الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الدبلوماسية تحقق ما لا تحققه الحرب

الدبلوماسية تحقق ما لا تحققه الحرب

السيد عبد العليم

” .. مع الحروب والسعي إلى تأجيجها بدلا من اخمادها، يأتي التراجع او الانهيار الاخير في اسعار النفط اهم مصدر دخل لكثير من بلدان المنطقة ـ وبالأخص تلك التي تنخرط في الصراعات السياسية والعسكرية في المنطقة. لتتراجع ايراداتها المالية بشكل غير مسبوق وتعاني من مشاكل مالية وعجز في الموازنة العامة. وتحميل ابنائها تبعات ذلك من خلال لجوء بعض البلدان إلى وقف مشروعات تنموية …”
قطع الملف النووي الإيراني سنوات طويلة من المفاوضات الشاقة والعسيرة والصعبة بين ايران من جانب والقوى الدولية التي تمثلت في الوكالة الدولية للطاقة الذرية والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا والمانيا من جانب. واستمرت هذه المفاوضات لسنوات، دون التوصل إلى اتفاق، واحد اسباب ذلك هو عدم وجود تفاوض مباشر بين طرفي المشكلة الاساسيين وهما ايران والولايات المتحدة.
لكن مع مجيء الرئيس الاميركي باراك اوباما الى السلطة، لمست ايران ورأت السلطنة انه يمكن التحاور مع تلك الادارة الجديدة. وطلبت القيادة العليا في ايران ممثلة في المرشد الأعلى علي خامنئي من السلطنة استكشاف امكانية فتح حوار مع ادارة اوباما. وذلك بما للسلطنة من مواقف متزنة على مر السنين من قضايا ومشاكل المنطقة اهلها لأن تكون محل تقدير وثقة كل بلدان العالم. فقامت السلطنة بمحاولة استكشاف واختبار الطرف الآخر المتمثل في الولايات المتحدة، وقامت بدورها في هذا الصدد بالمساعدة في الافراج عن معتقلين اميركيين لدى السلطات الايرانية. ولمست السلطنة برؤيتها الدبلوماسية الهادئة رغبة الادارة الاميركية في التوصل إلى حال سياسي بشأن الملف النووي الايراني رغم الضغوط الداخلية لاعضاء من الكونجرس وجماعات الضغط ولا سيما من انصار الاحتلال الاسرائيلي في الدوائر السياسية الاميركية وضغوط كبيرة من اطراف خليجية اخرى لم تكن ترغب ابدا في التوصل إلى اتفاق مع ايران. علما بأن الحل السياسي لمشكلة البرنامج النووي الايراني تصب في مصلحة تلك البلدان وغيرها من دول المنطقة في المقام الاول.
وبعيدا عن الصخب الاعلامي، سعت السلطنة إلى دفع الطرفين للتحاور مباشرة مع بعضهما البعض ومهدت وهيأت لهم ذلك. وتم تتويج ذلك بجولة المفاوضات الحاسمة التي استضافتها مسقط بين وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف ونظيره الاميركي جون كيري، والتي تم فيها قطع شوطا كبيرا في الاتفاق النهائي ولم يبق إلى بعض نقاط الخلاف التي تم ارجاؤها لمفاوضات فيينا اللاحقة، الى ان تم في نهاية المطاف الاعلان عن التوصل إلى اتفاق. واخيرا تم الاعلان عن تنفيذ اولى مراحل الاتفاق، بالرفع التدريجي للعقوبات عن ايران. وبعدما تحررت ايران من العقوبات واستعادت وضعها الدولي وعلاقاتها مع القوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية الكبرى في العالم، بات من الضروري على بلدان المنطقة الإقرار بذلك والتعاطي مع هذا الوضع بما تقتضيه مصالحها حسب معطيات المرحلة الراهنة.
وتتمثل معطيات المرحلة الراهنة في حالة الاضطراب وعدم الاستقرار التي تموج بها المنطقة والصراعات الكبيرة فيها، بما في ذلك انزواء أو اختفاء القضية الفلسطينية والاحتلال الاسرائيلي من جدول اعمال اغلب الحكومات الفاعلة في المنطقة ومن اعلامها كذلك، حتى صارت حركة المقاومة الاسلامية حماس، تمثل عدوا لبعض البلدان وليس قوات الاحتلال! وانخرط عدد من حكومات المنطقة في الصراع الدائر منذ سنوات في سوريا، رافعا البعض منها شعار الحل هو في ”الإطاحة بنظام بشار الاسد غير الديمقراطي” ـ وكأن الانظمة العربية الأخرى ديمقراطيات راسخةـ مع عدم توفير بديل لهذا النظام. فماذا بعد الاطاحة ببشار، من يحكم سوريا بعده؟ الجماعات الاسلامية المتشددة التي هي في الاساس العدو الاول لتلك الانظمة التي تحاول الاطاحة بالرئيس السوري ونظامه. وانه فور الاطاحة ببشار الأسد فإن هدفها او عقيدتها هو الاطاحة بتلك الانظمة التي تعاديها بل وتكفرها.
كما ان هناك مأساة اليمن، التي طالت الحرب فيها واتت على الاخضر واليابس دون ان تحقق آلة الحرب الحسم المطلوب. بل كل ما فعلته هو اطالة امد الحرب واتساع نطاقها. وكما هو الحال في الحالة السورية، فإن هناك اطرافا عربية واقليمية ودولية تؤجج الصراعات بدلا من محاولة اطفائها. والملاحظ ان نيران الحرب لا تقتصر على ساحات تلك البلدان المنكوبة، بل صارت تتطاير شظاياها لتصل إلى أراضي البلدان التي تشارك فيها.
ومع الحروب والسعي الى تأجيجها بدلا من اخمادها، يأتي التراجع او الانهيار الاخير في اسعار النفط اهم مصدر دخل لكثير من بلدان المنطقة ـ وبالاخص تلك التي تنخرط في الصراعات السياسية والعسكرية في المنطقة. لتتراجع ايراداتها المالية بشكل غير مسبوق وتعاني من مشاكل مالية وعجز في الموازنة العامة. وتحميل ابنائها تبعات ذلك من خلال لجوء بعض البلدان الى وقف مشروعات تنموية ورفع اسعار المحروقات وفرض ضرائب وغير ذلك من سياسات التقشف او خفض الانفاق. وان كان الانفاق على الجانب العسكري يغطي ويلتهم مردود كل تلك الإجراءات. فكم ثمن طائرة حربية وكم يكلف وقودها وكم كلفة القوات التي يتم نشرها وغير ذلك مما يتعلق بالعمليات الحربية. وإلى متى تستمر العمليات الحربية ويستمر الانفاق عليها، وأي هدف حققته؟ وكما قال زهير بن ابي سلمى:
وما الحرب الا ما علمتم وذقتم *** وما هو عنها بالحديث المرجم
ففي ظل تلك المعطيات وغيرها، ألم يحن الوقت ليتغلب صوت العقل الذي يرى ان حل كل تلك الازمات سواء في سوريا أو اليمن أوغيرها، بل وحتى أزمة تراجع اسعار النفط، يتحقق عبر الحوار وليس السلاح كما تم بين ايران واميركا بشأن الملف النووي؟
ويعزز من ذلك التوجه وجود الدبلوماسية العمانية الهادئة والتي تحظى بتقدير واحترام كل الاطراف في المنطقة وخارجها. فالسلطنة لها علاقاتها المتوازنة ومحل التقدير من كل اطراف الصراع داخل سوريا وداخل اليمن. كما ان علاقاتها بأشقائها الخليجيين علاقة متميزة او هي علاقة افراد الاسرة الواحدة. كما تتمتع السلطنة بعلاقات جوار تقوم على الود والاحترام المتبادل مع الجمهورية الإسلامية في ايران. اي ان السلطنة مهيأة بحكم دورها ومكانتها وموقعها وسلوكها الدبلوماسي لان تكون وسيطا نزيها في كل الصراعات داخل المنطقة او بين بعض بلدان المنطقة وايران للتوصل إلى تسويات تجنب المنطقة ويلات النزاعات والشقاقات والحروب العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تضر بالكل والتي لا يوجد فيها رابح بل الكل فيها خاسر. واذا كانت السلطنة مهيأة ومستعدة للقيام بمسئولياتها تجاه اشقائها وجيرانها، فهل الآخرون مستعدون وقادرون على مد يد الحوار لحل خلافاتهم وصراعاتهم؟

إلى الأعلى