الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / وطن بلا مذكرات .. عالم بلا تاريخ!

وطن بلا مذكرات .. عالم بلا تاريخ!

لكل امرئ أيامه.
.ثمة اختلاف في تلك الأيام ومن الصعب ان يتقاطع فيها اثنان، فالناس محكومون بوضعهم الاجتماعي والمالي وبتمايزات إبداعية.
.هكذا هي حال من قرأنا لهم، ومن اطلعنا عليهم، وتلك هي أحوال من لا نعرف وأن كنا نقدر سلفا كيف كانت أيامهم على مر تاريخها.
حين تقرأ « الأيام « لطه حسين، يأخذنا التشويق الى اللحظة التي أصيب فيها ذاك الطفل بالعمى نتيجة أخطاء المجتمع.
.لكن الإصابة التي غيرت من حياة ذلك العبقري، أخذته نحو البعيد ليكون لاحقا ركنا مهما في الفكر العربي، التفكير الأكثر منطقية من الكثير من الذي كتب في شأن أدبي أو إسلامي.
وحين كتبت برنامجا للأطفال بعنوان « حكايات « وضعت على رأس لائحة الشخصيات طه حسين، وعلاقته بالكتابة في حين كان العمى مانعا له من ان يرى كيف سيكتب او ماذا كتب من سيملي عليه.
ومن شدة تعلقه بعماه لم يجد شخصية تشبهه سوى الشاعر ابي العلاء المعري فكتب عنه كتابا كاملا.
كل اهتمامنا بهذه الشخصية التي صنعت حولها زوبعة من آراء وخصوصا في كتابه « في الشعر الجاهلي « الذي بناء عليه تم تحويل الكاتب الى المحاكمة.
.لنتصور مفكرا مثله يصبح مع الأيام وزيرا للتربية (للمعارف) فكيف تكون عليه حال العلم والمواد التي يناله الطالب، ومع هذه العبقرية المتفتحة يقال بأنه أخفق كوزير لأن قدراته أكبر بكثير من موقع إداري.
وفكرت بأيام أخرى، تراءى لي شخصية بيتهوفن، الموسيقار الذي يظل أحد عمالقة التاريخ الموسيقي الكلاسيكي.
.عاش مريضا، متألما من مشاكل في معدته، وحين أمره الطبيب ان يتعاطى انواعا من الطعام، قال لمريديه، إن الطبيب يفهم في الجسد لكنه لا يعرف انفعالات الروح.
.ومن المثير حقا، ان هذا الموسيقي الفذ، اصبح أصما، وهو من قامت حياته على السماع، ومع ذلك انجز سيمفونيته المثيرة التاسعة دون ان يتمكن من سماعها، انها لمقدرة خارقة لانجد لها وصفا في التعبير عنها، لكنه أصر على قيادة فرقته أثناء عزفها، وحين صفق له الجمهور بحماس لامثيل له لم ينتبه الا عندما طلب اليه احد عازفيه ان يرد على تصفيق الحضور فما كان منه الا ان واجههم فزادوا في التصفيق الى حد الجنون.
وحين توفي كان قد أوصى ان تعزف مؤلفاته اثناء حمله من منزله الى المقبرة ففعل مريدوه بما أوصى.
وفكرت أيضا بأيام لها معنى من أجل إفهام طفلنا العربي حكم زمان، فرأيت أن أقدم له شخصية من التاريخ الإسلامي، هي قصة حب الأمير خمارويه ابن الأمير أحمد بن طولون أمير مصر في المرحلة الطولونية التي استقلت إبان المرحلة العباسية لابنة أحد ملوك العباسيين وكانت تدعى « قطر الندى» تحت شعار توحيد مصر وبغداد من خلال تلك المصاهرة، ومن تلك الحادثة انطلقت أغنية مشهورة هي « الحنة يا قطر الندى ـ ياشباك حبيبي جلاب الهوى».أيام المرء تدون له وعليه.
.ليس من أيام صافية مائة بالمائة لأي إنسان.
.حتى الذين يرثون الجاه والمال والمركز يخفون أيامهم الصعبة كي لاتصل الى الناس، لكنهم حكام بشر ولهم جسد بشري لابد أن يتألموا أو أن يعانوا.
.فكيف بتلك الطبقة التي تشكل السواد الأعظم من الشعب، وهي التي تحاول ان ترسم لنفسها ما تتمناه، ما يتمناه المرء قد لا يدركه بالتأمل والانتظار، طالما أن السعي هو المحقق.
الذين يدونون يومياتهم قلة من الناس، لأنه خيار السياسيين وحدهم والزعماء والقادة وأصحاب الفكر.
المسؤولية كبيرة أن لم يكتب مثل هؤلاء يوميات ليست مختارة، وأنما حسبما وقعت مثلما فعل الدبلوماسي الفلسطيني أكرم زعيتر الذي له مجلدات عن يومياته في فلسطين، فإذا بها تعكس الواقع الفلسطيني قبل النكبة وبعدها أكثر مما ترتبط به مباشرة.
ثم أني أسأل عن يوميات ياسر عرفات التي أعرف أنه كان يدونها يوما بيوم، وخصوصا تلك التي عايشت الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وكاد ان يضيعها أثناء هروبه من مكان إلى آخر والطائرات الإسرائيلية تلاحقه.
العلامة الراحل محمد حسين فضل الله لم تمر عليه مناسبة الا وكان يتحدث عن أهمية كتابة يوميات السياسي أو من تعاطى بالشأن العام.
.التاريخ الذي نكتبه ليس مجرد أحداث منقولة شفويا أنه مكتوب ومدون، هو استخلاص من كتابات متعددة مبني على تلك المعلومات المحفوظة في بطن الكتب.
من يقرأ مذكرات الكبار ممن مروا وتركوا بصمة في تاريخ بلادهم، يعرف قيمة الكلمة المؤرخة، وأهمية ان تكون موجودة كي لا يبنى التاريخ على تفسيرات او اجتهادات.
.مثلما حصل مع فرقة المعتزلة التي تم حرق جميع نصوصها فلجأ الكتاب الى تفسير فكرها من خلال ما كتب ضدها ومن خصومات كالت لها الكثير من العداء.
الوحيدون الذين رفضوا مقولة كتابة المذكرات هم الشيوعيون في روسيا حين اعتبرها الزعيم جوزيف ستالين هرطقة بورجوازية، لكنهم اليوم تجاوزوا هذا المفهوم، ومن يقرأ بعض كتابات مسؤول كبير في الحزب الشيوعي اللبناني كريم مروة يعرف التجاوز الذي حصل لديهم.
لاشك أن القيادة عالم من التفاني وان كان القائد على ما يبدو مستنفرا من أجل بلاده أو أمته.
.عالم القيادة مشحون بالضرورات التي تؤمن المسيرة بلا منغصات، وحده يتحملها، ينتظر الجميع رأيه في الأفكار التي تعرض عليه من مستشاريه أو الأفكار التي وضعها بعض المستشارين كي يعطوا رأيا فيها.
لا يعرف الناس ماذا يجري في الأعالي من أجل إبقاء المجتمع على ما هو عليه من ركائز وهدوء واستقرار وكيفية مواجهة العواصف والصعاب.
يقال إن صدام حسين على كل ما يؤخذ عليه من عنجهية كان يرضخ لأفكار مستشاريه، ومن شدة الوله بنفسه كان يعتقد أنه سيحكم العراق طويلا، فلقد عاين يوما أحد قصوره التي كان يبنى فلم يعجبه شكل درجه أي سلمه، فقال للمهندس « كيف سأصعد عليه عندما سأكون في التسعين من العمر».
القيادة مسؤولية وليست ترفا، لعلها أصعب المهمات التي تختار، لكن ليس كل سياسي أو عالم يصلح أن يكون قائدا، يولد القائد قائدا وتزيده الخبرات وثوقا بموقعه وبقيادته..
وكلما وجد حوله رجال حكم وثقة ومسؤولية، حصل على زخم إضافي، فالرجل كثير بأخوانه كما يقول الإمام علي بن أبي طالب، وليس هنالك من قائد يمكنه أن يكون الكل في واحد. عندما يكتب القادة الكبار مذكراتهم أو يوميات ملتهبة كما فعل تشرشل وديجول وغيرهما، نشعر بهذا الصنف من الصدق في رسم الواقع ودوره فيه.
.من المؤسف أنه لم يتسن لجمال عبد الناصر كتابة مذكرات مفصلة أو يوميات مسجلة، سوى أن بعض من كان حواليه كتب في هذا الاتجاه مثل خالد محيي الدين الذي له كتاب بعنوان «الآن أتكلم « وفيه سرد عن شخصه ومسؤولياته اللاحقة.
كذلك هو الحال مع حسين الشافعي.
لقد ذكرت ان لدى ياسر عرفات يوميات كان يكتبها لم تخرج الى النور.
.يطرح ذلك تساؤلات عما إذا كانت صادمة أوعادية، ومن المعروف أن عرفات كان صاحب مزاج منفتحا على الجميع، لا يحب إزعاج أحد، وليس من طبعه ذلك.
.لكن مرحلته ثمينة جدا وتحتاج لمن يرفع الغطاء عنها وليس سوى مذكراته ما تقول الحقيقة في زمن طويل من الصراع ومن الاحداث العربية والدولية التي مرت.
نتلهف إذن لقراءة مذكرات القادة، وخصوصا أولئك الذين ملأ حضورهم الطويل عالمهم والعالم عموما مثل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو الذي أجرى ذات يوم حوارا مع مجلة خليعة هي « بلاي بوي» فكانت عبارة عن قراءة في ثقافته وليس في طبيعة حكمه فقط.
.ولقد حاول بعض الكتاب أن يخرجوا بمثل تلك اللقاءات أي ان يتناولوا الجانب الآخر من حياة الزعيم والقائد والمسؤول من اجل اطلاع جمهوره على جانب من شخصيته غير المعروفة، كمثل اهتماماته الثقافية والفنية وقراءاته، واذكر اني حين حاورت الجنرال اللبناني ميشال عون وكان لم يزل قائدا للجيش وكان ذلك في نهاية الثمانينات، ان سألته عن قراءاته فرد بأنها حول كيفية إدارة الحكم، عندها عرفت أن هذا الرجل يرشح نفسه لمنصب كبير، وبالفعل، ما أن انتهت مدة رئاسة الرئيس أمين الجميل دون انتخابات رئيس جديد حتى قام بتعيينه رئيسا للوزراء، وكانت المصيبة التي حلت بلبنان أن هنالك رئيسا للوزراء أيضا هو سليم الحص، فبدأ النزاع الذي انتهى بدراما عسكرية.
استدرك لأقول أن أكثر مناطق العالم غنى بأحداثها هي منطقتنا العربية نظرا للصراعات الكبرى التي تعيشها منذ نكبة فلسطين وما قبلها وما بعدها.
.وخصوصا تلك البلدان الحساسة التي لها أدوار في لعبة الأمم.
هنالك شخصيات ظهرت على المسرح ولعبت أدوارا، لكن هنالك من لم يظهروا وقد لعبوا ايضا أدوارا مهمة أدت أغراضا مهمة.
هؤلاء يجب أن لاتفوت فرصة التعرف عليهم وعلى أدوارهم حتى ولو بعد حين.
.كان النظام القديم لصدور الأسرار يتجاوز الثلاثين سنة، اما اليوم فلم يعد للسنين شأن في ظهور المعلومات والأسرار إلا اذا كانت خطيرة لدرجة تستدعي إسدال الستار عليها نهائيا.
كلنا إذن نمر على مسرح الحياة، لكن حكاياتنا الشخصية وقصصنا ليست متشابهة أبدا..
لكل منا يوميات خاصة لم ننتبه إليها، لكنها مهما كانت مرت في منطقتنا العربية ضمن أحداث عامة كان لنا رأي فيها سواء كتبناه أو قلناه أو شعرنا به وعبرنا عنه شفويا للعائلة أو للأصدقاء.
ونتيجة لغزارة الأحداث في بلادنا العربية، ولبروز قيادات ومسؤولين من أشكال وأنواع ومواقع مختلفة، صنعتها الأحداث، أو الدفع الخارجي الذي نعرف من أين يأتي وكيف، لابد من التمسك بكتابة التفاصيل اليومية لكي لا نكون قد مررنا في فراغ فيما الواقع كان عكس ذلك تماما.
لهذا اتمسك بضرورة الكتابة، كل من موقعه، ومن الدور الذي ارتسم له او رسمه لنفسه إذا كانت هنالك مسافات خاصة للحركة الشخصية.

إلى الأعلى