الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / العائد .. بين مخالب الدب وسهام الهنود الحمر
العائد .. بين مخالب الدب وسهام الهنود الحمر

العائد .. بين مخالب الدب وسهام الهنود الحمر

عرف الصيد للبشرية منذ أن اتخذه الانسان البدائي وسيلة للحصول على قوته اليومي، وذلك بعد مروره بمرحلة جمع والتقاط الثمار وما احتوته الطبيعة من خيرات.
وبعد أن تمكن الانسان الأول من صنع الوسائل اللازمة للصيد كالحراب والاقواس والسهام، وغيرها.. ، بدأ في امتهان صيد الحيوانات سواء الاليف منها أو المتوحش ليحصل على طعامه. وربما بدأت مرحلة الصيد بعد أن راقب الانسان الحيوانات التي تفترس نظائرها لتتغذى عليها.
ومع مرور الوقت وارتقاء الحياة البشرية، بدأت مرحلة الاستقرار، حيث اكتشفت الزراعة وامتهن الانسان الرعي وتربية الماشية، ولم يبق الصيد كما هو نشاطا للاقتيات فقط، فقد أصبح يُمارس ضد الحيوانات المفترسة التي باتت تهدد البشر وثرواتهم الحيوانية.
الا أن الصيد لم يتوقف عند هذه المرحلة، فقد تطور ليصبح رياضة يمارسها علية القوم للترفيه، ثم أصبح وسيلة لكسب الاموال ببيع فراء الحيوانات وأنيابها وغيرها ..
قصص وروايات رحلات صيد الانسان رصدتها أدبيات عدة، قبل أن تصبح محور اهتمام لكثير من المعالجات السينمائية، خاصة الوثائقية منها.
بدورها هوليوود تحظى بعدد لا بأس به من تلك النوعية، وربما جاء أكثرها عبر مغامرات صيد في ظلمات البحر أو صراع عنيف مع أحد وحوش البرية، كعمل اليوم الذي يجسد رحلة ملحمية لحملة أميركية من صيادي الفراء على الحدود الكندية في منتصف القرن الثامن عشر وما تعرض له أحد اعضائها من خيانة ومعاناة خلال رحلة عودته من الموت.

العائد (The Revenant) : فيلم ويسترن ومغامرات أميركي، كتبه مارك إل سميث، واخرجه المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، الذي ساهم في كتابته أيضا.
إيناريتو الذي تمكن من الوصول الى المجد في عالم الاخراج عقب دخوله من باب الاعلانات التجارية، وامتعنا عبر العديد من التحف السينمائية، أبرزها ” 21 غرام ” أو” 21 Grams” 2003 و”بابل” أو ” Babe ” عام 2006 ، جميعها رشحت للأوسكار، كما أنه انتزع بمخالب طائره (Birdman)، 4 تماثيل ذهبية في حفل توزيع جوائز الأوسكار السابع والثمانين العام الماضي، بينهم أفضل فيلم ومخرج، يستعد هذا العام لاقتناص المزيد من جوائز الاوسكار، لكن تلك المرة ليس بواسطة طائره الذي حلق في سماء الابداع، لكن عن طريق حراب وسهام صياد شجاع الذي حتما سيواجه معركة قاسية داخل غابة الاوسكار.
يعتمد العمل الجديد لإيناريتو على وقائع حقيقية ونص روائي يحمل نفس الاسم للكاتب مايكل بانك. هذا الرجل لا يسمح بعبث التكنولوجيا في أعماله حيث يصفها كما جاء بموقع هوليوود ريبورتر بـ(الهراء) في حال تمت الاستعانة بالشاشات الخضراء أو (كروما). كما يفعل العديد؛ لذا يستعين بمواطنه المكسيكي ملك المشهدية كما يلقب، ايمانويل لوبيزكي الذي حاز على جائزة الأوسكار لأفضل تصوير سينمائي عامين متتاليين عن فيلم “جاذبية” او “Gravity” 2014 و”الرجل الطائر” أو”Birdman” 2015 أيضا. واليوم يتطلع لوبيزكي ليحافظ على وتيرة نجاحاته بالحصول على تمثال الذهب للعام الثالث على التوالي، في حفل جوائز الاوسكار وهو ما أتوقعه بعد مشاهدتي للشريط الذي صورت اغلب مشاهده تحت اضاءة الشمس الحقيقية التي اصرعليها الثنائي المكسيكي حفاظا على مصداقية المشاهد وواقعيتها. ليس هذا فقط بل اضطر طاقم العمل الى السفر لجنوب الارجنتين لإيجاد ثلوج حقيقية، فقد صورت اغلب مشاهد العمل في درجة حرارة 40 تحت الصفر كما صرح دي كابريو بأحد المؤتمرات الصحفية حول الفيلم.
الطبيعة تم تجسيدها كبطل حقيقي متوحش يلتهم كل من يحاول العبث معه ولا سبيل لديك سوى (الصراع للبقاء على قيد الحياة).
مدة التصوير استغرقت تسعة أشهر بين جبال كندا وبراري كالغاري، وجنوب الأرجنتين، ألبرتا، ومونتانا.
بطولة الفيلم اسندت للنجم الاميركي الوسيم ليوناردو دي كابريو، الذي يجسد دور الصياد (هيو غلاس) العائد من الموت. والذي من المتوقع أن يقوده الى حلمه الشخصي وحلم معجبيه الذي طال انتظاره، حلم حصوله على تمثال الأوسكارالذهبي الذي رشح لنيله خمس مرات سابقة. والذي بات قريبا منه عقب حصوله على جائزة أفضل ممثل درامي بمسابقة “جولدن جلوب” في نسختها الـ 73 ليل الاحد الماضي، وتصدر العمل ترشيحات جوائز الأوسكار في نسختها الـ 88 المزمع عقد حفلته في أواخر شهر فبراير القادم، حيث رُشح لنيل 12 جائزة من بينها أوسكار أفضل فيلم، وأفضل ممثل وأفضل مخرج وأفضل ممثل مساعد.
حتما انه دور مختلف يؤديه دي كابريو تلك المرة، وكأننا لم نشاهده من قبل، حيث يتخلى عن عباءة (الوسامة والرومانسية) التي قيدت شخصيته وربطتها منذ السفينة (تيتانيك) ويرتدي عباءة مصنوعة من فراء الحيوانات المتوحشة.
دور استثنائي وملحمي، الصمت فيه سيد الموقف في أغلب مشاهد الشريط، يقول عنه دي كابريو كما جاء في أحد المقالات المترجمة على الانترنت “هذا تحدّ مختلف بالنسبة لي، لعبت العديد من الشخصيات التي تتكلم كثيراً. هنا، أردتُ أداء شخصية تتكلّم بالكاد. كيف يمكنك أن تتابع رحلة مليئة بالمشاعر، والانسجام مع هم هذا الرجل من دون كلام؟”. إيناريتو يعقب عليه بحماس “هذا جوهر السينما. عدم الاعتماد على الكلمات، بل الصور والعواطف”. ومن المؤكد ان الشريط يمثل نقلة كبيرة في مسيرة دي كابريو الفنية، حيث بات أكثر رصانة واقناعا في تقديم شخصيات قاسية ووحشية.
يشاركه البطولة الممثل الانجليزي الذي فرض نفسه بقوة وسط نجوم الصف الاول في هوليوود توم هاردي، ويقوم بدور زميل هيو، الضاغِن (جون فيتزجيرالد) في اداء نال استحسان النقاد واشادة الجماهير.
الفيلم من الانتاج الضخم وتكلف انتاجه نحو 135 مليون دولار اميركي، وحقق ايرادات في الاسبوع الثالث من عرضه بلغت نحو 38 مليون دولار.

أحداث
على طريقة مخرجنا القدير ستيفن سبيلبرج، في عدم اهدار وقت شريطه بمقدمات لا تسمن ولا تغني من جوع، يبدأ إيناريتو أحداث الفيلم بشن هجوم دام من قبل أحد قبائل الهنود الحمر وتدعى الـ “أريكارا” على صيادي الفراء الاميركيين خلال احدى جولاتهم بقيادة الكابتن وليام هنري، في جبال داكوتا عند حدود كندا.
يتبادل الطرفان الصراع وتكون الغلبة لسكان الارض الاصليين الذين يعانون بدورهم من همجية وعدائية المستكشفين البيض في القرن الثامن عشر والذين استباحوا أرضهم ونهبوا خيراتها، واغتصبوا نساءهم وأعدموا شبابهم.
سهام الـ”أريكارا” تحصد أرواح العديد من الصيادين الذين يجبرون على التخلي عن أغلب بضاعتهم وجلود حيواناتهم الثمينة والهرب للنجاة بأرواحهم.
ينجح الكابتن ومعه بعض الصيادين في الوصول الى قاربهم بينهم هيو غلاس صائد الفراء الماهر و المغامر المتمرس المقيم على الحدود، الذي يشارك في تلك الحملة الاميركية التي تقوم بها شركة “روكي مونتانا للفراء”.
غلاس يشاركهم بخبرته في الصيد وقنص الوعول والأيائل، كما أنه يعتبر دليلهم خلال تلك الجولة وهو الذي يساعدهم على الاختباء من الهنود الحمر.
غلاس له أبن شاب هجين (مختلط العرق)، الذي يلازمه دوما في جميع تحركاته عقب اغتيال والدته الهندية على أيدي المستكشفين الفرنسيين الذين هاجموا قريتهم واحرقوا منزلهم.

في عداد الموتى

يبتعد غلاس عن رفاقه، باحثا عن صيد، فيقع في مواجهة دب أشيب يتمكن من الانقضاض عليه قبل أن يقنصه، ويبدأ في قضم لحم ظهره وصدره باستخدام اسنانه ومخالبه الحادة. في مشهد لم اشاهد في روعته من قبل فهو لن يبرح خيالنا بسهولة، 5 دقائق من العظمة وقمة الابداع والمشهدية المخيفة.
يتنبه غلاس الذي بات عاجزا عن الحركة، من خنجره فيسحبه ويقوم بتسديد عدة طعنات الى رقبة الدب حتى يستسلم ويخر صريعا فوقه.
في الاخير يعثر عليه رفاقه يرتعش وبحالة يرثى لها (في عداد الموتى) ، يتم تضميد جراحه ويفاوض قائد الحملة اثنين من رجاله وهما جون فيتزجيرالد والشاب جيم برديجر للبقاء مع غلاس مقابل 300 دولار، لكي يدفناه بعد وفاته المرتقبة، فيما يستكمل باقي افراد الحملة طريق العودة بعيدا عن الأريكارا الذين يسعون وراء البيض (الفرنسيين والاميركيين غير الأصليين، الذين يتهمونهم باختطاف ابنة زعيمهم وتدمير مستعمراتهم وسرقة أراضيهم وخيولهم).
الوحشية والحقد يجدان طريقهما الى قلب فيتزجيرالد، فهو يكن كرها سابقا تجاه غلاس، ويقرر طعن ابنه أمام عينيه حين يعترض الشاب على دفن والده حيا، بينما الصياد المسكين يصرخ قهرا وليس ألما فهو يعجزعن الدفاع عن ولده ومنع اعدامه بدم بارد كوالدته.
يتخلى الاثنان عن غلاس ويتركانه يصارع الموت مع جسد ممزق وجروح متقرحة لم تلتئم وسط برية “مثلجة” قاسية بدون أي مؤن، ففيتزجيرالد لا يكتفي بدفنه حيا بل يسرق متاعه وعتاده الأمر الذي لا يروق للشاب برديجر، لكنه يجبر تحت تهديد فيتزجيرالد له بالقتل، وينطلقا ليلحقا بالحملة.

الانسانية تموت

الرغبة القوية في الانتقام ممن خانوه، وذكريات زوجته وابنه اللذين فقدهما وأصبحت صورهما لا تفارق خياله، هي من تقتل انسانية غلاس وتجعل غرائزه الحيوانية تطفو فوق السطح، ليتحدى آلامه وجروحه التي نخرت جسده من رأسه الى أخمص قدميه، ويخوض رحلة عنوانها (الانتقام) عبر برية مترامية الاطراف.
يستر غلاس جسده المنهك الذي تملؤه التقرحات بأحد الفراء التي تركها رفاقه وراءهم، ويبدأ بالزحف ببطء وسط الغابات مرورا بالانهار والسهول التي تكتسيها الثلوج، ومع مرور الوقت يضطر غلاس الى التغذي على بقايا أحشاء الحيوانات النافقة والاسماك النيئة.
يلتقي غلاس فيما بعد بأحد الهنود الحمر الذي بدوره يصطحبه معه في رحلته للبحث عن قتلة عائلته ايضا، ويقوم بمعالجته باستخدام الطب الطبيعي، قبل أن يغتاله المستكشفون الفرنسيون الذين يعسكرون في الغابة ويمثلون بجثته. على الجانب الاخر يصل رفيقاه الخائنان الى المستعمرة الخاصة بالحملة ويتقاضان المكافأة التي عهد بها القائد لهما نظير بقائهما مع جلاس.

موعد مع الانتقام
(لم اعد خائفا من الموت، فلقد فعلت ذك بالفعل) بتلك العبارات يرد غلاس على القائد هنري الذي يأمر بمعالجته بعد أن يعثر عليه قريبا من المستعمرة، غارقا في آلامه وأنينه . هنري طلب من غلاس البقاء للراحة بينما سيطارد هو فيتزجيرالد، الذي يهرب حينما يعلم بنجاة غلاس من الموت، الا ان الاخير يرفض ويصر على الذهاب معه.
مواجهة دموية تجمع الطرفين، يتمكن فيها غلاس من تحقيق ثأره، في مشهد اخر على الطريقة القديمة فريد من نوعه يعيدنا الى أفلام الويسترن المحببة وسحر مصداقيتها، مع حركة كاميرا محسوبة ودقيقة للمبدع إيناريتو.

شريط أوسكاري، تميز بإبداع اقل ما يوصف به، ابداع في التكوين البصري والاخراج وسرده للانتقام وبالطبع الاداء التمثيلي.
فلسفته قائمة على أمرين، أولهما احترام الطبيعة والاخرى عن قيمة العائلة، فتمثلت الاولى حينما لم يحترم غلاس الطبيعة، فأنزلت عليه أشد انواع العقاب، فجعلته كالدمية بين مخالف الدب، واجبرته على الاختباء داخل أحشاء حصانه النافق من شدة البرد. بينما حينما قدر قيمة العائلة وقرر الانتقام ممن سلبوه اياها، اهدته حياته فجعلته يشفى ويحقق انتقامه كما أن الـ”أريكارا” تركوه يعيش في نهاية الشريط لأنه خلص ابنة زعيمهم خلال رحلته من ايدي مختطفيها الفرنسيين وساعدها على الهرب.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى