الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأمل والتفاؤل

الأمل والتفاؤل

لقد جعل الله تعالى الحياةَ الدنيا كثيرةَ التقلُّب، لا تستقيم لأحد على حال، ولا تصفو لمخلوق مِن الكدَر، ففيها خير وشر، وصلاح وفساد، وسُرور وحزن، وأملٌ ويأس، ويأتي الأمل والتفاؤل كشُعاعَين يُضيئان دياجيرَ الظَّلام، ويَشقَّان دروب الحياة للأنام، ويَبعثان في النفس البشرية الجدَّ والمُثابرة، ويُلقِّنانها الجلَد والمُصابَرة، فإن الذي يُغري التاجرَ بالأسفار والمُخاطرة: أملُه في الأرباح، والذي يَبعث الطالبَ إلى الجدِّ والمُثابَرة: أمله في النجاح، والذي يُحفِّز الجنديَّ إلى الاستِبسال في أرض المعركة: أملُه في النصر، والذي يُحبِّب إلى المريض الدواءَ المرَّ: أمله في الشِّفاء والطُّهْر، والذي يدعو المؤمن أن يخالف هَواه ويطيع مولاه: أمله في الفوز بجنَّته ورضاه، فهو يُلاقي شَدائدها بقلب مُطمئنٍّ، ووجه مُستبشِر، وثَغرٍ باسم، وأملٍ عريض، فإذا حارَب كان واثقًا بالنصر، وإذا أعسَر لم يَنقطِع أمله في تبدُّل العسر إلى يسْر، وإذا اقترف ذنبًا لم ييئس من رحمة الله ومَغفرته، تعلُّقًا وأملاً بقول الله تعالى:(قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر ـ 53)، وما أجمل الآية الكريمة التي تتحدث عن الأمل في رحمة الله تعالى، وتبث روح التفاؤل بين المسلمين.
وتعالوا بنا أيها القراء الكرام الأعزاء لنطالع في الأمنيات التي تمناها الأنبياء والمرسلين والتي صوَّرها القرآن الكريم، فهذا إبراهيم ـ عليه السلام ـ قد صار شيخًا كبيرًا ولم يُرزَق بعدُ بولد، فيدفعه حسْن ظنِّه بربه أن يدعوَه (رب هب لي من الصالحين) (الصافات ـ 100) فاستجاب له ربه ووهب له علي الكبر إسماعيل وإسحاق ـ عليهما السلام.
ونبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ فقَد ابنَه يوسفَ ـ عليه السلام ـ ثم أخاه، ولكنه لم يتسرَّب إلى قلبه اليأسُ، ولا سرَى في عروقه القنوطُ، بل أمَّل ورَجا وقال:(فصبرٌ جميلٌ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم) (يوسف ـ 83)، وما أجمله من أمل تعززه الثقة بالله سبحانه وتعالي حين قال:(يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف ـ 87)، وأيوب عليه السلام ـ ابتلاه ربه بذَهاب المال والولد والعافية، ثم ماذا؟ قال الله تعالى:(وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له ووهبنا له أله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) (الأنبياء 83 ـ 84).
وانظر ـ أخي الكريم ـ إلى سورة الشَّرحِ التي كانت تتضمَّن اليُسر والأمل والتفاؤل للنبي (صلى الله عليه وسلم) وتذكير النبي (صلى الله عليه وسلم) بنعم الله عليه، ثم اليُسر بعد العُسْر، والطريق لهذا اليُسر هو النَّصَب والطاعة لله عز وجل، والرغبة والأمل في موعود الله عز وجل، قال تعالى:(ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك، فإن مع العسر يسراً، إنّ مع العسر يسراً، فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب)(سورة الشرح).
ونبي الله موسى ـ عليه السلام ـ حين انطلق بالمؤمنين من بني اسرائيل وخرج بهم خوفاً من بطش فرعون وواصلو السير حتى وصلوا إلى أن صار البحر أمامهم وفرعون خلفهم وإذا ببني إسرائيل يقولون لموسى ـ عليه السلام ـ إما أن يدركنا فرعون فيقضي علينا وإما ان نغرق في البحر فقال: بكل ثقة وطمأنينة في نجاة الله له ولمن معه (معي الله سيهدين)، قال تعالى:(فلما ترآي الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال: كلا إن معي ربي سيهدين)(الشعراء).
والنبي (صلى الله عليه وسلم) من خلال أحاديثه الشريفة، ومَواقِفه العظيمة، وتوجيهاته الرائعة يحثُّنا على التحلي بالأمل والتفاؤل، فلقد كان رسولنا (صلى الله عليه وسلم) يُعجبه الفأل، لأنه حسْن ظنٍّ بالله سبحانه وتعالى، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن نبي الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(لا عدوى ولا طِيَرة، ويُعجِبني الفأل: قالوا وما الفأل يارسول الله؟ قال: الكلمة الحسنة أو الكلمة الطيبة)، فبالأمل يذوق الإنسان طعم السعادة.
وبالتفاؤل يحس بطعم الحياة وبهجتها والإنسان بطبعه يحبُّ البُشرَى وتطمئنُّ إليها نفسه، وتمنحه دافعًا قويًّا للعمل، بينما التَّنفير يُعزِّز مَشاعر الإحباط واليأس لديه، ويُصيبه بالعزوف عن القيام بدَوره في الحياة ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي رواه عنه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه:(يسروا ولا تعسروا, وبشروا ولا تنفروا).
ولقد عاب النبي (صلى الله عليه وسلم) على الذين يُنفِّرون الناس، ويَضعون الناس في موقع الدُّونيَّة والهزيمة النفسيَّة، فقال (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه:(إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلَكهم)، قال أبو إسحاق :لا أدري قال أهلكهم بنصب الكاف أو برفعها.
وهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي أرسله الله بشيرًا ونذيرًا، مكث في مكة ثلاثةَ عشر عامًا يَدعو إلى الإسلام، فجابَه أهل الشرك وعُبَّاد الأوثان دعوتَه بالاستهزاء، وآياتِ ربِّه بالسُّخرية والعداء، وأصحابَه بالأذى والضراء، غير أنه لم يَضعُف عن مبدئه ولم يَستكِنْ، ولم يَنطفِئ في صدره أمل الغلَبة والظفر، وحين اشتدَّ عليه وعلى صاحبه الطلَبُ أيام الهِجرة إلى حدِّ أن وقف المشركون فوق رؤوسهما، وهما في الغار وهو (صلى الله عليه وسلم) يقول لأبي بكر ـ رضي الله عنه ـ بلُغَة الواثق بربه سبحانه وتعالى:(ما ظنك باثنين الله ثالثهما).
وقد بشَّرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) بانتِصار الإسلام وظُهورِه مهما تكالَبتْ عليه الأعداء، وتألَّبتْ عليه الخُصوم، فعن تَميم الداري ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلَغ الليل والنهار، ولا يَترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدِّين بعِزِّ عَزيز أو بذُلِّ ذليل، عزًّا يُعزُّ الله به الإسلام، وذلاًّ يُذلُّ الله به الكفْر).
ومن هنا إذا أردنا ان نصلح المجتمع فإن علينا أن نعلَم أنَّ أيَّ واقع لن يخلو مِن عَناصرَ إيجابيَّة وأخرى سلبيَّة، ومُهمَّة المُصلِح لا تبدأ من الصفر، بل هي تَنبيه الناس إلى الإيجابيات الموجودة بينهم وتقويتها، وتقليل السلبيات ومُحاصَرتها، أي: أن نتقبَّل عنهم أحسن ما عَملوا ونتجاوَز عن سيئاتهم، والقرآن الكريم له منهج رائع، وهو أنه يَبدأ بذكر الإيجابيات ويؤخِّر ذِكرَ السلبيات، حتى وإن كانت الإيجابيات قليلةً والسلبيَّات هي الغالِبة، فحين تحدَّث عن أهل الكتاب ـ ونحن نعلم أن أكثرهم ضلُّوا الطريق ـ بدأ بذكْر القِلَّة التي ظلَّت ثابتةً علي إيمانها فقال:(منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) (آل عمران ـ 110) وحين تحدَّث عن مُعامَلاتهم بدأ بالإيجابي، وهو (من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) (آل عمران ـ 75)، وبعدها ذكر الفريق الثاني الذي لا يحافظ على الأمانة فقال:(ومنهم من أن تأمنه بدينارٍ لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً) (آل عمرا ن ـ 75) رغم أنه الفريق الأكثر عددًا.
أيها القراء الكرام: الأمل أحد مصادر الأمن والسكينة، وهو شعاع يضيء في الظلمات وينير المعالم، ويوضح السبل، تنمو به شجرة الحياة، يرتفع به صرح العمران، يذوق به المرء طعم السعادة، يحسُّ به بهجة الحياة، إنه قوة دافعة، تشرح الصدر للعمل، تخلق دوافع الكفاح من أجل الواجب تبحث النشاط في النفس والبدن، تدفع الكسول إلى الجد، والمجد إلى المداومة تدفع المخفق إلى تكرار المحاولة، تحفز الناجح إلى مضاعفة الجد، إن الذي يدفع الزارع إلى الكدح والعرق، أمله في الحياة، إن الذي يغري التاجر بالأسفار والمخاطر، أمله في الربح، إن الذي يبعث الطالب إلى الجد أمله في النجاح، إن الذي يحفز الجندي إلى الاستبسال أمله في النصر، إن الذي يحبب الدواء المرَّ إلى المريض أمله في الشفاء، إن الذي يدفع المؤمن إلى أن يخالف هواه ويطيع ربه، أمله في رضوانه وجنته، لولا الأمل ضاع العمل
وللأمل جانب آخر، ذمه القرآن الكريم، وذمته السنة النبوية، وله جانب إيجابي، إنني أتحدث عن الجانب الإيجابي للأمل.
الأمل سرُّ الحياة، دافع نشاطها، مخفف ويلاتها، باعث البهجة والسرور فيها، وضد الأمل اليأس، وهو انطفاء جذوة الأمل في الصدر وانقطاع خيط الرجاء في القلب، هو العقبة الكؤود، والمعوق القاهر الذي يحطم في النفس بواعث العمل، ويضعف في الجسد دواعي القوة.
الأمل وحده يزرع السعادة في قلوبنا ،فطالما هناك غد اذن لابد من وجود الأمل.

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى