الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “لغة الضاد” مهدَّدة بالانقراض!

“لغة الضاد” مهدَّدة بالانقراض!

جواد البشيتي

”إنَّنا نسعى، سعي بحار ضيَّع البوصلة وهو في سفينة تمخر عباب البحر، إلى إنقاذ لغتنا العربية، التي لو خرجت عن صمتها لنطقت قائلةً: أنقذوني من هذا الذي يسعى في إنقاذي؛ ولنَطَقَت متسائلة في دهشة واستغراب: كيف للغةٍ أنْ تنجو من الانقراض إذا ما انقرض الناطقون بها، حضاريًّا وعلميًّا وتكنولوجيًّا..؟!”

مخاطِر كثيرة متكاثرة لا بدَّ لنا من درئها عن اللغة العربية، فـ”الانقراض العربي”، الذي نرى بعضًا من أوجهه في السياسة والاقتصاد والأمن والإعلام..، وفي “الانتماء القومي”، شعورًا ووعيًا وعملًا ومؤسسات..، قد يصيب أيضًا “لغتنا الجميلة”، التي بـ”سلاح الدين” فحسب تدافع عن البقية الباقية من وجودها، في ألسنتنا وأقلامنا وصحائفنا..
لقد تلاشى واضمحل استمساك “أحفاد يعرب”، الذي كان أوَّل من أعرب في لسانه وتكلَّم بهذا اللسان العربي ـ بـ”لغة الضاد”، والتي هنالك من أبناء جلدتنا من يُفْرِط في تقديسها قائلًا إنَّها كانت لغة آدم في الجنة، قبل أن تغدو، لجهة نقائها، اللغة الأقرب إلى اللغة السامية الأُم، بفضل اضطرار العرب إلى الاحتباس في جزيرة العرب، وقبل أن تبلغ “كمالها العربي” في “لغة قريش”، أو “اللغة العربية الفصحى”، أو “لغة القرآن”.. “وكذلك أنزلناه حكمًا عربيًّا”؛ “وهذا كتاب مصدق لسانًا عربيًّا”؛ “وهذا لسان عربي مبين”.
“التاريخ” اضطَّر العرب إلى الاحتباس زمنًا طويلًا في “جزيرتهم”؛ لكن هذا الاحتباس، الذي لا تسمح به “قوانين وسُنن العولمة” اليوم، أتى ببعض النفع، فلولاه لما استطاع لساننا الاحتفاظ بمعظم أصوات اللغة السامية، وبأصوات فقدتها لغات عدة، كالأصوات في حروف: غ، ح، خ، ض، ظ، ث، ذ.
قوة “الالتزام الديني ـ القرآني” هي ما بقي في أيدينا من سلاحٍ نذود به عن لغتنا، أو هويتنا اللغوية؛ ولكن هذا السلاح، وعلى أهميته الدفاعية، لا يكفي وحده، فـ”قانون الضرورات والحاجات” يجب أن يُفْهَم، ويُعْمَل به، عربيًّا، بما يمكِّن “لغة الضاد” من أن تدرأ عن وجودها الحضاري والعلمي والثقافي والتكنولوجي.. مخاطر الانقراض، أكان هذا الانقراض، من “الوجهة القانونية”، في “صورته الداروينية” أم في “صورته اللاماركية”؛ وبما يمكِّنها، من ثمَّ، من أن تصبح عالمية، قَلْبًا، وليس قالبًا فحسب.
إنَّنا نسعى، سعي بحار ضيَّع البوصلة وهو في سفينة تمخر عباب البحر، إلى إنقاذ لغتنا العربية، التي لو خرجت عن صمتها لنطقت قائلةً: أنقذوني من هذا الذي يسعى في إنقاذي؛ ولنَطَقَت متسائلة في دهشة واستغراب: كيف للغةٍ أنْ تنجو من الانقراض إذا ما انقرض الناطقون بها، حضاريًّا وعلميًّا وتكنولوجيًّا..؟!
في ألم وحسرة نقول دائمًا: أسلافنا وأجدادنا كانوا مستمسكين، أو أكثر استمساكًا منَّا بكثير، بـ”لغة الضاد”؛ ولكننا لم نكلِّف أنفسنا عناء البحث في الأسباب والحيثيات التاريخية التي أنتجت هذا الفرق اللغوي الواسع المتَّسع بيننا وبين الأسلاف والأجداد؛ فنحن نتوفَّر على “الوصف” و”التشخيص”، اللذين يظهران دائمًا في جملة غير بليغة كجملة “كنا.. فأصبحنا..”؛ أمَّا سؤال “لماذا كانوا أكثر استمساكا منا باللغة؟”، والذي يقفز بعقولنا إلى أرض التفسير والشرح والتعليل، فكفانا الله شره!
لغة قومٍ، أي قوم، لا تسود (أي تنتشر فيتحدث بها غيرهم) إذا ما سادت إلاَّ بـ”السيف” أو “التجارة”، أو بهما معًا. “السيف” استنفد أهميته التاريخية اللغوية والثقافية، فلم يبقَ إلاَّ “التجارة”، أو ما يشبهها، وسيلةً، أو سلاحًا، للسيادة اللغوية.
وثمة علاقة، تشبه علاقة السبب بالنتيجة، بين “الميزان التجاري” للدول و”ميزانها اللغوي”، فالأمم التي تسود، لغويًّا، أو يمكن أن تسود، في عصرنا إنَّما هي الأمم التي لديها من العلم والتكنولوجيا والصناعة.. ما يسمح لها بأن تُصدِّر من السلع (ولا سيَّما السلع التي في إنتاجها وصنعها تتركز طاقتها العلمية والتكنولوجية) أكثر ممَّا تستورد، فـ”الإمبراطوريات اللغوية” هي ذاتها “الإمبراطوريات الصناعية”.
إنَّكَ لا تستطيع أن تتَّخِذ من “الشراء” من “الإمبراطوريات الصناعية” وسيلةً لتلبية حاجاتكَ (والتي هي عندنا حاجات متفرِّعة من الحاجة إلى البقاء) من غير أن تَفْتَح أبوابكَ على مصاريعها أمام “الغزو اللغوي والثقافي..” لـ”البائع”.
وهذا “الغزو” يتَّسع ويتعمَّق إذا ما أردتَ أن تُصنِّع بنفسكَ بعضًا ممَّا اعتدت شراءه من تلك الإمبراطوريات، فاللغة الأجنبية العالمية هي الوعاء الأوسع للثقافة الصناعية، أي لمفردات العلم والتكنولوجيا.
و”آلة التعريب والنقل والترجمة”، مهما حُسِّنت، وتحسَّنت، لا يمكنها أبدًا المواكبة والمجاراة، إذا ما أمكنها أن تُحْسِن لـ”المعنى” عند التعريب والنقل والترجمة، فجزء كبير من المعرِّبين والناقلين والمترجمين لا يجيد اللغتين معًا، ولا يملك إلاَّ نزرًا من الثقافة التي يتضمنها النص الذي يتوفَّر على تعريبه أو نقله أو ترجمته.
وهذا إنَّما يُظْهِر ويؤكِّد أنَّ ما نحتاج إليه فعلًا ليس التعريب أو الترجمة، أي التوسُّع فيهما، وإنَّما الثنائية، أو التعددية، اللغوية، فهذا الاحتباس للعلم والثقافة في أوعية لغوية أجنبية عدة إنَّما يتحدَّانا أن ننتقل من الأحادية اللغوية إلى الثنائية، أو التعددية، اللغوية، فتعليم أطفالنا لغة أجنبية مهمة مع لغتهم العربية هو مدخلنا اللغوي الحقيقي إلى القرن الحادي والعشرين الذي سيشهد مزيدًا من الارتفاع في منسوب العولمة في كل أوجه حياتنا.
على أنَّ هذا الذي أقول، أو أقول به، يتعارض، ولا يتفق، مع شيوع “ظاهرة الاستغراب والمستغربين”، فكثير منَّا ممَّن يستصعبون التحضُّر الحقيقي يستسهلون الأخذ بقشوره؛ إنَّهم عربٌ استبدَّ بهم الشعور بالدونية الحضارية، فباعوا لغتهم بثلاثين من الفضة اللغوية الأجنبية.
لقد طلَّقوا لغتهم الأُم ثلاثًا؛ ولكن من غير أن يتزوجوا، على سُنَّة الحضارة الحقيقية، لغة أجنبية، فكل متاعهم اللغوي الأجنبي لا يزيد عن نزرٍ ضئيل من مفردات اللغة الأجنبية؛ ومع ذلك يتظاهرون بالعجز عن التعبير عن معنى ما، أو فكرة ما، بالعربية، فيزركشون حديثهم بمفردات من لغة أجنبية، متوهمين أن المستمع إليهم سيخر ساجدا أمام “رقيهم الحضاري”!
إنَّهم المهزلة بعينها؛ أما المأساة فتراها في نقيضهم البائس، أي أولئك الذين لا يشعرون بـ”عظمة وجودهم” إلاَّ إذا توفَّروا على تعريبٍ لا يمكن تمييزه من مسخ المعنى!
إنَّ حاجاتنا على نوعين، نوع يمكننا وينبغي لنا تلبيته باللغة العربية، وبتوطيد صلتنا بها، ونوع لا يمكننا تلبيته إلا بإتقاننا لغة أجنبية ما، فلْنُتَرجِم “ازدواج الحاجة” بـ”ازدواج اللغة”؛ ولنبدأ بأطفالنا، فالتحليق عاليًّا في سماء الحضارة العالمية يُلْزمنا امتلاك جناحين لغويين: جناح اللغة العربية وجناح اللغة الأجنبية.

إلى الأعلى