الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / غزة إذ تكسر الصمت ..

غزة إذ تكسر الصمت ..

لم يبق أمامنا إلا الأيام التي تفصلنا عنى نهاية شهرنا هذا لكي نشهد نهاية مهلة التسعة أشهر التي رصدتها الرعاية الأميركية لحصاد المفاوضات الجارية بين الصهاينة والأوسلويين الفلسطينيين. وكل يوم تقترب فيه هذه النهاية الموعودة يشهد تصعيدًا شبه يومي لتصريحات نتنياهو المشددة على ثوابته المعروفة وتصوره لما يتوجب أن تفضي إليه هذه المفاوضات، أو بعبارة أدق لوظيفتها أو الغرض منها صهيونيًّا. كما وأن هذا الأمر لا يخلو من تلازم ما مع متوالي الإيحاءات شبه المستمرة من قبل كيري باقتراب أيام تقديمه لورقته المنتظرة رسميًّا أو إعلانها. بعد عودته من زيارته الأخيرة للبيت الأبيض وحضوره للمؤتمر السنوي لـ”ايباك” وخطابه وما جاء فيه، بدا وكأنما كل هم نتنياهو هو وضع حد لما رافق سيول التسريبات المتعلقة بالورقة الكيريوية من لغط وجدل أو توظيف لأوهام ساهمت فيه الأطراف الثلاثة المعنية بالمفاوضات وكل من موقعه ووفق حساباته، ذلك عندما طمأن من هم إلى يمينه ويساره من صهاينة الكيان بأن كل ما في أمر هذه الورقة أنها ليست سوى “وثيقة أميركية تحتوي اقتراحات للمفاوضات يمكن للطرفين التعليق عليها، وهي ليست وثيقة إسرائيلية، وبالتأكيد يمكن أن تظهر فيها أمور لا تقبلها إسرائيل وستتحفظ عليها، ولكن هذه الورقة، إذا كانت ستقدم فعلًا، هي برنامج نقاش لإعادة فتح المفاوضات، المتوقع أن تستمر عامًا إذا وافق الفلسطينيون في نهاية المطاف على دخول المفاوضات”. كان هذا بعد عودته، والطريف أنه قبيل وصوله إلى هناك قد سبقته تصريحات لأوباما، في مقابلة صحفية قيل إنها قد وقتت بعمد، تخللتها تحذيراته من كارثة ديموغرافية وعزلة دولية سيواجهما الكيان الصهيوني إذا استمر في تشدده التفاوضي، وحتى وصفه للتوسع التهويدي في مستعمرات الضفة بـ”البناء العدواني”.
هذه التصريحات دخلت إعلاميًّا لأيام معدودة بازار المماحكات السياسية الداخلية في الكيان الصهيوني لكنها سرعان ما طواها النسيان، أي أنها لم تؤخذ فعلًا على محمل الجد، باعتبار أن الصهاينة، ونتنياهو تحديدًا قد سمعوا بمثلها من صاحبها سابقا وحتى من أسلافه، وأسهم في هذه اللامبالاة تبدُّل لهجة أوباما السريعة بعيد وصول زائره، وتوضيحات وتوكيدات كيري في مؤتمر “ايباك”. ختمها نتنياهو بعد عودته غانمًا لا غارمًا من واشنطن، وليلحق به دعمًا فوريًّا هو 429 مليون دولار إسهاما أميركيًّا في “القبة الحديدية”، هذه التي اخترقتها فيما بعد عشرات الصواريخ المقاومة المنطلقة من غزة ولم تنجح في اعتراض إلا ثلاثًا منها… ختمها بتطمينه صهاينته، “إنني أتمسَّك بالمواقف التي أؤمن بها بحزم وإصرار، لن يفيد أي ضغط” في ثنيي عنها… والآن ما هو آخر حديث الثوابت النتنياهوية التي تعيدها وتؤكِّد عليها تصريحاته الأخيرة؟!
لا يكتفي نتنياهو بما بات من الثابت أن ورقة كيري قد منحته له سلفًا، وعلى رأسه ما يعرف بيهودية الكيان الغاصب، أي انتزاع تسليم الأوسلويين له بحقه المزعوم في اغتصاب فلسطين وقبولهم روايته لهذا الاغتصاب، وتخليهم عن الحق التاريخي للعرب الفلسطينيين في كامل فلسطينهم التاريخية المغتصبة، وصريح التخلي، والذي تم مواربة حتى اللحظة، عن حق العودة للاجئين، أو جوهر القضية الفلسطينية، وحتى نص الورقة على تعويض اليهود العرب الذين التحقوا بالكيان الاستعماري الغاصب، بل هو يريد من الأوسلويين أن يبصموا له بالعشرة على نهاية الصراع وإعطائه كافة الضمانات على ذلك، وتخليهم عن كل ما يسمونه بـ”قضايا الوضع النهائي”، وفي المقدمة القدس، وحدود “اوسلوستان”، ومستعمراته في الضفة، وبقاء جيش الاحتلال إلى ما رحم ربي في الأغوار، ومواظبتهم على القيام بدورهم المرسوم في حفظ أمن الكيان الاستعماري المحتل وقمع المقاومة وملاحقة المناضلين، وكل ما عكسته توكيداته وتعهُّداته التي أطلقها في اجتماع “الليكود” الأخير وقبله، ومنها: “لن أطرح أي اتفاق على الاستفتاء من دون إلغاء ما يسمى بحق العودة، واعتراف فلسطيني بيهودية الدولة”. أما بخصوص القدس فإن “هذه المدينة ليس فقط أنها لن تقسَّم بل إنها ستبقى موحَّدة تحت السيادة الإسرائيلية”. أما فيما يتعلق بالتهويد والمستعمرات فأول ما كان منه بعد عودته من رحلته الأميركية وكرد منه على ما دار حول تحذيرات أوباما المشار إليها قوله، “نحن لسنا ملزمين بالقبول بالموقف الأميركي التقليدي بشأن المستوطنات”…
خلاصة الأمر إن كل ما يريده الصهاينة من المفاوضات، أو من ورقة كيري، والذي لا يبدو أنهم لن ينالونه، هو استمرار المفاوضات حتى تصفية القضية، ومشكلة كيري هي كيفية إخراج عملية توقيع طرفيها عليها، أو تسهيل عملية ابتلاع الأوسلويين وعربان التسوية لها وتبليعها للأمة في هذه المرحلة المصيرية الأخطر والأسوأ التي تمر بها.
…ولا يكتفي نتنياهو بإعلان ثوابته والتعهُّد بتنفيذها، بل هو يقوم يوميًّا بتطبيقها على أرض الواقع، قبل المفاوضات وبالتوازي معها، وبكيري ومن دونه، وبغض النظر عن نجاح مهمته أو فشلها… يطبِّقها تهويدًا زاحفًا على مدار الساعة، وقتلًا متواصلًا واعتقالات ومطاردات وغارات دموية مستمرة ولا تتوقف، بالتوازي مع هدم للبيوت وتشريد لأهلها، وقائم الانتهاكات شبه اليومية للأقصى تمهيدًا لهدمه وبناء هيكله الثالث المزعوم مكانه…
من هنا تأتي أهمية عملية “كسر الصمت”، التي أمطرت فيها غزة المستعمرات الصهيونية بوابل من صواريخ مقاومتها… غزة الصامدة الرافضة للخنوع والموت في مواجهة الحصار العربي الصهيوني، وعملية مقاومي “سرايا القدس”، التي إن كان لها ما بعدها، فهو وحده الكفيل بتأبين ورقة كيري ودفن نهج “المفاوضات حياة”، وكسر ثوابت نتنياهو… وربما لهذا ثمة جنوح صهيوني راهن إلى التهدئة!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إلى الأعلى