الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مخاوف غير مبررة

مخاوف غير مبررة

أحمد مصطفى

”.. لا شك أن إزاحة عقبة العلاقة مع الغرب ستؤثر على شعور الاحساس العالي بالوطنية لدى الإيرانيين والذي كان يدفعهم للالتفاف حول قيادتهم رغم آلام الحصار وشظف العيش في ظل العقوبات. وهذا عامل مهم مرتبط بأي تحولات اقتصادية قد تشهدها إيران، ويمكن مقارنتها (دون إغفال الخصائص المتباينة) مع الانفتاح الاقتصادي في مصر نهاية السبعينيات بعد حرب اكتوبر مع اسرائيل والتي اعتبرتها القيادة المصرية وقتها “آخر الحروب”.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ قرار بدء رفع العقوبات عن إيران والتحليلات تملأ الصحف ووسائل الإعلام الأخرى والنقاشات تمتد في المنتديات والمؤتمرات بشأن تأثير ذلك على إيران والمنطقة والعالم. وما بين من ينطلق من موقف مسبق متأثرا بنفوذ إيراني خارج حدودها وصراعات إقليمية ساخنة ومن يتشيع لإيران بغض النظر عن مواقفها وسياساتها لا يوجد إلا القليل من اصحاب النظرة الموضوعية. وحتى ما يوصف بالموضوعية لا يخلو من مبالغة حينا وتفكير بالتمني حينا آخر لتعزيز حجة أو استنتاج. ويصعب في كل الأحيان تصفية الحقيقي من المتصور أو ما هو واقعي مما هو مفترض. إلا أن هناك بضع اساسيات يكاد يكون عليها شبه إجماع، أولها ان إيران ما بعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات ليست كإيران من قبل.
لكن ماذا يعني هذا داخليا وخارجيا؟ في البداية ستحصل إيران على نحو 30 مليار دولار من نحو 100 مليار دولار لها مجمدة في الخارج بسبب العقوبات. وسيتدرج رفع العقوبات على مدى تسع سنوات. وقبل الحديث عما ستؤول إليه تلك الأموال، نشير إلى أن هناك أمرا آخر هاما جدا وهو أن رفع العقوبات يعني رفع قيود التحويلات وبعض المعاملات المصرفية بما يسمح للتجار وأصحاب الأعمال الإيرانيين بالتعامل مع الخارج. كما انه يقلل من أقساط التأمين على التجارة الإيرانية ما يزيد من فرص التجار. بل إن ذلك سيساعد ايضا من يتعاملون مع إيران تجاريا من خارجها، ولن تكون هناك حاجة للجوء لحيل خطرة قانونيا في التعامل المالي والتجاري مع إيران.
ربما سيفيد ذلك التجار أكثر من غيرهم، ولا ينعكس بالضرورة على المواطن العادي لكن طبقة التجار في إيران فاعلة جدا ولا يستطيع نظام حكم ضمان استقراره بدون دعمها. لكن ما اعلن عنه من صفقات فور إعلان رفع العقوبات يشير أيضا إلى أن الغرب إنما سيفرج عن الأموال بالقدر الذي يكفي لشراء سلع وخدمات شركات غربية تقوم بمشروعات في إيران. يبقى التأثير الأكبر الذي يحظى بمبالغة هائلة وهو أن “إيران ستغرق سوق النفط أكثر في حرب أسعار”. وقد بدأت الأسواق العالمية بالفعل تعمل تحت “التأثير النفسي” لاحتمال متوقع بعد فترة وهو زيادة انتاج إيران النفطي بنحو نصف برميل يوميا. وهذا أمر نعود له لاحقا، لكن لاستكمال ما يتعلق بتأثير رفع العقوبات على إيران الداخل هناك أمر يغفله كثيرون.
في خلال سنوات العقوبات تمكنت إيران من تطوير قدرات ذاتية هائلة حافظت على اقتصادها دون الانهيار وعززت امكانياتها بقوة. ويخشى الآن، مع رفع العقوبات وعودة أموال وتنشيط الاستيراد أن تتدهور تلك القدرات أمام نمط استهلاك مستحدث تكون له تبعات سياسية / اجتماعية لا يمكن التنبؤ بها الآن. ولأن إيران مقبلة على انتخابات مهمة، فلا شك أن إزاحة عقبة العلاقة مع الغرب ستؤثر على شعور الاحساس العالي بالوطنية لدى الإيرانيين والذي كان يدفعهم للالتفاف حول قيادتهم رغم آلام الحصار وشظف العيش في ظل العقوبات. وهذا عامل مهم مرتبط بأي تحولات اقتصادية قد تشهدها إيران، ويمكن مقارنتها (دون إغفال الخصائص المتباينة) مع الانفتاح الاقتصادي في مصر نهاية السبعينيات بعد حرب اكتوبر مع اسرائيل والتي اعتبرتها القيادة المصرية وقتها “آخر الحروب”.
أما موضوع النفط، فهناك تهويل متعمد يكاد يقترب من تفسيرات المؤامرة بشأن دخول إيران سوق النفط مجددا. وهنا ربما تفيد بعض الحقائق: منذ نحو عقدين وإيران لا يصل انتاجها إلى كامل حصتها المخصصة ضمن سقف انتاج أوبك، وذلك نتيجة ضعف القدرات الإنتاجية وعدم ضخ استثمارات جديدة في قطاعي النفط والغاز. ثم إن هذا القطاع بحاجة إلى عشرات مليارات الدولارات لتأهيله لتتمكن إيران من العودة إلى انتاجها الطبيعي ما قبل العقوبات. أضف إلى ذلك أن الانتاج بكثافة في وقت لا يوجد فيه طلب تقريبا ليس منطقيا من الناحية الاقتصادية، وربما يكون افضل لإيران (أو غيرها) أن تبقي نفطها لديها لحين تحسن الأسعار.
وهناك واقع آخر غاية في الأهمية، وهو أن سوق النفط لم يعد الآن متأثرا بمعادلة العرض والطلب فقط، بل إن منحى انهيار الأسعار المستمر أصبح متأثرا أكثر بالوضع الهش للاقتصاد العالمي والمخاوف من ازمة اقتصادية عالمية وشيكة قد تكون أسوأ من أزمة 2008/2009. وبالتالي لن يحدث نصف مليون أو مليون برميل زيادة أو نقصا في العرض في سوق يتحسب لركود طلب مستمر وعميق. ولم يعد مفيدا الآن حتى الحديث عن تعاون المنتجين من أوبك وخراجها لضبط الأسعار، وبانتظار ما يمكن أن يحدث للاقتصاد العالمي قبل نهاية هذا العام سيظل سوق النفط هشا وفي منحى تراجع.
يبقى في النهاية التخوف من أن “إنهاء عزلة” إيران وحصولها على أموالها المجمدة وفتح باب التعامل مع العالم لها سيجعلها تزيد من نفوذها في الإقليم وتمول جماعات مرتبطة بها لإثارة القلاقل في دول الجوار. وبغض النظر عن حسابات النوايا ولا المطامح الإقليمية فإن القيادة الإيرانية ستكون امام خيار صعب نحو شعبها الذي تحمل شظف العيش عقودا في ظل الحصار وينتظر انفراجة في تحسين أوضاعه مع رفع العقوبات. ولن يقبل الايرانيون الآن أن ينفق على الخارج قبل أن ينالوا نصيبهم من غيث الانفراج. وكما يقول المثل “ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع”.

إلى الأعلى