الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وكالة “أونروا” ومخيم اليرموك

وكالة “أونروا” ومخيم اليرموك

علي بدوان

”.. تُشير المُعطيات المُستقاة من أرض الواقع إلى أن (95%) ممن تبقى في سوريا من لاجئي فلسطيني، يعتمدون على وكالة (أونروا) للحصول على المساعدات المالية المُباشرة، كما في الحصول على المساعدات الغذائية التي توزع عليهم دوريًّا. ولا يزال عدة آلاف منهم مُحاصرين في مناطق ساخنة منها داخل مخيم اليرموك الواقع إلى الجنوب قليلًا من مدينة دمشق.”

في خطوة لافتة للانتباه، أطلقت وكالة (أونروا) يوم الرابع عشر من كانون الثاني/يناير 2016 الجاري، نداءً عاجلًا موجهًا للدول المانحة وعموم المجتمع الدولي، من أجل الحصول على مبلغ (817) مليون دولار للعام المالي الحالي 2016 من أجل فلسطينيي سوريا، ومن أجل اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.
اللافت للانتباه هنا، ليس في إطلاق النداء العاجل للتبرع، وهي عادة درجت عليها الوكالة لاستدرار الدعم الدولي لصالح عملياتها الإغاثية للاجئي فلسطين، بل في قيمة المبلغ، حيث لم يَسبق للوكالة أن أطلقت نداءً للحصول على مبلغ مالي بهذا الحجم. وهو أمر مُريح وجيد على كل حال لجهة اهتمام الوكالة بأمور اللاجئين الفلسطينيين، وخاصة منهم فلسطينيو سوريا الذين يعيشون نكبتهم الثانية الكبرى المُستمرة منذ أربعة أعوام دون توقف، وقد سقط منهم عدة آلاف من الشهداء في مسار الأزمة الداخلية في سوريا، وما زالت معاناتهم متواصلة، وقد تركت على حياتهم اليومية آثارا لا هوادة لها جراء ما جرى ويجري حتى الآن.
إن غالبية لاجئي فلسطين في سوريا والبالغ عددهم وفق سجلات وكالة (أونروا) حتى بدايات العام الجديد 2016 نحو (462000) شخص قد أصبحوا بغالبيتهم مُشردين الآن، فيما ذهب نحو (200000) منهم في هجرات بعيدة على قوارب الموت نحو أصقاع المعمورة الأربعة.
وتُشير المُعطيات المُستقاة من أرض الواقع إلى أن (95%) ممن تبقى في سوريا من لاجئي فلسطيني، يعتمدون على وكالة (أونروا) للحصول على المساعدات المالية المُباشرة، كما في الحصول على المساعدات الغذائية التي توزع عليهم دوريًّا. ولا يزال عدة آلاف منهم مُحاصرين في مناطق ساخنة منها داخل مخيم اليرموك الواقع إلى الجنوب قليلًا من مدينة دمشق.
وفي قطاع غزة والضفة الغربية فإن لاجئي فلسطين يعانون من عواقب دائمة نتيجة وقع الاحتلال والتأثير السلبي لوجوده في كل جانب من جوانب حياتهم. وفي حين كان ما يقارب من (80,000) شخص في غزة في عام 2000 يعتمدون على المساعدات الإنسانية للوكالة، فقد ارتفع هذا الرقم ليصبح أكثر من (830,000) شخص اليوم. وفي الضفة الغربية، فإن عمليات التهويد ومصادرة الأراضي وهدم البيوت أدت إلى جعل عدة آلاف من الأشخاص واقعين تحت خطر التهجير القسري والطرد.
إن وجود وكالة (أونروا) وقدرتها العملياتية النشطة بشكلٍ عام، تُوفّر مساحة جيدة لمساعدة لاجئي فلسطين في سوريا وفي عموم مناطق عملياتها الخمس (سوريا + لبنان + الأردن + الضفة الغربية والقدس + قطاع غزة)، لكن المُشكلة التي بَدت مؤخرًا تَمثّلت بتخفيض سقف التغطية المالية للعمليات الجراحية لعموم المرضى من اللاجئين الفلسطينيين، وحجة الوكالة في ذلك يعود لتراجع ميزانيتها العامة في ظل تزايد الأعباء المُلقاة على عاتقها تجاه مُجتمع اللاجئين الفلسطينيين.
إن قيام وكالة (أونروا) بتخفيض سقف التغطية المالية للعمليات الجراحية أثار ردود فعلٍ قوية في عموم تجمعات اللاجئين الفلسطينيين الذين قاموا بمجموعة فعاليات مؤثرة في لبنان والداخل الفلسطيني المحتل عام 1967، مطالبين بالعودة عن تلك التخفيضات، والتوجه نحو المجتمع الدولي والأمم المتحدة من أجل رفع ميزانية الوكالة ودعمها لتلبية مهام عملها وسط مُجتمع اللاجئين الفلسطينيين. فوكالة (أونروا) ووفق قرار تأسيسها وقيامها تُمثّل تعبيرًا سياسيًّا قطعيًّا عن التزام المجتمع الدولي بقضية الشعب الفلسطيني المُقتَلَع من فوق أرض وطنه التاريخي. وأن القرار الأممي بقيامها عام 1949 ربط بين انتهاء وانتفاء مهام عملها وعودة لاجئي فلسطين إلى أرض وطنهم.
إن وكالة (أونروا) مدعوة كل يوم للاستجابة للحالات والأوضاع الحرجة التي تُحيط بلاجئي فلسطين، وتوسعة تلك الاستجابة ما أمكن، في سوريا، وفي عموم الأرض المحتلة بشكلٍ خاص. ففي الأراضي الفلسطينية المحتلة، من المهم الاستجابة والتركيز على احتياجات لاجئي فلسطين المعرضين للتشريد ولهدم المنازل، علاوة على جهود إعادة الإعمار في غزة. وفي سوريا كذلك حيث يعيش لاجئي فلسطين نكبتهم الكبرى الثانية. ووفق ما صرحت به الوكالة فإنها ستقوم في عام 2016 بتشغيل واحد من أكبر برامج المعونة النقدية. كما أنها ستكون مزودًا ضروريًّا لبرامج تربوية مُبتكرة تعمل على إفادة مئات الآلاف من الأطفال الفلسطينيين والسوريين، بما في ذلك من خلال مواد التعلم عن بُعد، وقناة فضائية مُخصصة (فضائية الأونروا). لكن الأهم من ذلك يتمثل بضرورة سعي الوكالة من أجل تهيئة أوضاعها لمساعدة الناس على إعادة بناء المربعات المدمرة في مخيم اليرموك في الفترة التالية.
في هذا السياق، إن العديد من المؤشرات القوية تؤكد بأن مسألة عودة مهجري مخيم اليرموك من مواطنيه السوريين والفلسطينيين إلى اليرموك باتت قاب قوسين أو أدنى، وذلك على ضوء المعلومات التي تقول بأن الدولة السورية وتحت إشراف مكتب الأمم المتحدة والموفد الدولي (ديمستورا) ستقوم بإخراج مجموعات (داعش + النصرة) ونقلهم نحو شمال سوريا إلى محافظتي الرقة وإدلب وفق الاتفاق الذي تم التوصل إليه بإشراف الأمم المتحدة. إن تلك الحالة المتوقعة تَفترض وتلقي على كاهل وكالة (أونروا) مهام إضافية جسيمة، وذلك لتحقيق إعادة بناء البنية التحتية المُدمرة في العديد من مناطق مخيم اليرموك، وخاصة في المُربع الأول منه، والذي تمت تسويته بالأرض تمامًا.
إن وكالة (أونروا) مدعوة منذ الآن، للتحرك وبسرعة على كل المستويات الدولية، ومعها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية وعموم الدول العربية والإسلامية لترجمة نداء التبرع العاجل من أجل فلسطينيي سوريا، ومن أجل إعادة بناء البنية التحتية المُدمرة في بعض مربعات مخيم اليرموك، وخاصة منها المربع الأول الواقع على مداخل اليرموك والملاصق لمدنة دمشق تمامًا من جهة الجنوب قليلًا.
وعليه، أن لاجئي فلسطين في سوريا، ينتظرون اليوم قبل الغد، الجهود الاستثنائية المطلوبة من وكالة (أونروا)، بما في ذلك حزمة مالية جيدة تُقدَم لهم من المجتمع الدولي عبر وكالة (أونروا)، كي يستطيعوا إعادة بناء حياتهم ومنازلهم التي تم تدميرها في مخيم اليرموك وباقي التجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية.

إلى الأعلى