الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ملاهي: توم وجيري” بين واشنطن وبكين

ملاهي: توم وجيري” بين واشنطن وبكين

أ.د. محمد الدعمي

”.. يبدو أن استاذية الصينيين في المحاكاة بقت متواصلة حتى راحت تهدد النتاجات الصناعية الأميركية الرفيعة. والحق، فإن هذا هو جوهر “المحنة” الأميركية الآن مع الصينيين: ففي الولايات المتحدة تشترى المبتكرات والاختراعات من قبل الشركات والكارتلات الكبرى بمليارات الدولارات، حقوقاً للإنتاج والاحتكار، ممن أبدعها من العلماء والمختصين.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عندما كان المغفور له والدي يستورد الأقمشة والغزول من الصين الشعبية قبل أن تتحرر هذه الدولة الكبيرة من العزلة التي فرضت عليها على عهد الرئيس “ماو تسي تونغ” ورفيقه الحميم “شو إن لاي”، اعتاد رحمة الله على روحه أن يستورد أفخر الأقمشة والغزول كذلك من “أوساكا”، اليابان. بيد أنه عندما يجد أن العروض اليابانية، العالية الجودة، مرتفعة الأسعار، فإنه كان يعمد إلى إرسال نماذج الأقمشة اليابانية إلى معامل “كانتون” في الصين الشعبية، طالباً من الصينيين إنتاج ذات “الخامات” والأقمشة وبنفس الجودة. وما هي إلا بضعة اسابيع وإذا بالصينيين، اساتذة المحاكاة الصناعية، يرسلون ما هو مطلوب وبأسعار زهيدة للغاية. وبذلك كسر الشيوعيون، بمساعدة الوالد، صناعات الأقمشة والغزول التي كان يصنعها أبناء الـ”ترانسستر”!
ويبدو أن استاذية الصينيين في المحاكاة بقت متواصلة حتى راحت تهدد النتاجات الصناعية الأميركية الرفيعة. والحق، فإن هذا هو جوهر “المحنة” الأميركية الآن مع الصينيين: ففي الولايات المتحدة تشترى المبتكرات والاختراعات من قبل الشركات والكارتلات الكبرى بمليارات الدولارات، حقوقاً للإنتاج والاحتكار، ممن ابدعها من العلماء والمختصين. إلا أن هذه النفقات الأسطورية سرعان ما تظهر لا جدواها، إذ لا تحتاج المعامل والورش الصينية لسوى بضعة أشهر كي تنتج ما يطابق المنتج الأميركي أو الأوروبي الباهظ الثمن، وبأدنى الأسعار، بسبب انخفاض أسعار اليد العاملة، ناهيك عما يجري اليوم من تدهور فظيع لأسعار النفط، الأمر الذي يجعل الصين قادرة على “غزو” الولايات المتحدة تجاريًّا، كما يحدث اليوم، وكما تؤرق “القرصنة” الإلكترونية الصينية الآن أهم وأكبر أجهزة الاستخبارات في العالم، كالـCIA وFBI. يستطيع العقل الصيني، محفزاً بسوط الجوع والخوف من الفقر أن يتخلل أعقد المنظومات الإلكترونية الأميركية، بفضل ما سمي بــ”التجسس الإلكتروني” Syber espionage، فيظفر بأعقد معادلات ووصفات التقنيات الأميركية الأكثر تعقيداً كي يستفيد منها وينتجها محليًّا من الصين، ثم كي يصدرها إلى من سرقت “اسرار المهنة” منه، أي الى الأميركان واسواقهم النهمة. هكذا تمكنت الصين “الشيوعية” أن تصنع العديد من اصحاب المليارات الصينيين، وأن تكون دائنة للولايات المتحدة بالمليارات التي ينوء الاقتصاد الأميركي تحت أعبائها اليوم. ليس هذا فقط، بل تخطو بكين الآن، بكل ثقة، نحو تحويل أكبر مشاغل ومعامل العالم الأميركية الى أراضيها، ليس فقط بسبب رخص “قوة العمل” فيها، وإنما كذلك بسبب ملء الفراغ الذي ينقص الصناعات الأميركية، وهو غياب حلقة الكوادر الصناعية المهنية الوسطية، اي تلك التي تتموضع بين المهندس المشرف وبين العامل غير الماهر، المنفذ. هذه هي الحلقة المفقودة في سلسلة علاقات العمل الأميركية، إلا أنها متاحة بكثافة في الصين، نظراً لما خصصته الدولة طوال عقود من تفعيل المدارس المهنية التخصصية التي لا يذهب إليها الشبان الأميركان بسبب خيلائهم!
ومع أن الإدارة الأميركية لا تخفي انزعاجها وقلقها من هذه “القرصنة” الصينية المتواصلة، احتجاجاً وتبرماً، إلا أن الحكومة الصينية تلعب مع الإدارة الأميركية لعبة “توم وجيري” المستلهمة من أفلام الصور المتحركة! ودليل ذلك هو أن الرئيس أوباما سبق أن طلب من الرئيس الصيني في آخر زيارة له لواشنطن أن توقف إحدى المؤسسات الصينية للتجسس الإلكتروني أنشطتها التجسسية على الصناعات والإبتكارات الأميركية. وقد وافق الرئيس الصيني على طلب مكافئة الأميركي، “بكل ممنونية”، ومن اليوم التالي. ولكن ما هي إلا فترة قصيرة ويصطدم الأميركان بأن الرئيس الصيني كان قد أمر مؤسسة التجسس الصينية بالتوقف عن أنشطتها التجسسية، ناقلاً ذات المهمات منها إلى مؤسسة صينية مختصة جديدة!

إلى الأعلى