ورأي : تغير المناخ

قضية ورأي : تغير المناخ

تمثل اتفاقية باريس المعنية بتغير المناخ إنجازا دبلوماسيا تاريخيا. فقد ظن الكثيرون أن حل هذه المشكلة العالمية سيكون بعيد المنال، حيث ينطوي تخفيض الانبعاثات على مزايا عالمية بينما تقع تكاليف تخفيضها على المستوى الوطني، ومن ثم تحول المصلحة الوطنية دون التوصل إلى اتفاق مؤثر. ولكن باريس أثبتت غير ذلك ـ حيث أوجدت غاية عالمية مشتركة.
وفي صميم هذه الاتفاقية تأتي تعهدات تخفيض الانبعاثات على مستوى البلدان والجداول الزمنية التي قدمها 186 بلدا. وتُرسي الاتفاقية أيضا إجراءات تحديث وتقييم التقدم في الوفاء بهذه الالتزامات الوطنية. وستكون الحكومات تحت ضغط شعبي كبير لتحقيق ما تعهدت به. فكيف يمكن للحكومات أن تضمن التنفيذ؟ الجواب هو من خلال سلامة التسعير.
تقول دراسة لصندوق النقد الدولي إن أسعار الطاقة تعبر تعبيرا منقوصا بواقع 5.3 تريليون دولار أميركي (أو 6.5 % من إجمالي الناتج المحلي العالمي) عن التكاليف الحقيقية المترتبة على استخدام طاقة الوقود الأحفوري ـ أي تكلفة التوريد والضرر الذي يلحقه استهلاك الطاقة بالسكان والبيئة ـ في عام 2015. ومن هذا التقدير لدعم الطاقة العالمي يمكن أن يستشف حجم التكاليف غير المدرجة في السعر التي يفرضها استهلاك الطاقة على الاقتصاد والبيئة. ولا يرجع إلى الاحترار العالمي إلا 25% تقريبا من تكلفة الدعم العالمي. وتغطي نسبة الدعم المتبقية البالغة 75% الآثار الصحية الناجمة عن تلوث الهواء الخارجي، بالإضافة إلى التسعير المنقوص للآثار الجانبية المحلية للمركبات (كالاختناقات المرورية)، وتكاليف توريد الطاقة، وضرائب الاستهلاك العامة. وعلى وجه العموم، تتحقق مزايا الحد من هذه الآثار عن طريق إصلاح أسعار الطاقة في البلد القائم بالإصلاح.
أن الضرائب عادة ما تكون السبيل الأفضل لتنفيذ تسعير الكربون. وفي الوضع المثالي، يعني هذا توسيع نطاق الرسوم المفروضة على الوقود (التي أصبحت مستقرة في معظم البلدان وتعتبر من أسهل الضرائب في إدارتها) لتشمل رسوم الكربون، وتطبيق رسوم مماثلة على منتجات البترول والفحم والغاز الطبيعي. ويمكن استخدام العائد في دفع عجلة الاقتصاد من خلال إجراءات مثل تخفيض ضرائب العمل ورأس المال التي تثبط جهد العمل والاستثمار، مما يساعد بدوره في تعويض العبء الذي يفرضه ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد.
وإذا استخدمت الحكومات بدلا من ذلك نظم تداول الانبعاثات، ينبغي أن تصمم هذه النظم لتصبح كالضرائب، من خلال إجراء مزادات على تصاريح الانبعاثات من أجل تعبئة الإيرادات، بما في ذلك تعيين حدود دنيا وعليا للأسعار. وسعر الانبعاثات المحكم الذي يمكن التنبؤ به يكون بمثابة إشارة لإعادة توجيه التغيير التكنولوجي نحو الاستثمارات ذات الانبعاثات المنخفضة. وبالرغم من أن تعهدات التخفيف التي قطعتها البلدان في باريس تحدد في معظمها أهدافا للانبعاثات، فإن الوفاء بها تدريجيا على أساس المتوسط (مع أسعار يمكن التنبؤ بها) يعتبر أكثر منطقية من الوفاء بها على نحو صارم من عام إلى آخر (مع أسعار لا يمكن التنبؤ بها). ونحن في الصندوق نجري تقييما لمختلف مسارات التسعير التي ستحتاجها البلدان للقيام بذلك. وإذ يتواصل انتشار نظم التسعير على المستوى الوطني، فسيأتي وقت يكون فيه من المنطقي بالنسبة للبلدان أن تعزز هذه الجهود من خلال التنسيق الدولي. وأحد السبل الطبيعية للقيام بذلك هو ترتيبات الحد الأدنى لأسعار الكربون (على غرار الحدود الدنيا الضريبية وضرائب القيمة المضافة في الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال). ويمكن أن توفر هذه الترتيبات بعض الحماية من تأثيرات التنافسية وتسمح لمن يرغب من البلدان بتحديد أسعار أعلى من الحد الأدنى.

حسن العالي

إلى الأعلى