الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ولن نَقْنَطَ من رحمة الله

ولن نَقْنَطَ من رحمة الله

علي عقلة عرسان

أما الأطفال السوريون، لا سيما من هم في سن الدراسة منهم، فهم بشر في متحف الأحياء، أي نوع من الأحياء شئت، وهم مستقبل بلد وشعب، يخرج من الحرب ـ إن خرج بعد لأي ومساومات وخسارات ـ ليدخل في التخلف والجهل والأمية والجاهلية، وفي ميادين “تربوية”، لا تدخل في مجال سليم صحيح من مجالات التربية، ولا في أي تصنيف من تصانيفها المرْضية.

البعد الاجتماعي للمأساة السورية من شبه المنسيات، أو مما لا توجهه الجهات المعنية لانشغالها بما تراه أولى وأشد إلحاحًا، أو على الأصح مما تعجز عن مواجهته، لا سيما لحجمه، وخطورته، وعدم القدرة على فتح ملفاته، في وقت تزاحم الملفات. وهو أكثر خطورة مما يظهر ويُلقى عليه الضوء من آن لآخر، وبما يشبه رفع العتب. بل يمكن القول إن هذا الجانب لم يلقَ من الاهتمام به، “سياسيًّا وإعلاميًّا”ما يجعله حاضرًا بقوة ووضوح في الذهن والعين، أمام المعنيين بالمسألة السورية، على تنوع درجاتهم، ومسؤولياتهم، واهتماماتهم. ولا نستطيع القول بأن ذلك كان أمرًا مقصودًا، أو أنه جزء من المناورات المرتبطة بالسياسة الداخلية، وبالحرب/الكارثة، وبالاشتباك العنيف على صعد محلية، وعربية، وإقليمية.. إلخ. وهذا الجانب من جوانب المأساة السورية، ينمو في بيئة العتمة والرطوبة، كالفطر السام، ويزيده التعتيم ضخامة وسُمِّيَّة. وهو يتراكم ويتضخم يوميًّا، إلى الحد الذي يصبح وضعه ذاك أمرًا عاديًّا، وازدياده مألوفًا لا يلفت النظر بشدة.. ولأنه لا مجال لمنحه أولوية وأفضلية، من حيث الحد من التراكم، والاهتمام، والمعالجة، حيث الأفضلية القصوى، والأولوية التي ما لها من أولوية عليها، هي للحرب ومستلزماتها وتداعياتها، من جهة.. ولأنه، في واقع الأمر، جانب أكبر من قدرة أية جهة على المعالجة في زمن الحرب، ومن طرف مَن تهمُّهم السياسة، والمعارك المشتعلة، وإدارة الأزمة، وحساباتها.. ولا يهتمون بالناس، قدر اهتماهم بأن “ينتصروا” حتى لو فني الناس.
وربما لم تكن سوريا استثناء من هذه الناحية في أوقات الأزمات والحروب، لكنها قد تكون استثناءً، لأن حجم هذا الجانب من مأساتها، أي الجانب الاجتماعي، يفوق، من حيث نسبة من أصيب من السكان: بصورة ما، وبدرجة ما، إلى نسبة عدد الشعب السوري.. يفوق أوضاع كثير من البلدان التي تعرضت لأزمات وحروب. فنادرًا ما تعرض شعب إلى النزوح في وطنه، والهجرة من وطنه، والمعاناة المرَّة في الحالين، مثل ما تعرض له الشعب السوري، الذي تشير أرقام عدد النازحين والمهجَّرين من أبنائه إلى نصف تعداده. وإذا أضفنا إلى هذا عدد السوريين المحاصرين، والمعزولين في قرى وبلدات وأحياء، بسبب الأوضاع العسكرية والأمنية، المستمرة منذ خمس سنوات تقريبًا، لوجدنا أن معاناة كبيرة جدًا يتعرّض لها معظم السكان، وأن قلة قليلة فقط من السوريين تعيش بدرجة من الأمان والاستقرار، في بعض المحافظات.
ومعظم من هم في معسكرات النزوح واللجوء، وفي مخيماتهما، يعيشون في أوضاع أكثر من بائسة، وتتفاقم بينهم حالات السوء والبؤس والجوع والفقر في فصل الشتاء، حيث الخيم لا تقي من البرد والمطر والثلج والصقيع.. مع قلة وسائل التدفئة، الملابس، وسوء التغذية، وفقدان أدنى الأدنى من الحد الأدنى من الخدمات بكل أشكالها وأنواعها. ومع هذا فإن وضع الكثيرين من أولئك البائسين، يبقى أفضل من وضع من هُم تحت الحصار الخانق في قرى وبلدات وأحياء سكنية في مدن سورية، ذاك الذي وصل، في حالات معروفة ومشهودة عمَّت العالم بأسره، حدَّ الموت جوعًا، وترك من لم يمت، في أوضاع صحية ومعيشية تجعل معاناته مستمرة، وحيث أصيب الكثيرون منهم بعاهات وإصابات مرضيَّ دائمة، فضلًا عن الإعاقات التي أصيب بها أطفال نتيجة نقص التغذية.. أصبحوا عبئًا على أسرهم وعلى المجتمع.. وهناك في بعض المواقع، من أصيب ويصاب، ممن يرون أن الموت أسهل من حياة، هي الموت كل يوم، بسبب المرض، ونتيجة للأوضاع التي، إن أنقذوا من الموت تحت وطأتها، فهم ضحاياها وضحايا الفقر والعجز والحاجة والخوف من الآتي، في كل وقت من أوقات الليل والنهار.؟! أما الأطفال السوريون، لا سيما من هم في سن الدراسة منهم، فهم بشر في متحف الأحياء، أي نوع من الأحياء شئت، وهم مستقبل بلد وشعب، يخرج من الحرب ـ إن خرج بعد لأي ومساومات وخسارات ـ ليدخل في التخلف والجهل والأمية والجاهلية، وفي ميادين “تربوية”، لا تدخل في مجال سليم صحيح من مجالات التربية، ولا في أي تصنيف من تصانيفها المرْضية. وفي ضوء هذا الوضع، وفي ما يمكن أن يليه من أوضاع ربما تكون أقسى، وأفظع، وأوجع.. علينا أن نتخيل ما سيكون عليه الوضع الاجتماعي في سوريا، مع وجود هذا الكم من “المستقبليين؟!!”، ممن نشأوا في هذه الظروف وسواها من ظروف مجتمع الحرب، والفساد، والفقر، والافساد، والإباحة، والاستباحة.. وما يمكن أن يكون من استعمار حديث يستلب وعي وإرادة من له وعي وإرادة، فكيف بمن لم يؤهل لذلك، ومن نعرف أن الاستعمار يعمل أول ما يعمل على تجهيلهم، وتشكيكهم بهويتهم، وثقافتهم وعقيدتهم، وبقدرتهم على أن يكونوا بشرًا أسوياء، لأنه يريد أفواهًا وسواعد، يستخدمها أدوات، ووقودًا لنار حربه في ساحات الدنيا الواسعة؟!
في جانب آخر من جوانب الوجه الاجتماعي المعتِم، للمأساة السورية التي أوجدتها الأزمة/الحرب، السورية ـ السورية، والعنجهيات المذهبية، والتدخلات: العربية والإقليمية والدولية.. يظهر ضحايا الحرب المجنونة، من: المقعدين، والمعوّقين، والمشوهين، والمصابين بإعاقات وعاهات دائمة، والعاجزين بنسب متفاوتة، والجرحى، و.. إلخ.. ولكل من أولئك حياة ينقصها الكثير من مقومات الحياة، ولكلٍّ أوضاعه الخاصة التي تفرض نفسها على أسرته، وظروفه الخاصة التي تفرض نفسها على المجتمع من حوله، وعلى الدولة؛ إن هي وجدت ما يجعلها قادرة على مواجهة أوضاع هذا القطاع من البشر، وهو ليس بقليل، إذ ربما يصل العدد إلى أكثر من مليون مواطن سوري. وقد تكون قلة قليلة من بين أولئك، هي التي يمكن تأهيلها لتمارس عملًا، أو لتهتم بنفسها بما لا يحيجها إلى من يعتني بها، أو لكي تمارس عملًا ما يشغَل الواحد من أفرادها عن همومه، ويدُرّ عليه بعض الدخل المالي الذي يساعده على الحياة، في مجتمع الفقر، والعوز، والتضخم، وغلاء الأسعار، والتجاوز على الحقوق والقانون، وعنجهية القوة، وربيع الفاسدين، والمفسدين، وتجار الحروب والأزمات.
ومن بين الجوانب الكارثية، للمأساة الاجتماعية السورية، التي أنتجتها الحرب، جانب يزداد تأثيره الكارثي، وينتشر أفقيًّا، ويتعمَّق شاقوليًّا، مع مرور الوقت.. ومن ثم لا يتسبب في وجود أوضاع اجتماعية صعبة فقط، وفي نشر فساد اجتماعي قد يصل درجة التحلل والانحلال، وآفات اجتماعية تصيب الأسر وقد تدمرها، وتنعكس سلبيًّا على المجتمع برمته، وعلى قيمه وعلاقاته ونُسُجِهِ، وعلى الأخلاق العامة، حيث تهددها في الصميم، في وقت تَضْعُفُ فيه المناعة بصورة عامة.. وهو وجود مئات آلاف الفتيات اللائي فقدن مئات آلاف الشباب في الحرب، والهجرة، والإعاقات.. حيث ستزداد نسبة العنوسة بشكل كبير جدًّا، ونسبة القضايا الاجتماعية الأخرى.. لقد فقدنا حتى الآن مئات الآلاف من ضحايا الحرب، معظمهم من الرجال، والنسبة الأكبر من بينهم هي من الشباب. وهناك الآن في مجتمعنا: المفرَّق، المجرَّح، الموجَع، المفجَّع.. كمٌ لا يُستهان به من: العوانس، والأرامل، والأيامى، ومن فقدن الأب، والأخ، والمُعيلَ، والظلّ الظليل، ظِلَّ الرجل الذي يورِف ظلُّه على البيت، فيزهر البيت.. والمرأة تعرف جيدًا معنى الرجل وقيمته في البيت؟!.. وكل حالة من هذه الحالات التي أشرنا إليها، هي لإنسان حي، لروح وجسد، لطبيعة بشرية لها وعليها، ولكنها هي هي بما لها وما عليها.. وهي لكائن ذي هُويَّة، كائنٍ ذي طموح مشروع، وحلُم هو من حق الكائن الإنسان الحي، يرى أشعته أو حتى سرابه في فضاء مشبع بالأمن والسلام. لا يمكن أن يُجَمَّد الشخص/أو تجمَّد حالته، وطبيعته، وإنسانيته، في ثلَّاجة.. بل لا بد من أن يوجَد له ولحالته حلٌّ إنساني في الحياة والحرية، حل يضمن له حياة طبيعية، وكرامة، وأفقًا يلوح فيه ضوء. ويبدو لي، بكل الأسى والأسف، أنه لا يوجد حل لكثير من هذه الحالات في مدى قريب، يُزَيِّن الأفق، على المدى المنظور.. ذلك لأن الدولة في شواغل، وهمها سياسة قد تفاقم التعاسة، وعليها أن تعيد البناء، وترتب الأوضاع.. وربما كان من شأنها، والله أدرى وأعلم، أن تعطي أفضلية وأولوية لإعادة ترتيب “الذوات السياسية وغير السياسية”، بعد أن فات على البعض ما فات. تلك الذوات التي هي بنظر أهلها وأعوانهم، فوق الناس، والمشكلات، والأزمات، والحيوات.. وبالضرورة فوق “الذوات” الأخرى التي قد تصرخ. والدولة ستفعل هذا حين تضع الحرب أوزارها، ونتمنى أن يكون هذا قبل أن تهرس الحرب منا المزيد، وقبل أن تضاعف الجوانب المأساوية، للوجه الاجتماعي في سوريا.. وحين نقبل على هذا، سنرى أن خيارات الذوات ستكون قبل كل هذا، وقبل كثير من الضرورات والحاجات الملحة، والدموع والشهقات.. فإذا صفا وجه الماء وراق، أقدم كل نرجسي على اختيار وجه وزينة، ليرى في نفسه في مرآته، ويرى وجهه الجديد، بعد أن تلمس سماكَة طبقة الدم المتخثر التي كَسَتْ ذاك القديم، هذا إن كان ممن تعاملوا مع الدم، أما إذا كان من صنف آخر فيتمرّى ليرى بهاء وجهه الجديد، بعد أن تلمَّس جيوبه، فشع منها الرضا على نفسه ففاض وجهه بنور الغنى. وأراد كلٌّ من صاحب الدم، وصاحب المال، وهذا، وذاك، وغيرهما.. أن يغتسل ويتزيَّنَ، ويتجمَّل بمعروف.. فيحمل رايةَ همٍّ اجتماعي ـ إنساني، يطوف بها الأحياء الفقيرة، وخلفه آلات التصوير المأجورة، وهو مع حاشيته يقول: هذا أنا.. وسأفعل..؟!.. وحيث إن المجتمع كله في محنة وامتحان، وكلٌّ يريد الخلاص من هم وغم وعار، فسيصدقون، ويصفقون.. إذ ليس لدى الناس استعداد للترحيب بالمزيد من الأعباء والمحن، فضلًا عما هم غرقى فيه من ذلك كله، ومن فوقه فِتَنٍ تنهشهم من هنا وهناك، وتطل برأسها من هذا الباب أو ذاك، ومن هذا البلد أو ذاك.. يدفعُها ويُضري نارها: جاهلٌ، ومتطرّف، ومتعصِّب، وإرهابي، ومغامر، ومقامر، ونَكَديٌّ، يبيع ويشتري في الدين وغير الدين، بحمق يراه حقًا له من بين الخلق.. وربما ندور في الدوامة كما يدور بغل الناعورة، ونبقى في حومة السؤال: كيف السبيل إلى مواجهة هذه الحالات الاجتماعية، وما تفرضه من أوضاع، وما تستدعيه مواجهتها من إمكانيات مادية، وفكرية، وقيمية، وثقافية، ومن طاقات بشرية تعرف أولًا؟ وقبل كل شيءٍ: من هي؟ وماذا تريد؟ وكيف تصل بنفسها إلى درجة الثبات على الحق، لا التجارة بالخلق؟! وتعرف كيف تعمل بالتسامح والوسطيّة، وتحفظ الاحترام لكل إنسان، أيًّا كان مشربه ودينه ومذهبه، وتعمل وفق مفاهيم وثوابت عربية ـ إسلامية، تبني الإنسان، وتصون الكرامة والحرية والانتماء والقيم الإنسانية، وما تستدعيه مفاهيم المواطنة، وشروطها؟! نحن نعرف أن حل تلك الأزمات، لا يتوقف فقط على إمكانيات مادية، إن هي توافرت، في مثل تلك الحالات الكارثية، حالات خروج وطن من حرب دمرته، وشتت شعبه، وأضعفته، فتصرَّعت أبوابه وانفتحت لكل من هبَّ ودبَّ.. بل يحتاج ذلك إلى طاقات بشرية نوعية، تملك من الوعي والمعرفة والتسامح والخلق والقيم القومية والوطنية، ما يمكِّنها من أن تَبني وتُنصف الآخرين من ذاتها، قبل أن تَبني لهم وطنًا ومستقبلًا وذات؟!
نعرف ذلك، ولن نقنَطَ من رحمة الله.

إلى الأعلى